القهوة من إفريقيا وعدن إلى كل فنجان مع مطلع كل صباح

تم نشره في الأحد 23 تموز / يوليو 2006. 09:00 صباحاً
  • القهوة من إفريقيا وعدن إلى كل فنجان مع مطلع كل صباح

 

ميشيل فرح

في أثيوبيا 800 (ق.م) لاحظ الراعي الأسطوري (كالدي)، أن ماعزه باتت تقفز بشكلٍ أنشط عندما أكلت من نبتة ذات حبيبات حمراء، فمن فرط فضوله أكل منها ليجربها، وإذ به يقفز أعلى من ماعزه! هل اكتشف كالدي البن عن طريق شراهة ماعزه، فأوحى بذلك لنيوتن "اكتشاف" جاذبية تفاحته السحرية؟

كثرت الأساطير عن أصول القهوة ومنشئها، إلا أن ثمة فرضيات وشواهد تاريخية أجمع عليها الكثير من الباحثين والمؤرخين.

إن أول دلائل استهلاك البشر للبن كان حوالي 700 (ق.م) حيث اعتاد أفارقة أثويبيا أن يستهلكوه كمادة منشطة ومن ثم يزيلون آثاره بشرب النبيذ/الخمر المُخمر من بقايا قشره ومن المُرجح أن ذلك كان يحصل في منطقة تُدعى (كافا) (Kefa, Kaffa)  مما يبرر منشأ التسمية.

يفصل أفريقيا عن شبه الجزيرة العربية مضيق باب المندب الواصل جغرافياً ما بين البحر الأحمر وخليج عدن، والذي يبلغ أقل من 30 كم عرضاًً في أضيق منطقة به.

تعود المؤشرات التاريخية لتقول أن شكلاً من أشكال القهوة المحتساة في يومنا هذا قد ظهر في شبه الجزيرة العربية 1000 (م) وذلك في منطقة ما يُعرف اليوم باليمن العربي.

اقتصرت تلك الظواهر فقط على البن البري إذ لم يكن قد ظهر أي شكل من أشكال إنتاجه كمحصول زراعي، ما يؤكد وجود تجارة بحرية له عبر المضيق ما بين تلك المنطقتين.

بدأ عرب شبه الجزيرة زراعة البن حوالي 1500 (م)، ولم يكن ليظهر في أي منطقة أخرى من العالم قبل أواخر القرن السادس عشر(م)، حيث يُقال أنهم لم يقدموا على تصديره إلا بعد معالجته بالماء الساخن لجعله عقيماً لدى محاولة زراعته.

أما عن كيفية انتقاله إلى باقي أرجاء المعمورة، تعود الفرضيات والأساطير لتقول أن المُتصوف الهندي (بابا بودان) قد أخفى في حزامٍ حول بطنه بذوراً من البن صالحة للزراعة مهرباً إياها إما من شبه الجزيرة العربية أو من اثيوبيا وذلك إلى شبه القارة الهندية وكانت تلك البذور بمثابة باكورة إنتاج أول محصولٍ للبن في جنوب وجنوب شرق أسيا.

من جهة أخرى، انتشرت القهوة كمشروبٍ والبن كتجارةٍ إلى الشمال بدءاً من شبه الجزيرة العربية ووصولاً إلى المدن الكبرى كدمشق وبغداد والقاهرة واسطنبول، ثم انتقلت من شمال إفريقيا إلى إيطاليا نتيجة حركة التجارة النشيطة مع مرافئ شمال المتوسط الأوروبية وتحديدا مرفأ البندقية. إن استحواذ ذلك الصنف على إعجاب تجار البندقية جعلهم يستوردونه بشكل مستمر ليسوَق ويُباع بأبهظ الأثمان إلى أثريائها.

أما في فيينا فقد انتشرت المقاهي بدءاً من آواخر القرن السابع عشر(م) حيث ابتدأ سكانها باستهلاك البن الذي خلفه الأتراك(العثمانيون) بعد أن هُزموا في معركة فيينا وذلك حسب ما تناقلته الأساطير.

في فرنسا عمل أحد الأتراك على ترويج القهوة والبن أثناء إقامته في باريس سفيراً على رأس بعثته الدبلوماسية، إذ كان يعقد المجالس الاجتماعية مقدماً مشروبه الجديد لضيوفه كما كان يوزع البن كهدايا إلى أفراد الطبقة السياسية ونخبة المجتمع.

 

إن انتشار القهوه والبن في فرنسا رسم التاريخ الحديث لهما إذ أن تمكن الفرنسيين من نقل شتلة من نبتة البن وزراعتها في مستعمرة مارتينيك (Martinique) القريبة من أميركا الجنوبية، ساهم في بدء إنتاج البن في البرازيل. إلا أن الفضل الأعظم لإنتاجه بكميات استهلاكية وأسعار متهاودة يعود للعبيد المُستقدمين من أفريقيا إلى البرازيل الذين قدموا أيديٍ عاملة بتكاليف زهيدة.

استمرت البرازيل كمحتكرٍ أساسي لإنتاج البن العالمي حتى بداية القرن العشرين عندما تم إبرام اتفاقية الحد الأدنى لأسعار البن (بشكل مشابه لما يتم إبرامه من إتفاقياتٍ لتحديد أسعار البترول لدى منظمة أوبيك (OPEC))، عندئذ تمكنت دول أخرى من دخول باب المنافسة ككولومبيا وأندونيسيا.

ومن المفارقات أن القهوة التي باتت حاجة يومية ماسة يستهلكها كل إنسان مع كل ومضة زمن، قد عاصرت فترات تحريم متعدد الأشكال، ففي حقب تاريخية ومواقع جغرافية معينة حول عالمنا، وُجد ثمة من حرمها دينياً أو منعها عن النساء إلا أنه لم يكن لأحد منعها الولوج إلى قلوب البشر وعقولهم ليصبح بنَّها اليوم من أهم السلع الاقتصادية التي تدخل في أسواق الأوراق المالية كما هو الحال بالنسبة للذهب والبترول.

كاتب سوري مقيم في دبي

التعليق