مثقفون يتساءلون عن اخفاق النقد عن مسايرة فتوحات قصيدة النثر

تم نشره في الأربعاء 16 آب / أغسطس 2006. 10:00 صباحاً
  • مثقفون يتساءلون عن اخفاق النقد عن مسايرة فتوحات قصيدة النثر

اتهامات للنقاد بالعجز وتشويه الذائقة الجمعية

نوال العلي

  عمّان-يرى بعض الأدباء والنقاد أن قصيدة النثر استوفت حقها من النقد ولاتزال تثير كثيرا من النقاشات حولها،بينما يؤكد البعض الآخر أن كل ما قيل عنها هو محض جدالات تجاوزتها قصيدة النثر نفسها،فهل يكتب النقاد عن متن القصيدة وموضوعها أم عن شكلها،وهل الأزمة أزمة قصيدة النثر أم أزمة نقد؟

  ذات مرة قال الشاعر الفرنسي بودلير"من منا لم يحلم،في أيام الطموح  بمعجزة نثر شعري موسيقي،دون إيقاع أو قافية".وفي ظل هذا الطرح ربما تكون القصيدة العربية شقت طريقها في النثر بلا هوادة وهي تركض خلف هذا الحلم،وتتحرر من أسر البحور الشعرية الصارمة في محاولة لإعادة الروح والبطولة لشعر لبوسه النثر،مخترقة بذلك التابو التراثي والحضاري،ومشتغلة بنفس عربي لم يتغرب تماماً في النصوص الجدية منها،وإن اعتمد في الأساس على ما قدمته الثقافة الغربية في هذا الخصوص.فكان أدونيس أول من أطلق مصطلح "قصيدة النثر" في العام 1959 في مجلة "شعر" بناء على كتاب الناقدة سوزان برنار الشهير الذي كتبت فيه دراستها حول نقد قصيدة النثر في فرنسا،كما وضع الشاعر اللبناني أنسي الحاج البيان الأول لقصيدة النثر العربية في العام1960.   

  ولم تكتب بعد هذه المؤلفات والمحاولات محاولة معمقة للقراءة العربية لقصيدة النثر،أو دراسات نقدية تعيد النظر أو تقيم أو تدرس ما وصل إليه المنجز العربي لقصيدة النثر.ولم لا يتساءل احد لماذا تجاهل أو هاب النقاد تناول منجزات لا يمكن إنكارها لسليم بركات وامجد ناصر على سبيل المثال لا الحصر؟وما الذي شغل النقاد عنها،رغم حضورها القوي في الفضاء الأدبي الحديث؟

  تقول الشاعرة زليخة أبو ريشة "لست أدري اذا كان عزوف النقد عن تناول الشعر ظاهرة ،وتضيف، في النقد العربي الحديث على عكس ما كان عليه النقد القديم فاني أرى ان المهرجانات الشعرية العربية سواء في بلاد العرب أم في المهاجر تحرص ان تقدم على هوامشها دراسات نقدية في الشعر ،وان هذه المهرجانات من الكثرة بشكل يمكننا من ان نتصور الكم النقدي في الشعر العربي.وتشير ابو ريشة الى المتابعات النقدية السريعة التي تملأ الصحف تعقيبا وتعليقا على ما ينتج من مجموعات شعرية أو نشاطات شعرية ،بالاضافة الى الدراسات والاطروحات الجامعية التي تناولت شعراء الاقدمين وشعراء العصر.وترى أبو ريشة ان ما يوحي بوجود ظاهرة العزوف يتمثل في مزاحمة الاجناس الأدبية الأخرى للشعر في النقد ،فثمة رواية وقصة ومسرح وأدب مذكرات وأدب رحلات وهي جميعا لم تكن في وارد النقد القديم الذي تأسس عمليا بآراء الأصمعي في مطلع القرن الثاني الهجري في العصر العباسي الأول  بسبب غياب هذه الأجناس من ساحة المعرفة". وتؤكد أبو ريشة على انشغال النقد الأدبي بدليل زعم بعضهم ان الرواية العربية هي الآن ديوان العرب بعد ان كان الشعر ديوانها القديم.كما تؤكد" ما يزال الشعر سيد الاجناس العربية حتى لو تراجع قدره ونشره في العالم العربي".

  فيما يرى الشاعر حسين جلعاد انه إن صح فعلا ان تلك التجربتين (ادونيس والحاج)هما بوصلتا قصيدة النثر العربية،فإن المؤكد،وغير الشائع في الوقت نفسه،ان تلك المرجعية الفرنسية لقصيدة النثر العربية لا تشكل اهمية كبيرة في الشعر الفرنسي والعالمي بخصوص قصيدة النثر.

ويبين جلعاد أن مأزق نقد قصيدة النثر العربية يكمن في مأزق القصيدة ذاتها من جهة،وفي مأزق النقد العربي برمته من جهة أخرى،ذلك أن الخلاف على "اشكال" قصيدة النثر بين الشعراء العرب انفسهم،قد قاد بالضرورة اختلافا في وسائل قياسها والتنظير لها،وهنا ابتدأت مشكلة النقد حولها،فإلى جانب أن الادوات النظرية النقدية تعاني قصورا في ملاحقة مواضيعها التقليدية،فقد عجزت والحالة كذلك،عن اللحاق بتنظير قصيدة النثر.

  ولعل ما ساهم في تعميق المأزق النقدي هنا بحسب جلعاد،ان المنجز الحقيقي لقصيدة النثر بدا مرتبطا بأمنيات التنظير عند الشعراء أكثر ما هو متحقق فعلا في جسد القصيدة ذاتها.

وإلى ذلك يضيف جلعاد إن الاقتراحات الشعرية في ارض قصيدة النثر مشتتة ومبعثرة،وهي بهذا المعنى متناثرة ومتباعدة بحسب التجارب المتعددة والمتباعدة،فقصيدة ادونيس النثرية ذات وقع تراثي مغلق ببلاغة الكلام،فيما تتواضع قصيدة الحاج مثلا الى لغة بيضاء اشبه بومضات قياس دقات القلب،بينما يستجلب الماغوط لغته السهلة الممتنعة من عمق المشاعر الانسانية بشكلها اليومي،فيما يوازن سعدي يوسف بين روح العربية وعالمية وراهن "قصيدة نثر عربية"ان جاز التعبير.

  ويعزو جلعاد هشاشة قصيدة النثر ومصدر قوتها الرئيس في الوقت نفسه انطلاقها من الشعراء انفسهم،اي ان اقتراحات التنظير والتجسيد تتوزع في التجارب المتنوعة والمختلفة.مبيناً أنه وبالنظر إلى نسبية حداثة سن هذا النوع الشعري وقصر عمره في الاعتبار،فإن قصيدة النثر ما تزال في بداياتها رغم مرور نصف قرن كامل على "استيطانها" في أرض الشعر العربي.

ويخلص جلعاد إلى أن النقد لم يلحق بعد بقصيدة النثر،والاهم ان الشعراء انفسهم سينفقون مزيدا من الاجيال حتى تتجسد قصيدة نثر يمكن أن يمد النقد ادواته ليطاول انساقها وتياراتها،وحتى ذاك دعونا نسميه "قصيدة نهر"،لأنها لم تكد تدفق في شرايين الشعرية العربية التي تمتد لآلاف من السنين.

  وفي هذا السياق يرى الناقد د. مصلح النجار أن قصيدة النثر أثارت ولازالت تثير جلبة نقدية حولها،بيد أن هذه الجلبة تغير شخوصها وتغيرت مفرداتها ومصطلحاتها،خصوصا حين "اقتحمت قصيدة النثر أسوار فن الرواية والقصة القصيرة لكثير من الأعمال الروائية والقصصية الجديدة بمسحة شعرية جاءت من تخوم قصيدة النثر بسبب الشبه القائم بين الطرفين،فكلاهما نثر يدعي الشعرية".

  ويضيف النجار أن الثورة التي حدثت في علم السرديات في القرن الماضي لم يحدث مثلها في علم الشعر،مبيناً أن آخر ثورات المنجزات النقدية على المستوى الشعري العالمي تبلورت قبل ما يزيد على عقدين من الزمن.وأن الإبداع بانتظار أن يولد نقد جديد في علم الشعر.

وفي هذه الفترة من المخاض يشير النجار "لعلي لا أغامر بالقول أن التقصير النقدي العربي ظاهرة عامة سببها الرئيس تدني ثقافة كثير من المقدمين على الفعل النقدي وعدم إتقان بعضهم لغة أخرى،هذا فضلاً عن سيطرة النقد الصحافي على المشهد النقدي العربي،فلم تعد ثقافة الكتاب النقدي رائجة وانعكست مقولات عصر السرعة على النقد".

  من جانبه، يقول الشاعر د. محمد مقدادي أن قضية تقصير النقد فيما يتعلق بقصيدة النثر لها جانبان،الأول يتعلق بالنقد نفسه والثاني يتمثل في الشعر الذي تراجع وأصبح في معظمه لا يعبر عن أحلام الأمة، إضافة إلى تحلله من غالب قواعده وأصوله،ما أدى إلى الاستسهال وركوب موجة النثر لمن لا يتقن العوم في بحور الشعر.

والنقد الذي غالباً ما يكون موازياً أو ملاحقاً للمنجز الشعري أسهم بحسب مقدادي في تدني مستوى الشعر بقصد أو غير قصد في "تزوير الذائقة الشعرية باحتفائهم بالنماذج الباهتة وجعلوا من أصحابها يتربعون على عروش الثقافة". 

  ويرى مقدادي أن انعدام جدية المشروع النقدي والمؤسس للمشروع الشعري التراكمي أدى إلى انحسار المد الحقيقي للشعر واسفر عن خلط لا راد له في ظل الحصار الذي تشهده الثقافة الوطنية.

ويؤكد مقدادي أنه ليس متحاملاً على قصيدة النثر،لكنه متحامل على ما تضمنه هذا الشكل الذي لم يقدر على سبر أغوار الأمة وتطلعات أجيالها، ما جعل هذا الشكل الشعري محض شكل تعبيري ليس له علاقة بالمضامين التي تستند إلى التراث والماضي،ولجأ المثقف إلى الاختباء وراء الضبابية والتهويم في قصيدة النثر لذلك ابتعد النقاد عن هذا الشكل  وتراجع النقد مع تراجع الشعر. 

التعليق