هيجل: التأثر بالتاريخ واستحالة "معرفة الأشياء في ذاتها"

تم نشره في السبت 26 آب / أغسطس 2006. 10:00 صباحاً
  • هيجل: التأثر بالتاريخ واستحالة "معرفة الأشياء في ذاتها"

 ذكرى وفاة أبرز ممثلي الفلسفة الكلاسيكية الألمانية

 

محمد جميل خضر

عمّان- يعد الفيلسوف الالماني جورج ويلهلم فريدريك هيجل (1770 - 1831) من أبرز ممثلي الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، عاش في مجتمع إقطاعي تسوده رجعية النبلاء، وتأثر الى ذلك برياح الثورة الفرنسية التي طالبت بتحرير الإنسان وتأثر بكليهما؛ كما تأثر بـ"كانط" وفلسفته العقلية بمثل ما تأثر بالشاعر الرومانسي الألماني هلدرلين.

في مدينة شتوتجارت، ولد هيجل الذي تصادف اليوم ذكرى وفاته قبل 175 عاما، في أسرة موظف كبير بإحدى الدويلات الألمانية الصغيرة "إمارة فيورتمبرغ"، ودرس الفلسفة واللاهوت في جامعة "تومنجن" ثم أصبح أستاذاً في جامعة "إيينا" .

وعرف الفيلسوف الذي لايجيد الخطابة ولا الكلام، بأنه صاحب أسلوب معقد، وفيما كان يدعو إلى التمسك بالأخلاق وترابط الأسرة، أنجب في الوقت ذاته "ابنا غير شرعي..!"؛ قرأ الآداب الكلاسيكية وأغرم بها وكان لا يمل من قراءة الكتب الرخيصة التي عايره بها شوبنهور طوال حياته.

وبشكل عام شكل مزاجه ومنظومة أخلاقه وشخصيته سلسلة من التناقضات، بلغ خلالها ذروة التجريد من دون ان ينفصل عن الواقع..!؟

وهذا ربما ما يفسر تأثر فلسفات عديدة واحيانا متناقضة بفكره واطروحاته وفلسفته التي نجدها تعمل في اتجاهات متباينة أشد ما يكون التباين؛ فـ"الماركسية" أخذت عنها وكذلك "البروتستانتية" المتحررة، "والوجودية" تأثرت بها، وكذلك البراجماتية والوضعية المنطقية.

صدر مؤلفه الاول"فينومينولوجيا الروح" في العام 1806 وشكل حسب تعبير ماركس"المعين الحقيقي" للفلسفة الهيغلية؛ ثم أصدر بعد ذلك مؤلفه الضخم الثاني"علم المنطق".

وحدد"انجلز" المكانة التاريخية لـ"هيغل" في تطور الفلسفة بقوله:"لقد بلغت هذه الفلسفة الألمانية الجديدة ذروتها في مذهب"هيجل" والذي تكمن مأثرته التاريخية العظيمة في أنه كان أول من نظر إلى العالم الطبيعي والتاريخي والروحي بوصفه عملية؛ أي في حركة دائمة وفي تغير وتطور، وقام بمحاولة للكشف عن العلاقة الداخلية لهذه الحركة وهذا التطور.

لقد صاغ"هيجل" الديالكتيك باعتباره علماً فلسفياً يعمم التاريخ لكامل المعرفة وكذلك القوانين الأكثر شمولاً لتطور الواقع الموضوعي وانتقد بعمق وحزم المنهج الميتافيزيقي ليصوغ وإن كان بشكل مثالي _ قوانين ومقولات الديالكتيك.

ودحض الى ذلك الأفكار الخاطئة في تعاليم "كانط وفيخته وشينغ "، انطلاقاً من المبدأ الديالكيتكي في وحدة الجوهر والمظهر، يعارض"هيجل" آراء "كانط" في استحالة معرفة "الأشياء في ذاتها"، فليس في طبيعة الأشياء أية عوائق أو حدود تقف أمام عملية المعرفة.. وأن الجوهر الخفي للعالم ليس لديه القوة لمجابهة المعرفة الجسورة، وهذا هو الرد الحاسم على"كانط" حول هذا الموضوع.

وتشكل فكرته حول وحدة الفكر والوجود، نقطة الانطلاق في فلسفته، ويرى هيجل أنه لا المادة ولا الوعي البشري يمكن اعتبارها أولية، لأنه لا يمكن منطقياً استنتاج الوعي من المادة كما لا يمكن استنتاج المادة من الوعي الإنساني وهذا الوعي يجب النظر إليه بوصفه نتيجة للتطور السابق لجوهر أوَلي مطلق؛ لكن هذا الجوهر الأولي المطلق لا ينظر إليه"هيجـل" على أنه وحدة مطلقة للذاتي والموضوعي دون أي تمايز بينهما.

إن الوحدة الأولية التي تشكل الأساس الجوهري للعالم هي:"وحدة الوجود والفكر" ، وحدة يتمايز فيها _منذ البداية_ الموضوعي والذاتي؛ لكن هذا التمايز موجود في الفكر فقط.

إن الفكر عند هيجل ليس نشاطاً إنسانياً ذاتياً فحسب، بل هو أيضاً ماهية موضوعية مستقلة عن الإنسان ومصدر وأساس أوَّلي لكل ما هو موجود، وهذه الوحدة والتمايز بين الوجود والفكر "بين موضوع الفكرة والفكرة ذاتها هي تعبير ضروري عن ماهية الفكر الذي يعقل ذاته، يجعل من ذاته مادة للفكر، موضوعاً، إنه بذلك"ينشطر"، ينقسم إلى ذاتي وموضوعي"الوجــود والفكــر".

تتألف فلسفة هيجل من أجزاء ثلاثة؛ المنطق الذي كان قبله علماً عن الصور أو الأشكال الذاتية البشرية للوجود، فلسفة الطبيعة التي يقول فيها"إن الفكرة المطلقة بعد أن أدركت محتواها الذاتي قررت طوعاً أن تحل نفسها لتشكل الطبيعة"، وفلسفة الروح، وهنا يدرس هيجـل "الفكرة المطلقة" في المرحلة الأخيرة من تطورها بعدما هجرت الطبيعة لتعــود إلى ذاتها على شكل"الروح المطلق" ، أي أن الفكرة المطلقة بعد أن نسخت نفيها"الطبيعــة" تطورت كوعي ذاتي للبشرية على امتداد التاريخ العالمي.

إن فلسفة الروح عنده ليست إلا الآراء الفلسفية عن تطور المعرفة الفردية والاجتماعية، وعن التطور العقلي للبشرية عموماً، وهي تتألف عنده من تعاليم حول الروح الذاتي"الفينومينولوجيا" والأنثروبولوجيا، الروح الموضوعي: الحق، الأخلاق والدولة والروح المطلق: المرحلة الأعلى لوعي"الفكرة المطلقة" لذاتها ممثلة في"الفن والدين والفلسفة".

وتعد فلسفة التاريخ عنده من أكثر أجزاء فلسفته شيوعاً وأميزها شهرة وثراءً معرفياً، ذلك أنه أقامها على أساس دقيق فصل القول فيه من خلال تعريفه للتاريخ نفسه بأنه ليس ذلك المدونات النظرية التي يقوم خلالها المؤرخ بسرد الأحداث والوقائع وتبويبها وتقديمها للقارئ بصورة خطية مستقيمة، كما أنه ليس ذلك النمط الذي يتعرض للوقائع التاريخية الماضية بهدف استخلاص العبر والدروس من ذلك الماضي واقتراح حلول معاصرة اتكاءً على أحداث الماضي باعتبار أن التاريخ شاهد ومهمين على العقل الكلي، وبالتالي فإن أحداثه الماضية التي أدار من خلالها العقل لتصريف الوقائع التاريخية الماضية صالحة لاستخلاص الآلية المناسبة منها لإدارة الوقائع الحالية، فهذا كله وأمثاله لايعد في نظر هيجل تاريخاً بالمعنى الفلسفي لكلمة التاريخ إلا بمقدارتقديمه للأحداث التي وقعت كناحية وصفية ليس إلا.

أما التاريخ الحقيقي وفق الفلسفة الهيجلية فهو ذلك التاريخ الذي يهيمن على الوقائع ويصوغها ضمن منطقها الداخلي من خلال تفاعل الشخصيات التاريخية نفسها مع المقصد الخفي الذي يبلوره المنطق الباطني للتاريخ، حيث يقوم التاريخ وفقاً لهذه الفلسفة بتفسير الوقائع واستخراج القوانين والتنبؤات لما سيجري من غير التقيد بزمن معين يراد له أن يبسط قوانين وآلية جريان أحداثه على زمن آخر، والسبب في ذلك أن العقل كما يراه هيجل هو جوهر التاريخ، ومن ثم فهذا العقل هو الذي يتحكم في أحداث العالم عن طريق التاريخ نفسه، وبالتالي فكل حدث من أحداث التاريخ إنما جرى وفقاً لمقتضيات العقل الذي يموضع الأحداث العالمية لتخدم قصداً معيناً أوهدفاً محدداً ولكن من تحت مظلة التاريخ.

التعليق