قراءات تجسد ذاكرة حرب ومدينة تحولت إلى خردة

تم نشره في الجمعة 25 آب / أغسطس 2006. 09:00 صباحاً
  • قراءات تجسد ذاكرة حرب ومدينة تحولت إلى خردة

"من بيروت للي بيحبونا" يوميات خمسة أشخاص تحت القصف على مسرح البلد

نوال العلي

  عمّان- لم يترك صوت سوسن حبيب المبكي حين استهلت القراءة المسرحية التي نظمها مسرح البلد مساء أول من أمس بأغنية "إلهي أعدني إلى وطني عندليب" أحداً من الحضور من دون أن ينبش في أعماقه الإنسانية مسترجعاً كل ما اختزنته الذاكرة من مشاهد القصف الإسرائيلي على بيروت الذي بدأ في 12 تموز (يوليو) الماضي وانتهت في 13 آب (أغسطس) الحالي.

  وجاءت أمسية "أصوات يومية تحت القصف" لقراءة يوميات أناس عاديين تحت القصف، وهي مبنية على مذكرات لخمسة أصوات وخمسة أفراد لاتربطهم أي علاقة ، وجدوا ملجأهم في الكتابة أثناء الحرب عبر الرسائل الإلكترونية والمذكرات اليومية. كتبوا من أجل التواصل، كسر الصمت وتفريغ أذهانهم من الضجيج الداخلي، وكانت النصوص المقروءة لزينة خليل، ومايا رزق الله، وسعاد العامري، ونادين من لبنان والمتوفاة راشيل كوري. 

  ظهرت بيروت واختفت ،وظهرت فلسطين واختفت ،ظهرت كل الصرخات والصيحات وأنات الجرحى واختفت، ثم ظهرت الحرب بقسوتها ودمائها المسفوكة على شوارع المدينة الثكلى بعد أن خلفها القصف الإسرائيلي وحيدة وخربة ومكثت. تقول سمر دودين وهي تؤدي نصا لنادين من بيروت "بتتذكر لما كنا نمشي حوالين بيروت؟ كنا نفتش على قطع خردة...بتتذكر ما قدرناش نلاقي اشي، هدا كان قبل شهرين، ضليت تسألني وين الخردة بهالمدينة يانادين؟. ياصديقي العزيز الخبرية هي انو هلأ عندك خردة قد مابدك...الخبرية العاطلة انو بطل في مدينة".

  فيما قرأت ريم أبو كشك النص الإنجليزي المقتبس من عدة يوميات منها مقتطفات من كتاب سعاد العامري شارون وحماتي، ومنها الموقف بين العامري وأحد الجنود الإسرائيليين: "لم أستطع التحمل، كنت ممتلئة بالغضب وقررت أن أبدأ، رأسي كان على بعد إنش واحد من رأسه. لماذا تحدقين بي. توقفي عن التحديق بي. ألم تسمعي ماقلت. توقفي عن التحديق بي! هل أنت صماء؟".

  وقرأت دودين صوت راشيل التي بدت رسائلها مضطربة ومكتئبة نتيجة وجودها تحت القصف المستمر، فتبين في أحد المقاطع "على كل حال أفكاري كتير مشتتة، بس بدي أكتب إلك يما وأقول لك إني شاهدة على إبادة جماعية بدي أقولك انو إيماني العميق بانو الإنسان بطبعه طيب بدأ يهتز لازم كل اللي بيصير يوقف...بشعر اني مش قادرة أصدق خايفة ومحبطة انو يكون هدا هو الواقع الحقير لعالمنا ما كانش هدا اللي بنتمناه لما جيت على هدا العالم..ومن دون أي تعب على الإطلاق من دون أي وعي...بشارك في حرب إبادة أنا بعيش في وسط حرب إبادة أنا بشكل مباشر وغير مباشر مسؤولة عنها".

  وغنت حبيب مقاطع من أغاني "هدير البوسطة"، و"ياقمر أنا وياك"، و"سهرة حب" لفيروز و"بلا ولا شي" لزياد الرحباني و"رح حلفك بالغصن" لوديع الصافي و"ياريت" لريمي البندلي و"أنا مش إلك" لجوليا بطرس وغيرها من اللبنانيات التي حفرت مكانها في الذاكرة الروحية العربية وشكلت بعداً إنسانياً وعاطفياً ترك أثره وما يزال في الثقافة العربية.

واختتمت القراءة برسالة فيديو بعنوان "من بيروت للي بيحبونا" التي صورت في 12 تموز(يونيو) في استوديوهات "بيروت دي سي" بالتعاون مع "صامدون" وهو تجمع من المؤسسات الأهلية والأفراد المشاركين في الجهود الإغاثية والإعلامية ضد الهجوم الإسرائيلي على لبنان.

وتقول إحدى الشخصيات في الفيلم "نحنا أربع ملايين في لبنان، مية وخمسين ألف واحد تشردوا وأكثر من تلاتمية استشهدوا وأكتر من ألف جرحى". ولابد من الإشارة هنا إلى أن هذه الأرقام كانت في أوائل أيام الحرب الأخيرة.

وتظهر إحدى الفتيات في الشريط وهي تحاول غناء "يللي بحبونا يعزونا" بينما يقطع القصف محاولاتها المتكررة في الغناء. وبعد انتهاء الرسالة غنت حبيب الأغنية ذاتها قائلة "يللي بحبونا يتذكرونا".

  وفي أمسية أبكت الحضور وفتحت الجروح على وسعها وامتزج فيها الواقع الذهني بالقصف اليومي وتحولت فيه أصوات الطائرات إلى أصوات داخلية وآلام غير مفهومة ، تقرأ دودين على لسان الخليل "الساعة أربعة وربع في عقدة في معدتي، بدعي انهم ما يقطعوا الكهربا، بدي الإنترنت..هذا الاشي الوحيد اللي رح يخليني طبيعية. آخر الأخبار تسع صواريخ غارت على الضاحية. في كتير محلات ببيروت بلا كهربا، السما لونها أحمر، في قنبلة صوتها عالي كتير انفجرت. هلاء صاروا عشرة". 

كما أضفت قراءة النصوص باللغة المحكية شعوراً بأن كاتب هذه اليوميات ليس ببعيد وأنه شخص عادي جداً أفاق ذات صباح ليجد نفسه في ملجأ منقطعا عن أصحابه وأهله وعمله وحياته في مواجهة طائرات تدك قلب مدينته التي أحب.

التعليق