كتاب أردنيون يعاينون المشهد الثقافي بين العاصمة والمحافظات

تم نشره في الخميس 20 تموز / يوليو 2006. 10:00 صباحاً

 

  عمان-رأى كتاب ومثقفون أردنيون أن هيمنة العاصمة على المشهد الثقافي المحلي وتركيز وجود المؤسسات والدوائر الثقافية الرسمية والخاصة داخل العاصمة لا يعني بتاتا انهم خارج خريطة الفعل الثقافي بل إنهم قادرون على التواصل والتأثير في الفعل الثقافي..

لكن مثل هذا الأمر يتطلب الأخذ بعين الاعتبار أن هناك طاقات إبداعية في أقاليم تفتقر الى أوجه أشكال الرعاية والدعم اللازمين وما زالت تبحث عن فرصتها في الانطلاق صوب فضاءات الإبداع بعيدا عن قيود الأمكنة خارج حدود العاصمة.

  وتمنوا في لقاءات مع وكالة الأنباء الأردنية بان تعيد وزارة الثقافة العمل بمديريات الثقافة في المحافظات بصورة تضمن الارتقاء بالنشاط الثقافي والفني وتعزيزه عبر اختيار الأشخاص المؤهلين إداريا أو في شتى حقول الإبداع والراغبين بتنميته سواء بالبحث عن الخامات الإبداعية والنهوض بها أو بتطعيم تلك المناطق بسائر الأجهزة والمعدات واللوازم التي تختص بقضايا الفعل الثقافي والفني عدا عن إحضار صناع الثقافة إلى تلك المناطق خارج العاصمة والاحتكاك المباشر مع الناس هناك وعرض منتجهم الإبداعي .

وأعرب هؤلاء الكتاب عن املهم في ان تقوم الوزارة بوضع برامج على أيدي خبراء في إدارة البرامج والنشاطات الثقافية بغية توزيع الحراك الثقافي بالعاصمة على سائر الأقاليم والأطراف.

كما عبر بعضهم عن عدم اكتراثه بموضوع المركز والأطراف كون الإبداع لا يأتي إلا من باب المعاناة وضربوا أمثلة بالعديد من القامات الإبداعية العربية والعالمية الذين ظهروا بعيدا عن المركز وجاءوا إليه بنتاجهم الراقي والأصيل بعد معايشات جريئة لتفاصيل الواقع وتمكنهم من سبر أغواره بما امتلكوه من فرادة خاصة ونضج مبتكر لأدواتهم الإبداعية.

  وفي خطوة لافتة جاءت حديثا مبادرة بلدية اربد في استحداث الدائرة الثقافية التي ستأخذ على عاتقها تعزيز الفعل الثقافي والنهوض بأشكال الإبداع الأخرى ووضعها مباشرة أمام المتلقي في تلك المحافظة وتمكينه بالتالي من التفاعل مع مجمل الأحداث الثقافية والفنية المتنوعة التي تغطي خريطة المشهد الإبداعي بأكمله وكأنه في العاصمة.

  وفي هذا المجال يشير الروائي والقاص هاشم غرايبة مدير الدائرة الثقافية في بلدية اربد إلى الأسباب التي دفعت البلدية لإيجاد هذه الدائرة حيث انه كلما ابتعد المرء عن المركز كان يكتشف أرضا خصبة وعطشى للتفاعل الثقافي .. وان مسالة التعامل مع الأطراف خارج العاصمة حققت عدة مفاجآت إذ تبين تلك النشاطات النوعية والمختارة بعناية حجم الاهتمام والمشاركة بتلك الفعاليات الإبداعية وهو قد لا نجده بالعاصمة نظرا لعدم التنسيق بين الفعاليات الموزعة بأرجاء العاصمة والتي قد لا يتابعها سوى النخبة.

ويضرب غرايبة أمثلة عديدة على استقبال الناس في أرجاء محافظة اربد للنشاطات الثقافية المتنوعة التي نظمتها البلدية بمناسبة مرور 125 عاما على تأسيسها والتي جمعت بين الاحتفاء والتكريم للشخصيات الإنسانية البسيطة بموازاة مع التفاعل الحيوي لصنوف أشكال الإبداع من أمسيات شعرية وندوات فكرية ونشاطات ترفيهية وعروض مسرحية وسينمائية بحيث تلبي جميعها رغبات المجتمع المحلي بدءا من النخبة ومرورا بالناس العاديين وانتهاء بالأطفال .

  وفسر غرايبة أسباب هذا التفاعل الحيوي إلى تلك الإمكانيات التي وفرتها البلدية من خلال رئيسها المهندس وليد المصري وتفهمه إلى أهمية الثقافة ودورها في المجتمع إلى جانب أن تتوجه الثقافة إلى الناس في جميع مواقعهم بدلا من يأتوا هم إليها.

  وتنظر القاصة علا عبيد المقيمة في جرش إلى صعوبة تواصلها مع الإبداع في العاصمة نظرا لعدم استطاعتها التنقل بسهولة كما لدى زملائها من المقيمين بالعاصمة من ناحية ولعدم توفر المنابر والمؤسسات المعنية بالنشاطات الثقافية في بلدتها بمحافظة جرش من ناحية أخرى مما يؤدي هذا كله إلى اعتماد المبدع على جهوده الذاتية في تنمية ذائقته الإبداعية والاشتغال على نصه من خلال معايشته لبيئته المليئة بالتفاصيل والإلهام الإبداعي رغم ما يتطلب ذلك من جهد شاق في التواصل مع المؤسسات الثقافية من صحف ومجلات ودور نشر تعمل على استقبال نصه والاهتمام بإيصاله إلى المتلقي .

بيد أن عبيد لا ترى حلا لمشكلتها في التوجه صوب المركز فقد أفادتها تجربتها الخاصة في معايشة صنوف عديدة من الناس والمشكلات في الأطراف بان يكتسب نصها تلاوين جديدة ومبتكرة في بلاغة وصور الوصف الذي أثنى عليه النقاد .

  بدوره يؤكد الشاعر الدكتور محمد مقدادي أن المبدع الحقيقي يستطيع أن يكتب نصه بعيدا عن قيود ما اصطلح على تسميته بالمركز والأطراف مهما تعددت عوامل الجذب الرئيسية في العاصمة لكل أشكال الإبداع رغم ما تضعه أحيانا من قيود وحواجز أمام أولئك القادمين إليها.

ويعتبر مقدادي ان وزارة الثقافة غدت اليوم هي الحاضن الرئيسي والوحيد للثقافة المحلية وانه على الرغم من تلك الإمكانيات المتواضعة فإنها تمثل رافعة للفعل الثقافي في المحافظات ..

ويقول انه قبل أن يجري إعادة إحياء تلك المديريات أو أن تتولى بعض مؤسسات المجتمع المدني كالبلديات دورها في تفعيل الحراك الثقافي فانه يتوجب عليها الإحاطة بالمشهد الثقافي بأكمله وتتجاوز الظاهرة الشللية وان تقوم بدورها المناط بها بشكل أكثر شمولا وعمقا كي تعمل على ترسيخ القيم الثقافية الأصيلة بالإبداع والمعنية بمفاصل الحياة اليومية داخل المجتمع وتعمل على الإضافة إليها.

  وتشير الناقدة الدكتورة رفقة دودين إلى أن ثمة إشكالية في موضوع المركز والأطراف تتعلق بتركز وسائل الإنتاج الثقافي وما يمكن تسميته اقتصاد الأفكار حكرا على العاصمة مما جعلها مركز جذب للمثقفين القادمين من خارجها وهو ما اصطلح على تسميتها بالاطراف ..هذه المسالة قادت النص الإبداعي إلى ضرورة أن يسلك طريقه عبر العاصمة.

في مثل هذه المعطيات توضح دودين انه أصبح أمام النص أن يحاول كاتبه المجازفة بشق الصفوف باتجاه العاصمة .. وبالطبع فان عرض منتج الأطراف بالعاصمة لا يلغي موقعه خارجها لكنه يمكن أن يضيف عليه..وترى أن ما تسعى إليه وزارة الثقافة من إقامة مدن ثقافية كفيل بإعادة التوازن بين المركز والأطراف مما سيتيح أمام المبدع المحلي بان يدخل حلبة من التنافس الحميد..لكن مثل هذا الأمر يتطلب تهيئة بنية راسخة في مكونات سائر حقول الإبداع .

ويدعو الروائي سليمان القوابعة المؤسسات الثقافية بشقيها الى العمل على توزيع فعالياتها الثقافية في المحافظات مثلما هي عليه في العاصمة تلافيا لعدم تفريغ المحافظات من مبدعيها ومثقفيها عبر تلك الإغراءات التي توفرها العاصمة بغية جذب المبدعين إليها .

التعليق