خوست: العمارة العربية تتعرض للاختراق والغزو الثقافي

تم نشره في الجمعة 28 تموز / يوليو 2006. 09:00 صباحاً

في محاضرة لها بعنوان "حماية الأبنية التراثية"

أحمد التميمي

إربد - قالت الروائية السورية د. ناديا خوست أن العمارة اليوم لا تزال تشكل مساحة اختراق ومقاومة، فهي مجال واسع للغزو الثقافي، واقتلاع الهوية الوطنية، يساهم فيه الافتتان بالمعاصرة، والعولمة التي يستسلم لها الضعيف المنبهر ببريق المنتصرين.

وأضافت خوست خلال محاضرة بعنوان "حماية الابنية التراثية" في مضافة آل التل أول من أمس والتي تأتي ضمن احتفالية بلدية إربد الكبرى بمناسبة مرور 125 عاماً على تأسيسها أن حماية الأبنية التراثية بمعناها الواسع تعني استحضار المراحل التاريخية، وعمل الصناع، ومسارات الأحداث، ونلمح تلك الرؤية الواسعة في ملاحظات المؤرخين العرب.

وأكدت خوست إن حماية الآثار التاريخية والتراثية وجدت صياغتها في زمننا كاتجاه وعمل يفترض اختصاصات منها الترميم والتأريخ والتوظيف والإضاءة،، ودفع إلى ذلك شعور عام يقدر أن العمارة شواهد على أجيال ماضية إذا فقدناها ضاع جزء من تاريخنا، وهي جزء من التراث الإنساني لا يملك أصحابه الحق في تبديده، لذلك أسست لحمايته هيئات عالمية وصيغت معايير وتوصيات تنفذ في الغرب أكثر مما تنفذ في بلاد الحضارات العريقة.

وقالت خوست إن هناك العديد من المشاكل وتتمثل بمشكلة الترميم فالترميم قد يخرب الأثر وقد يعيد رونقه، لافتة أن خبراء الترميم لدى الأجيال السابقة كانوا حرفيي الطين والملاط والحجر والخشب، وانقرض هؤلاء كمهن وأفراد، إلى ذلك ضيعنا الذوق الأصيل ومعرفة العمارة التقليدية، ولم نعتمد المعايير العلمية فأدخل الإسمنت بدلاً من الملاط، ودهنت المداميك السوداء والبيضاء بالدهان،ونقر المداميك لتغطيتها بحجارة حديثة ، إلى ذلك لا بد من فهم حدود حق المعاصرين في التدخل، أي تمييز حماية البناء من تجميله.

وأوضحت الروائية خوست  أن حماية البناء مجرداً من محيطه المعماري أو البيئي تثير الحزن، مستشهدة بالمدرسة الشامية البرانية ذات البناء الثمين والزخارف الجصية الجميلة.

وتساءلت قائلة لماذا تأخرنا في حماية الأبنية التراثية والتاريخية؟ من التبذير والاندفاع في وهم المعاصرة والحداثة، ربما أهملنا تسجيل الشواهد المعمارية لكثرة ما لدينا من كنوز الحضارات، غياب الحدود بين الملكية الخاصة والعامة الذي يسّر نزف الأبنية التاريخية والتراثية وبيعها وضمها إلى البيوت الخاصة، فوق ما نهب منها الغزاة وهواة التنقيب والرحالة.

وزادت الروائية خوست بأنه يفترض البخل بأي عنصر من بقايا التراث الوطني أكان ظاهراً أو مطموراً، وأن نصنف أبنية مدننا، ونتقصى قيمتها الفنية والتاريخية والتراثية، ونؤسس على هذا طريقة استخدامها، مضيفةً بأن تصنيف الأبنية هو البداية التي يؤسس عليها مشروع الحماية والترميم والتوظيف، وهو عمل واسع تحمل مسؤولية تنفيذه البلديات والمحافظات، ويفترض أن يصوغه برنامج وطني شامل، وفي التصنيف أيضاً نختار للحماية الأبنية ذات القيمة الفنية.

وأشارت إلى بعض المسائل التي تواجه الحماية، مثل المشاكل القانونية والفنية والإنسانية، لأنها مداخلة في بنية إنسانية واجتماعية واقتصادية تراكمت طية فوق طية تؤثر في بنية البيوت المعمارية وفي المدينة، مضيفة كيف ننظف مدينة من الورشات والمعامل والمستودعات وكيف نوحد البيوت الكبرى المقسمة وننقذ القاعات الثمينة وكيف نلجم الذوق الريفي المتفرنج الذي شوه معالمها وضرورات الحياة التي دفعت إلى بناء غرف في أرض الدار واستحداث حمام أو مطبخ هنا وهناك، بأية معايير يلتزم المشروع الوطني وما هي السلطة التي نحمله ومن الهيئة التي تنفذه ومن سينفق عليه.

وأكدت خوست على أهمية إيجاد ضوابط لذلك وبرنامج وطني لحماية بيوت مفردة، كضوابط الترميم العلمية، ولجم الإساءات السكنية والسياحية إلى البنية الأصيلة، ومراقبة تفكيك العناصر الجمالية ونقلها من بنية إلى أخرى، وأول الضوابط وعينا أن صلة الناس بالعمارة بسيطة ومعقدة، فالعمارة مأواهم والتعبير عن بيئتهم والشهادة على ذوقهم في مراحل تاريخية، وعلى فنونهم وعلاقتهم بإرثهم أو غربتهم عنه، وهي مجال التماس بين حضارة سائدة وحضارة مهزومة، وهي مكان الصراع القديم والحديث، لافتة إلى أن عمل الحماية يفترض مجموعة متصوفة فيها خبراء في التخطيط والعمارة والتاريخ والإدارة والصياغة القانونية.

وأوضحت خوست بأنه تلتقي في عمل الحماية المقدس الغيرة على التاريخ بفهم وظيفة الثقافة في التربية الروحية وتعميق الوعي التاريخي وتوسيع المعارف وتأسيس الذوق الفني، لأن المباني التي نحميها شهادات على ذوق وأساليب بناء ومواد بناء، وعلاقة بالبيئة، ورؤية وغايات، مؤكدة على أننا نستنتج أن حماية الأبنية التراثية لا تستند إلى موقفنا السياسي والفكري والطبقي من مشيدتها بل إلى أنها تراث وطني يشهد على براعة صناعها وعلى مستوى العمارة والفنون في فترة تاريخية وأنها مؤهلة لوظائف ثقافية في سياق الحياة المعاصرة لكن تناولها يفترض وعياً ومسؤولية وثقافة واسعة ومعرفة المعايير العلمية في الترميم والاطلاع على التوظيف الآمن والتوظيف الذي يستهلكها، ويفترض المراقبة العامة التي تحرس مصيرها.

وأشارت الى  إن العمارة تعبير حيّ بالرغم مما يبدو من سكونها، منحازة بالرغم من حياد مظهرها، لأنها موجودة في عالم مضطرب بالأهواء والمصالح والحروب، وهي مساحة مرئية من مساحات الصراع، وفي هذا السياق نفهم الحرص على بناء مؤسسات علمية وطبية وترب خلال حروب الفرنجة، ونرى فيها موقفاً تحدى بالهوية المعمارية المتوحشين الذين يجهلون الحمامات وسحر الماء ومتع الحياة والحدائق والشعر والغناء والأناقة في الطعام وزخرفة البيوت والمدن وملمس الحرير وفتنة الزركشة والمجوهرات الثمينة.

التعليق