فلسفة الصيام

تم نشره في الأحد 24 أيلول / سبتمبر 2006. 10:00 صباحاً

شهر الرحمة (1)

 

د. عماد الراعوش

 

الصيام ظاهر الجوع والعطش والكف عن الشهوات، ولهذا الظاهر سر عظيم هو الذي يميز بين من جاع بنية الصيام ومن جاع لقلة الطعام، وبين من كف عن الشهوات بنية الصيام ومن كف عنها لأنه لم تتهيأ له تلك الشهوات. ونحن إذا أدركنا هذا السر أدركنا فلسفة الصيام.

إن للصيام سرا عظيما وأثرا على النفس كبير لا يدركه إلا من جربه على أصوله، من هنا جعل الله الصيام شريعة عامة كتبت على أهل كل زمان ومكان، لأن شهوة البطن والفرج فطرة في النفس، وفعلها في الإنسان إذا ما انفلتت سنة اجتماعية لا تتبدل، لذلك كان أسلوب ضبطها منهج ثابت لم يتغير، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183) .

فالصيام تربية روحية وجسدية واجتماعية ..

تربية روحية تسمو بالإنسان وبروحه من المرتبة الحيوانية إلى المرتبة الملائكية التي لا تحكمها الشهوات، والإنسان مذ خلق وهو يتردد بين هاتين المنزلتين، أحيانا يقهر شهواته ووأحيانا تقهره، لذلك شرع الإسلام الصيام تجويعا وقهرا لهذه الشهوات لتبقى في حدودها المعقولة وليبقى بينها وبين الانفلات حاجز منيع.

والصيام تربية روحية تتعامل مع الإنسان على أنه جسم وعقل وروح، ولكل ركن من هذه الأركان حاجات، والتربية السليمة تقوم على التوازن في تلبية هذه الحاجات، بحيث لا تقدم حاجة من حاجات ركن على حاجة آخر، ولا يُفْرط في تلبية حاجة واحد منها بالتفريط في حاجة آخر، وشهوة البطن والفرج حاجة من حاجات الجسم، والجسم مفطورة على حب الاستزادة منها فإن لبيت هذه الاستزادة ستكون حتما على حساب الروح، فإذا وقع ذلك انحط المرء من مرتبة الملائكية وصفتها التجرد عن الشهوات إلى مرتبة الحيوانية وصفتها الانغماس فيها، والصيام مانع من ذلك.

يقول الإمام أبو الحسن الندوي في كتابه الأركان الأربعة: "إذا ضعف سلطان الروح، وزال حكمها، وتقلص ظلها، وملك الجسد زمام الحكم، واسترسل في لذاته وشهواته، ورتع فيها رتع البهائم، وجن بها جنونا، وأبدع فيها ألوانا وفنونا، وتخطى حدود العقل والعرف والصحة والطب والعدل والشرع، وانصرفت همته وذكاؤه وإبداعه وعبقريته إلى التفنن والتدقيق والإسراف والإكثار من أنواع الطعام والشراب والتهامها... يصبح وهو في أوج مدنيته وحضارته وقمة علمه وثقافته كحمار الطاحونة أو كثور الحرث، يدور بين المطعم والمرحاض، لا يعرف غير الطواف بينهما شغلا وجهادا فتموت فيه كل رغبة إلا رغبة الطعام والشراب ويتبلد فيه كل حس إلا حس اللذة والمتعة ". ويصدق في هؤلاء قوله تعالى: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ" (محمد:12) بئست الحياة هذه ونعم الصيام الذي ينقذ المرء من هذا الارتكاس، ويحرره من سلطان الغرائز.

والصيام تربية روحية لأنه يربي في الإنسان روح العبودية والانقياد والاستسلام المطلق لربه وخالقه، ففي الصيام يقوم العبد ويصنع الطعام ويأكله في وقت ألف فيه النوم، ولو فعل ذلك في غير الصيام لكان مثار استغراب واستهزاء من الناس، ثم ينقطع عن ذلك حرا مختارا فلا يأكل وقد ضوّره الجوع، ولا يشرب وقد أظمأه العطش، ولو فعل ذلك في غير الصيام لكان كذلك مثار استغراب واستهزاء. لكن هذه هي العبودية التي حمدها الله في خلقه، ولهذه العبودية أثر بالغ إذ تدفع العبد لأن يترك ما ألف ويفعل ما لم يألف استسلاما لله، وهذا يربي فيه روح التزام حدود الله واجتناب نواهيه، صائما كان أو مفطرا، وهذه حقيقة الإيمان الخالص، فعندما يترك الإنسان في صيامه ما أباح الله له في غير الصيام، كان أكثر حرصا على اجتناب ما حرمه عليه.. ترى هل يأكل الحرام من ترك الحلال خوفا من الله، وهل تتطلع نفسه إلى النساء المحرمات من ترك زوجته حليلته حياء من الله، وهل تمد يده إلى مال غيره من بذل ماله إلى غيره شفقة عليهم.

على العكس تماما فإن من ينغمس في هذه الشهوات المباحات ويستغرق فيها يكن أكثر عرضة لأن يقع في المحرمات، لذلك جعل الله الصيام حما للعبد عن محارمه، وجعل من الجوع حبسا لشيطان النفس قال صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم" (رواه البخاري). وإنما تضيق مجاريه بالجوع، من هنا قال صلى الله عليه وسلم "الصوم جُنّة" (رواه البخاري) أي وقاية وستر من المحرمات.

لهذا جعل الله الصيام دون سائر العبادات له، يقول صلى الله عليه وسلم: " كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فأنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه من أجلي، ويدع شرابه من أجلي، ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي" (روه نحوه البخاري).

والصيام تربية روحية تربي في العبد خلق شكر النعمة، والمقصود نعمة الطعام والشراب والشهوة المباحة، لأن الإنسان إذا ألف هذه النعم قل شعوره بها، وإن قل شعوره بها قصر في شكر منعمها، وتلك معصية، فإن حرمها بالصيام أحس بها وبقيمتها وبفضل منعمها فاتجه له بالشكر، وتلك عبادة، من أجل ذلك قال صلى الله عليه وسلم قال: " عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت ضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت شكرتك وحمدتك". (رواه الترمذي وحسنه).

 

والصيام تربية روحية تربي العبد على الصبر وقوة الإرادة، فمن أعظم الصبر أن يمتنع المرء عن الطعام والشراب حتى يبلغ منه الجوع والعطش مبلغا، فلا يأكل ولا يشرب والطعام والشراب في متناول يده، ومن أعظم الصبر أن يمتنع المرء عن زوجه وتغالبه الشهوة فلا يطأه وهو بجانبه، مع أنه لا رقيب عليه في ذلك ولا حسيب سوى نفسه ومراقبته لله. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: " الصوم نصف الصبر "(رواه الترمذي وحسنه).

والصيام تربية جسدية وصحية تقي الجسم وتعالجه من كثير من الأمراض، لأن الإفراط في تناول الطعام والشراب سبب من أسباب كثير من الأمراض، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: " ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس". ( صحيح رواه ابن ماجه) وإذا كان الداء في الإفراط في تناول الطعام فإن الدواء في الاعتدال في تناوله.

ومن طرق الوقاية التي يحققها الصيام أن الإنسان عندما يمتنع عن الطعام يتجه جسمه إلى المواد الدهنية المخزونة في الأنسجة، فيحرق السكريات والدهون المخزونة الزائدة، ويتخلص من السموم المتراكم، ومن الدهون الملتصقة بجدران الأوعية الدموية، وهذا يزيد من حيوية الجسم ويحسن عمل الخلايا.

كما يعتبر الصيام علاجا فعالا أو مساعدا للسمنة أو زيادة الوزن، ويعالج الصوم كثيرا من مشكلات الجهاز الهضمي مثل زيادة الحموضة والقولون العصبي وعسر الهضم وانتفاخات البطن؛ ذلك لأن امتناع الصائم عن الأكل والشرب طوال فترة الصوم يعطي فرصة لعضلات وأغشية الجهاز الهضمي لأن تتقوى وتزيد عملها وحيويتها.

والصيام تربية اجتماعية تربي الإنسان على تذكر إخوانه الفقراء وتقديم العون لهم، فالغني الشبع لا يحس بما يحس به الفقير الجائع، فإذا صام الغني طوعا ولدغه يوما جوع طالما لدغ إخوانه الفقراء قهرا، عندها يسمع الغني أنات الفقراء بنداء من داخل بطنه ينطلق مع قرقرت بطنه من الجوع، عندها يحس بمصابهم وترق نفسه لحالهم، ويكون ذلك دافعا له لتقديم يد العون لهم. قال أحمد شوقي: إن الصيام شرع حتى إذا جاع من ألف الشبع وحرم المترف أسباب المتع عرف الحرمان إذا وقع والجوع كيف ألمه إذا لدغ". من هنا شرع الإسلام صدقة الفطر في رمضان، ورغب في سائر الصدقات وضاعف أجرها. 

دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن

التعليق