أكاديميان عربيان يؤكدان أن الحضارة أعمق من أن تختزل في معادلة التابع والمتبوع

تم نشره في الأحد 23 تموز / يوليو 2006. 10:00 صباحاً
  • أكاديميان عربيان يؤكدان أن الحضارة أعمق من أن تختزل في معادلة التابع والمتبوع

في ندوة لهما "ضمن مشروع حصاد القرن" في منتدى شومان

زياد العناني

عمان - اكد الباحثان د. عثمان البدري ود. احمد درويش في ندوة "مشروع حصاد القرن" الذي نظمها منتدى شومان صباح امس ان الحضارة الانسانية اكبر واعمق من ان تختزل في معادلة "التابع" و"المتبوع" وان الاطر العامة التي تتسم بها رحلة الادب في القرن العشرين تعد في ذاتها امتداداً لتطور سابق بدأ في اواخر القرن التاسع عشر لا يمكن فصلها عنه.

ورأى د. عثمان بدوي وجوب التوقف عند سؤال اساس هو: ما موقعنا في مشهد الحياة الثقافية والفكرية والمعرفية الحديثة بوجه عام، وفي احد اهم المجالات المعرفية النوعية لوعي الانسان، متمثلاً في النقد الادبي في معالمه الكبرى الأكثر تداولاً وتأثيراً خلال العقود الاخيرة من القرن العشرين بوجه خاص؟

  كما رأى بدوي ان هذا الاطار يندرج ضمن دراسة اكاديمية تستلزم الاحاطة المعرفية والمنهجية المنضبطة بفسيفساء المشهد المترامي الابعاد والمتنوع الاتجاهات لحركة النقد الادبي في العالم العربي خلال العقود الاخيرة من القرن العشرين، لافتاً الى انه بحكم المقام سيقدم "معاينة" انتقائية مركبة، يحاول ان يعرف فيها بأبرز معالم النقد الادبي الأكثر تداولاً وانتشاراً في العالم العربي على المستوى الافقي والأكثر تأثيراً وان لم تكن الأفضل في مردود الاوساط الثقافية والادبية والنقدية النخبوية بالعالم العربي على المستوى الرأسي (الشاقولي) رغم التفاوت الملاحظ هنا وهناك.

  ووصف بدوي هذا العمل بأنه من بين "معاينات" كثيرة منجزة بالفعل او بالقوة تلتئمها عبارة "فرض الكفاية" كما يقول المجتهدون ، ذلك ان الدخول في مدار القرن الواحد والعشرين يقتضي بالضرورة استخلاص معالم حصادنا من القرن العشرين في مختلف المجالات الثقافية والعلمية والمعرفية عموماً وفي مجال النقد الادبي العربي الحديث بوصفه "المعادل" الفكري والوجداني النوعي للابداع الادبي العربي الحديث في شتى اشكال القول الادبي ذات الانتشار الكمي الواسع والتأثير النوعي اجتماعياً وثقافياً وحضارياً وجمالياً كالشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرح.

  واشار بدوي الى ان اهمية هذا العمل تظهر على عدة مستويات فإنها تتمثل على وجه الخصوص في الالمام بالحد الادنى بالمعلومات والمعطيات والمفاهيم والمصطلحات النقدية العربية الحديثة التي يتشكل منها معجم اللافتات الكبرى او المتفرعة لمشهد حركة النقد الادبي في العالم العربي, من موقع معاينة متطلبات السؤال الآتي وهو: الى اي حد استطاع النقد الادبي الحديث في العالم العربي ان ينخرط في مدار المداخل النقدية الكبرى خلال العقود الاخيرة من القرن العشرين?

كما اشار بدوي الى انه وفي هذا السياق نلاحظ ان هناك نوعاً من الاجماع على ان "النقد الادبي" ليس مجرد ترف ذهني او "قول على القول" لمجرد القول او "صدى" للادب او "وسيط" تربوي تعليمي له وانما هو ضرورة فكرية ،معرفية ،جمالية،منهجية نوعية مركبة، مبعثها تلك العلاقة الجدلية المتواشجة المكرسة في تاريخ الوعي النوعي للانسان وبعبارة اخرى فإذا كان "الادب" او "الخطاب الادبي" بالعبارة الشائعة حديثاً هو ادق واشمل واعمق مستويات الخبرة الجمالية بالواقع والحياة والكون بما يجعله "مجمعاً" لشتى الفنون التعبيرية المتاحة للانسان والعمق الحيوي الحي الذي تصهر فيه اللغة فسيفساء الفكر والوجدان الاجتماعي والانساني، فإنه دائماً بأمس الحاجة الى خطاب نوعي "وسيط" من جنسه, لانه بالنهاية "قول على قول" ولكنه يختلف عنه في مبعث القول وطريقته وادواته ومفاهيمه واجراءاته ووظائفه.

  ولفت بدوي الى ان هذا الخطاب النوعي "الوسيط" هو "النقد الادبي" الذي من بين مهامه الاساس ان يقوم الادب بما هو ادب وان يعرف بأهميته الاستثنائية وان يحلل خصائصه ووظائفه النوعية ويسعى بكل ذلك الى تفسير وتأويل وتقومي رؤاه الفنية والفكرية والمعرفية المتجاوزة بطبيعتها لما هو معهود وشائع عرضاً بين الناس.

  من جهته قال د. احمد درويش ليس من العجيب ان يكون القرن العشرون هو اكثر القرون التي سمع فيها وجيب قلب الانسان عالياً ومتواصلاً وسمعت اصداء ذلك الوجيب في دوائر تتسع على امتداد المكان الذي يعيش عليه الانسان، وفواصل زمنية بين الموجات تتوالى بدورها شهراً بعد شهر بعد ان كانت من قبل تتوالى عاماً بعد عام او عقداً بعد عقد.

وتطرق درويش الى اسباب الوجيب المتصاعد مبينا انه الوحيد ينتمي الى حزم من البواعث تبلغ في كثير من الاحيان حد التضاد، لافتا الى ان الوجيب يعلو احياناً لان قدرة الانسان على الاستكشاف والمعرفة والسيطرة على الحياة تزداد من خلال التقدم العلمي الذي مهدت له القرون السابقة.

  واعتبر درويش ان هذا القرن كان موسم الحصاد في كثير من مجالاته،, لكن هذا التقدم العلمي ذاته هو الذي اقترب بالانسان في هذا القرن اكثر من اي فترة في تاريخه من حافة الموت والدمار فحصدت ملايين الارواح، وابيدت آلاف المدن والقرى واشتعلت مئات الحروب كان من بينها حربان عالميتان لم يفصل بينهما الا نحو عقدين من الزمن لم يكونا كافيين لمجرد تجفيف الدموع على قتلى الحرب الاولى وتضميد جراح ضحاياها.

وتطرق درويش الى المرات التي اثيرت فيها مفاهيم الخير والشر او الجمال والقبح او العقل والعاطفة او الوعي واللاوعي او المثال والواقع او الرضا والتمرد او الفرد والجماعة او الحقيقة والحلم او الماضي والحاضر او المعقول واللامعقول او الجد والعبث مبيناً ان مجال التفكير والتعبير ساعد على اتساع وتعدد مستويات الحريات ان تستقبل الفلسفة والادب كل هذه الافكار والمشاعر وان توجهها وان تعيد صياغتها، وان تنتقل بها من مكان الى مكان عبر اللغات التي تتلاشى الحواجز بينها شيئاً فشيئاً بسبب انتشار التعليم، وعبر والثورات الكبرى في وسائل الاتصالات يزداد التأثير من مكان الى مكان ويزداد الوجيب الذي لا يكاد يتوقف.

  واكد درويش ان الادب وجد نفسه وهو يعكس هذه الموجات المتلاحقة المتداخلة في حاجة الى مراجعة مستمرة لتقنياته ووسائل تشكله واجناسه التقليدية واجناسه المستحدثة وحدود الاتصال او الانفصال بينها وعلاقاته بالتطور في مجالات التفكير المختلفة ومدى خضوعه للعلم او تمهيده له او ترويضه له ومدى تحقيق التكامل او الانشطار في نفس الانسان من خلال ذلك الحوار.

كما اكد درويش على  مدى تواؤمه مع الفن الذي يتخذ وسائل تعبيرية غير الكلمة، ومدى امكانية التعارض بينهما في الوسائل وما قد يترتب على ذلك من اثراء او ما يهدد به من ضياع للملامح، وهو ضياع قد تحرص بعض مراحل التطور في بعض الآداب على تلافيه حرصاً على اتصال التقاليد،وقد تسعى آداب اخرى او مراحل اخرى الى التركيز عليه تحقيقاً للقطيعة التي تعد دافعاً الى التخفف من القيود احياناً.

  يذكر ان د. عثمان البدري يحمل شهادة  دكتوراه الدولة في الادب العربي الحديث من جامعة الجزائر 1997  وهو  أستاذ التعليم العالي في جامعة الجزائر.

 ورئيس ومؤطر شعبة "الادب العربي قديماً وحديثاً" على مستوى الدراسات العليا: (الماجستير والدكتوراه) ابتداء من 1998 الى الان. ورئيس مشروع وحدة بحث باسم: "اشكالية اللغة والمعنى في الادب العربي الحديث والمعاصر" ابتداء من العالم الدراسي 2004-.2005 ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب واللغات، جامعة الجزائر، منذ بداية سنة 1999 الى العام 2001وهو عضو اتحاد الكتاب الجزائريين منذ 1980 الى الان وعضو مؤسس في الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية. ومن كتبه المطبوعة: ابراهيم العويض ناقداً، دراسة نشرت ضمن كتاب: دراسات في ادب البحرين. وبناء الشخصية الرئيسية في روايات نجيب محفوظ. وقمم ونماذج من الادب العربي الحديث: دراسات تطبيقية.

اما د. احمد درويش فهو حاصل على دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الانساني تخصص نقد ادبي وادب مقارن جامعة السوربون باريس فرنسا .

التعليق