الصوم ربح للصحة والبدن وفرصة لراحة العقل

تم نشره في الاثنين 25 أيلول / سبتمبر 2006. 10:00 صباحاً
  • الصوم ربح للصحة والبدن وفرصة لراحة العقل

الحلقة الثانية

 

د. ماجد عسيلة

  عمان - نواصل في هذه الحلقة استعراض فوائد الصيام في الجوانب الصحية والبدنية والنفسية، فقد أكرم الله تعالى عباده بشهر رمضان الكريم الذي يعتبر فرصة لتحسين صحة الإنسان وللتخلص من بعض العادات السيئة، نظرا للتغيرات الفيسيولوجية والنفسية التي تطرأ على الجسم أثناء الصوم، لكن العديد من الناس وللأسف يستغلون هذا الشهر في النوم والخمول والكسل.

تغيرات تصاحب الصيام

  يحتاج الجسم لتأدية مهامه للطاقة مثلما تحتاج السيارة للوقود، هذه الطاقة يوفرها الجسم انطلاقا من هضم وتمثيل الأغذية التي يتناولها الإنسان انطلاقا من وجبات متفرقة طوال اليوم، إلا أن شهر رمضان يعتبر حالة خاصة لأن الصائم يمسك فيه عن الطعام من طلوع الشمس إلى غروبها، وهي مدة غالبا ما تتجاوز إثنتي عشرة ساعة، عادة ما يكون الشخص قد تناول فيها وجبتين أو ثلاث في الإفطار.

هذا التغير في نظام الوجبات يرغم الجسم على التكيف ويحدث العديد من التغييرات على المستوى الفيسيولوجي والنفسي تعود كلها على الصائم بالنفع والبركة، كيف لا، والصوم أمر رباني وحكمة إلهية وفيه كل الخير على المستوى الديني والصحي والنفسي. ويقول الدكتور ألكسيس كاريك: إن كثرة وجبات الطعام تعطل وظيفة أدت دورا عظيما في بقاء الأجناس البشرية، وهي وظيفة التكيف مع قلة الطعام، ولذلك كان الناس يلتزمون الصوم والحرمان من الطعام.

  وكما هو معلوم فإن نسبة السكر في الدم محددة، وأي نقص أو زيادة في هذه النسبة يترجم لمشاكل صحية، فأثناء الصوم يستنفذ الجسم سكر الجلوكوز الموجود في الخلايا والذي يأتيها بواسطة الدم، فيضطر الجسم إلى تفكيك مخزون السكر المتواجد في الكبد وهو عبارة عن جليكوجين، وعند نفاذ هذا المخزون أيضا يمر الجسم إلى استهلاك الدهنيات ثم يلجأ إلى البروتينات كحل أخير. وعليه فإن الصوم يقضي على الطعام الزائد في الجسم، ويمكن من تجديد مخزون الجليكوجين في الكبد وتقليل فضلات التحولات في خلايا الجسم، فينقص تراكم الدهون حول الأوعية ،مما يسهل حركة الدورة الدموية ويزيد الجسم سلامة وحيوية.

مقاومة الأمراض

  سبق أن قلنا أن الصوم ترافقه تغييرات تعود بالنفع على الإنسان، وقد أثبتت مجموعة من الدراسات فوائد الصوم في الوقاية من عدة أمراض، أو في تأثيره على حالة بعض المرضى، وقد يصل ذلك إلى أمرهم بعدم الصوم، وأشارت صحيفة الأخبار المصرية أنه قد أثبتت دراسات أجنبية أجريت على مجموعة من الصائمين أن كفاءة الأداء العضلي لهم تحسنت بنسبة 20% وآلام الساقين بنسبة 11% وسرعة دقات القلب بنسبة 20% وعن هذه النتائج يقول أحد الأطباء: خلال الصيام يتوجه جزء من الدم إلى العضلات والمخ، بدلاً من تركيزه على المعدة لهضم الطعام في الأيام العادية، فيؤدي ذلك إلى مزيد من النشاط والحيوية وتنظيم الدورة الدموية. وفيما يلي أمثلة لتفاعلات الصوم مع بعض الأمراض:

أولاً: الصوم ومرضى السكري

  على مرضى السكري في رمضان تنظيم جرعات الأنسولين حسب الوقت والكم، تحت إشراف طبيب مختص، حيث يقلل أحيانا من جرعة الدواء كي لا يدخل المريض في حالة هبوط في مستوى السكر.

وهناك أمر يشغل الأطباء وهو هبوط مستوى السكر في الدم إلى مستوى مقلق بما يحتاج إلى تتبع ومتابعة، وتتميز أعراضها بالشعور بالخمول أو الدوخة أو شعور بخفقان في ضربات القلب أو تعرق في الجسم، ولدى ظهور هذه العلامات، فعلى المريض أن يتناول كمية من السكريات، حتى لا يتعرض لمضاعفات خطيرة. وعلى هؤلاء المرضى القيام بتأخير السحور وتقليل النشاط البدني غير الضروري في فترة آخر النهار، مما يساعدهم على الوقاية من حالة الخمول ونقص السكر.

ثانياً: الصوم ومرضى القلب والضغط

  يضخ القلب الدم إلى مختلف أعضاء الجسم، ويستفيد الجهاز الهضمي 10% من هذه الكمية، لكن أثناء الصوم يرتاح الجهاز الهضمي، ويتوقف القلب عن ضخ هذه الكمية، مما يساعد مرضى القلب والذبحة الصدرية الذين سمح لهم الطبيب بالصوم على تحسين حالتهم. حيث بينت احدى الدراسات أن 80% من هؤلاء المرضى استطاعوا صيام رمضان بينما اضطر 10% منهم إلى الإفطار لعدة أيام في رمضان، ومع نهاية شهر رمضان، شعر 78% من المرضى بتحسن في حالتهم الصحية بينما شعر 11% منهم بازدياد الأعراض التي كانوا يشكون منها.

ويستطيع المصابون بارتفاع ضغط الدم الصوم مع ضرورة الاعتناء بتناول الأدوية، لاسيما أن هناك أدوية تؤخذ لمرة أو مرتين في اليوم، وينصحون بعدم الإفراط في تناول الأطعمة المملحة.

 ثالثاً: الصوم والجهاز الهضمي

  يرتاح الجهاز الهضمي نسبيا في شهر رمضان لقلة الوجبات، مما يفيد الناس عموما ومرضى هذا الجهاز على وجه الخصوص، لكن هذه الفائدة تحصل في حالة عدم الإسراف في الطعام عند الإفطار، والهجوم على المعدة بكميات كبيرة من الطعام بعدم أن بقيت خاملة أثناء الصوم، ويفضل أن يكون الإفطار على التمر أو الماء، وبعدها الأكل المعتدل حتى يتمكن الصائم من أداء الصلاة. وينصح مرضى عسر الهضم أو القرحة أو التهاب المريء وغيرها من أمراض الجهاز الهضمي، تجنب الإفراط في الطعام عند الإفطار أو السحور مع توزيع كمية الطعام على فترات متفاوتة وتجنب كثرة الدهون والاستلقاء بعد الإفطار.

رابعاً: الصوم والأمراض النفسية

  أثناء الصوم ينقص السكر في الدم، مما يؤدي إلى الهدوء والسكينة، فيشعر الصائم بالطمأنينة والتواضع، ولهذه الأغراض ثبت أن الصوم يفيد العديد من المرضى النفسيين، وقد أثبتت دراسات عديدة انخفاض نسبة الجريمة بوضوح في البلاد الإسلامية خلال شهر رمضان، وأن للصوم آثارا إيجابية في تقوية الإرادة التي تعتبر نقطة ضعف في كل مرضي النفس، كما إن الصوم هو تقرب إلى الله يمنح أملاً في الثواب ويساعد على التخلص من المشاعر السلبية المصاحبة للمرض النفسي، كما أن الصبر الذي يتطلبه الامتناع عن تناول الطعام والشراب والممارسات الأخرى خلال النهار، يسهم في مضاعفة قدرة المريض على الاحتمال.

خامساً: الصوم ومرضى الكلى

ينصح هؤلاء بتناول كميات كافية ووافرة من السوائل في المساء وعند السحور، مع تجنب التعرض للحر والمجهود الكبير أثناء النهار.

سادساً: الصوم ومرضى العيون

  تشير الدراسات أن بعض أمراض العين تتحسن تحسنا ملموسا بالصوم كالجلوكوما المزمنة البسيطة، إذ يؤدي الصوم إلى مقاومة هذا المرض بانخفاض في معدل إفراز السائل المائي، الذي يؤدي إلى انخفاض ضغط العين الداخلي، وهو نفس المفعول الذي يحدث نتيجة استعمال العقاقير المخفضة لضغط العين.

سابعاً: الصوم والتغذية

  كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطيبات، فإن لم تكن رطيبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من الماء، فالتمر والماء يدفعان الجوع والعطش، وأثناء أداء لصلاة المغرب يتم امتصاصهما، فيذهب الجوع الشديد عن الصائم، ويتناول وجبة الإفطار باعتدال، ويتفادى انتفاخ المعدة وعسر هضم، كما تمكن صلاة التراويح من تسريع الهضم بحركات الركوع والسجود، وهي تجلب الراحة النفسية.

  يقول غازي أحمد درادكة اختصاصي تغذية علاجية:"على الصائمين تناول الطعام ببطء ومضغه جيدا، ويجب المحافظة على هذه العادة لأنها تساعد على حسن الهضم بسهولة، وتشعر الشخص بالشبع الصحي؛ وينصح بأن يكون الطعام دافئاً، ولا يكون حارا بدرجة شديدة، ولا مثلجا لأن ذلك يسبب تهيجاً في جدار القناة الهضمية، مما يؤدي إلى عسر الهضم والشعور بآلام المعدة. من هنا يجب الحرص على تناول الأفطار على فترات متواترة؛ أي زيادة عدد الوجبات وتقليل كمية الطعام في كل وجبة، وذلك لتسهيل الهضم، والاستفادة من الغذاء بشكل صحي متكامل، دون تولد ظواهر مرضية ناتجة عن تجمع وتراكم الغذاء المتناول .

إن فوائد الصوم الصحية والنفسية لا يتسع حصرها، وقد حاولنا ذكر بعضها، وهي تزيد المؤمن إيمانا بحكمة هذا الخالق العظيم، والأبحاث العلمية حول الصوم قليلة جدا ويحتاج هذا الميدان لعناية أكثر.

التعليق