حارس التاريخ نقولا زيادة يعانق الأبدية

تم نشره في السبت 29 تموز / يوليو 2006. 10:00 صباحاً
  • حارس التاريخ نقولا زيادة يعانق الأبدية

رحل في بيروت عن 99 عاما تاركا وراءه مؤلفات أغنت المكتبة العربية

 

عمّان- الغد-  توفي أمس في بيروت عن عمر يناهز 99 عاما المؤرخ اللبناني-الفلسطيني نقولا زيادة مخلفا وراءه اكثر من 40 كتابا في التاريخ العربي والاسلامي أغنت المكتبة العربية.

ونعت الفقيد الجامعة الاميركية في بيروت التي شغل فيها زيادة منصب استاذ الشرف في دائرة التاريخ. وهو عضو في جمعيات علمية عديدة مثل الجمعية الاميركية للاستشراق والجمعية الالمانية للاستشراق والجمعية العلمية العراقية.

ولزيادة اكثر من اربعين كتابا في التاريخ العربي والاسلامي وترجم العديد من كتب التاريخ من الانكليزية الى العربية منها كتب لارنولد توينبي. وله ما يناهز 150 مقالا ومحاضرة القاها في مؤتمرات عربية ودولية. وبين العامين 1947 و2000 قدم اكثر من الفي حلقة اذاعية بالعربية حول مواضيع تاريخية مختلفة.

ولد في الثاني من كانون الاول(ديسمبر) 1907 في دمشق من أبوين فلسطينيين قدما من الناصرة. عاش طفولة صعبة بمعية أمه اثر فقدانه والده ، وفي العام 1924 أنهى دراسته في دار المعلمين الابتدائية في القدس، وبقي في سلك التعليم حتى العام 1991 . حيث تنقل في التعليم مراحل مختلفة: معلماً في قرية ترشيحا (قضاء عكا) ومدرّساً في عكا الثانوية ( 1925 - 1935) وأستاذاً في الكلية العربية في القدس (1939 - 1947) وأستاذاً في الجامعة الأميركية ببيروت ( 1949 - 1973) وفي جامعة القديس والجامعة اللبنانية في بيروت والجامعة الأردنية، وفي كلية اللاهوت للشرق الأدني في بيروت (1973 - 1991).

 يتقن نقولا لغات عدة : اليونانية واللاتينية والألمانية والإنجليزية إضافة إلى العربية . كتب العديد من المقالات في مطلع حياته، ونال في العام 1939 بكالوريوس في التاريخ القديم في جامعة لندن وارتبط ايضا بجامعة ميونيخ بألمانيا. ثم تابع بعدها دراسة التاريخ القديم وتاريخ العرب في الكلية العربية والكلية الرشيدية. ونال الدكتوراة في العام 1950 وكانت رسالته عن (سورية في العصر المملوكي الأول). وفي 1943 صدر له أول كتاب (روّاد الشرق العربي في العصور الوسطي).

 ومنذ ذلك الحين وصلت دراساته التاريخية الموسوعية نحو أربعين كتاباً (منها اثنان بالمشاركة) بالعربية، وستة كتب بالإنكليزية، وترجم ستة كتب عن الإنجليزية، وكتاباً عن الألمانية (بالمشاركة مع الدكتورة سلمي الخماش). له أكثر من (51) مؤلفاً مطبوعاً ومنها: رواد الشرق العربي في العصور الوسطى، العالم القديم (جزءان )، ومن التاريخ العربي، وكتابات عربية تاريخية، وصور أوروبية، وعالم العصور الوسطي في أوروبا، وقمم من الفكر العربي الإسلامي، ونشر مجلدين ضخمين عن سيرته مصورين.

واستضاف معرض بيروت العربي الدولي للكتاب 47 في "الاكسبو" المؤرخ نقولا زيادة في محاضرة مطولة بعنوان "ذكريات فلسطينية" قدمها الدكتور ابراهيم بيضون الذي رسم لنقولا زيادة صورة حارس التاريخ يملأه صخباً ويخترق فيه عباب الأزمنة مجالساً كبار القوم في الحواضر العتيقة متخذاً ديوانه الكبير وهو بعد في هدوئه وفي أتم حضوره وفي أبهى تجليات العقل وهواجس ثنايا اللحظة.

وأضاف بيضون "زيادة هواجسه قديمة جديدة في المعاناة، ممهورة بالمعاناة من قتل وتهويد فلسطين وتقسيم المنطقة المحيطة بها، وهو من جيل عاش تداعيات العاصفة من حوله وأمام عينه وصاحب مدرسة تاريخية تأثر بها جيلان على الأقل تمتد مساحته على مدى سبعين عاماً، أو أكثر من الأعوام".

وحاضر د. زيادة ارتجالياً وعفوياً مستعرضاً سيرته الذاتية ومولده وطفولته وصباه وهو ابن الناصرة مولداً وبيت المقدس نشأة.

وأفاض زيادة في استعراض سيرة حياته ودراسته في "دار المعلمين" في القدس وتحدث عن دراسته على أساتذة كبار مثل جورج خميس وجورج طوطم ووعيه الأول لوعد بلفور وارتباط الأخير بصك الانتداب وكيف ان هذا الوعد لم يعطِه فقط وزير خارجية بريطانيا بل مثل سياسة الدولة البريطانية.

ورسم زيادة صورة قريبة من عكا وجنين والقدس، ولا سيما مكتبة القدس لصاحبها بولس سعيد عم البروفسور الراحل ادوارد سعيد وكيف تطورت فيها قراءاته التاريخية. وفي رحلته التاريخية الشائقة والممتعة قرأ بين الأسطر عذابات فلسطين التي لم يتجاوز فيها تملك اليهود في الثلاثينات ولدى نشأة الدولة الاسرائيلية سوى 7% من الأراضي ومن تلك الفترة لم يزد عدد اليهود في القدس عن 10 % عما كان عليه من قبل وكيف ذهبت الأراضي التي يملكها السلطان العثماني إلى سلطة الانتداب البريطانية ومن ثمّ تحولت إلى المستعمرات الاسرائيلية.

قراءة في الماضي أطلّ منها زيادة على الحاضر ومستقبل القدس وفلسطين مذكراً بما جاء في وعد بلفور من أنه لا يؤذي حقوق الطوائف غير اليهودية والتي كانت تمثل نحو 93 %من سكان فلسطين.

كما رسم الرجل التسعيني جانباً كبيراً من ذكرياته عن مشهد المدينة العربية التاريخي والسياسي والثقافي، مؤكداً ايمانه بالفكر القومي سبيلاً إلى نهضة العرب وفي أن العروبة هي مشروع حضاري وإنساني يملك خطابه ورؤيته المستقبلية اذا أحسن العرب القراءة الموضوعية التحليلية في صفحات التاريخ. ذلك أن الأمور، هي رهن بفقه الذات وعقلنة الحاضر وامتلاك الرؤية المستقبلية ما بين "المهد" و"المعراج" وهي رحلة العرب والمسلمين في "المستقبل" آملاً الانتصار على التحديات الواقعية ودروب الماضي وشعابه الكبيرة.

التعليق