العناني يقف أمام جبروت المعنى ويعابث سلطة الموت والعمى

تم نشره في الأربعاء 19 تموز / يوليو 2006. 10:00 صباحاً
  • العناني يقف أمام جبروت المعنى ويعابث سلطة الموت والعمى

في احتفاء "بيت تايكي" بصدور ديوانه "شمس قليلة"

نوال العلي

  عمّان-منذ "خزانة الأسف" ينقش زياد العناني على صخرة الشعر العالية بإبرة مجازاته صورة ما يريد، هكذا ترى الشاعرة زليخة أبو ريشة قصيدة العناني التي تمسك الواقع من عنقه وتعنف المشهد القميء لقسوة العالم على روحه العليمة.

"لا امسك في خيط الفرحة الا وتموت

لاامسك انية الا وانكسرت

فلماذا لا امسك مرآة الموت

ومرآة اللاهوت"

(خزانة الاسف، ص 37)

   في أمسية احتفى بها بيت تايكي بديوانه "شمس قليلة" الذي صدر أخيرا عن المؤسسة العربية للدارسات والنشر، قدمت أبو ريشة ورقة تشهد للعناني فيها بالشعر وبانه قد حلق عالياً في حرفه المقدس "متخففاًَ من الذكورة" و"وحيداً في كراس اللعنة/من دون طهارة تذود عن جسمه/ ومن دون أرواح تطير".

  لابد لمن يقرأ العناني، أن يأسره المشهد الشعري الذي حاكته يد الشاعر الصبورة على لظم اللغة والمعنى، إذ تقول أبو ريشة "هو من جديد يعيد حياكة ما قد نكث من نسيج نفسه وتاريخه كذكر وكبشري، ويعيد حياكة ما قد نكث من نسيج الشعر، لأنه وهو يقف بخفاء شخصه امام جبروت المعنى يختار ان يدخل اليه من المسامات التي فجأة تتسع له، لتضاؤله الحيي وذهابه في الخفاء، كأنه وهو يعابث سلطة الموت وسلطة العمى وسلطة الانثى يختار تماما ما عابث: الموت والعمى وانثاه، فزياد لا يريد ان يكون سيفا:

"كثيرة هي اسماء السيوف:

المهند

والحسام

واليماني

انا المكسور مثل قشة يا ابي" (شمس قليلة، ص64)

ولا تكتمل القصيدة ولا شاعرها من دون المرأة القصيدة التي تراها أبو ريشة "المرأة التي تنام طي هذا الشعر امرأة خالصة من وهم الفحولة، امرأة غير واضحة مثلما هو الشاعر غير واضح ومثلما هو ناقص:

"كنا معا

وكنا كاملين

والان

اكتب قصة النقص

بقلب ذائب

وهي كذلك "المرأة الارملة التي تفسر له البطولة بأنها الذهاب من غير مقاومة الى نومك الطويل"، كما أنها "المرأة المحصنة بأسلحة الذكورة والتي لا تجرد الشاعر ان يخترقها الا بالاحلام:

"ليس من جسم لآخر الليل

هي الاحلام فقط

تتجول

ثم تسقط

قرب حديقتها المزنزة

بالخناجر والذكور" (تسمية الدموع 154)

وهو "شاعر اذا "انحدرت" الانثى لتشرب قهوتها ، عندها فإنه سيغدو اسير "الامتاع الاخرس".

  وفي قراءة لتجربة العناني عد الناقد د. محمد عبيد الله العناني احد اميز واحدث الأصوات الشعرية في سياق تطورات الشعر العربي الراهن في الالفية الجديد".

وليس غريباً أن لايقلق العناني لطول القصيدة أو قصرها، فما يعنيه حقاً أن ينتهي المشهد حين تبلغ الدهشة، وتبلع القصيدة عالمه، يقول عبيد الله "لا يميل العناني الى القصيدة الطويلة، بل يجد مجاله التعبيري في هذه الطريقة الخاطفة المكثفة التي تركز على خيط واحد او علامة واحدة ثم تنتهي بنهايتها، انها قصيدة الموجة المبدوءة والمختومة بوضوح دون اطالة او ثرثرة، وهذا لا يعني ان القصيدة الطويلة ليست خيارا شعريا ممكنا، ولكننا نشير هنا الى الطريقة التعبيرية التي تحكم الشكل الشعري في تجربة العناني، وزياد كما افهم قصيدته لا يفكر بطريقة تركيبية، وانما هو كائن مقطعي ان جاز التعبير ينظم فكرته ورؤيته في دفقات ومقاطع او قصائد قصيرة متتابعة".

  أية موسيقى سيحفل بها الشعر امام هذه الصور الملعونة التي تتابع كشريط سينمائي، النثر هو البطل في ديوان العناني. يشير عبيد الله "معظم قصائد الديوان من قصيدة النثر، وقليل منها انتمى للوزن وللموسيقى المنظمة، ويبدو ان القصائد الموزونة قصائد قديمة نسبيا حاول ان يتمم حجم الديوان بها وهي ليست قصائد سيئة ولكنها قلقة ضمن وحدة الديوان كعمل ينتمي بعمومه الى قصيدة النثر بصور وتجريبات متنوعة".

  يتناول العناني ذلك المعنى المسكوت عنه، والذي وإن تطرق النقاد إلى جرأته إلا انهم لم يجرؤوا على تفصيله وتفنيده ورصد تغيره ولمس حقيقة الألم الذي اكتست به تجربة العناني الوحيدة والبعيدة.

ويبين عبيد الله "من يعرف تجربة العناني يتفق معي ان لقصيدته بلاغة خاصة في البحث عن المعنى، فقد انتبه الى ان التجريب في القصيدة العربية متجه الى الشكل حتى حدود الارهاق وكأن الشعر شكل محض يتطور بألعاب شكلية معزولة عن معناها، فالعناني تميز بالتركيز على تطوير رؤيته وتعبيره، او تطوير المعنى الذي يمكن للقصيدة ان تقوله. ما عند زياد شيء مختلف عن مألوف قصيدة النثر بنسختها التصويرية او التفاصيلية، لا يجد الشاعر مشكلة في مواجهة موضوعات كبرى غابت عن القصيدة العربية، من محتوى اجتماعي وسياسي او متصل بالسلوك والثقافة الجماعية، وهو غالبا ما يتناول مثل هذه المحاور بلغة نقدية او هجائية تتقصد معاندة الواقع واللعب على تناقضاته وازماته،المتعلقة بالحرية والكبت سياسة وجنس وسلوك حياة، جريمة الشرف، تمرد العامل على واقعه، نقد السلطة والحياة الحزبية، العائلة الشرقية، التطور المشوه للمدينة وما تخبئه من تناقضات".

  يهجو العناني هذا الواقع بلا أسف و "يجترئ على المحتوى اليومي والاجتماعي وعلى المعاني الكبرى يسخر منها، ويفضح المستور والمخبأ لتأخذ القصيدة صورة من صور التحريض الايجابي لاعادة مواجهة الواقع وتأمله ونقده وتكفيك آليات الاستبداد والقمع وانظمة السلوك البدوي المختبئ خلف مظهر خادع للمدينة. وهذا المنحنى الذي يشير الى تميز العناني في تناوله احد خيارات انقاذ قصيدة النثر من انفجارها التصويري السريالي، الواقعية اذن بروح النقد والمحاكاة الساخرة مقابل "السريلة" هي مقترح جمالي تقدمة قصائد هذا الشاعر المتألق".

  وسط عالم ممتلئ بالتواطؤ والكذب التربوي والسلوكي والثقافي، تنغص قصيدة العناني طمأنينة الواقع بل إنها كما يرى عبيد الله  "تفسد على المواطنين خطتهم وتعيد التحديق في الواقع لتهجوه وتكشف اكاذيبه، انها قصيدة تسبح ضد التيار ولذلك ستكون نصا منفيا الى حين مثل كل النصوص المؤسسة والمتمردة التي لا تقبل التواطؤ مع الواقع المصاب اصلا بالخراب، ومع ذلك فكثير من "الصوتيين" يمكنه ان يغازل الواقع ويتواطأ مع لعبته، اذا كان هناك لعبة ما يتقن بعض الشعراء قواعدها، فإن مهمة قصيدة العناني افساد تلك القواعد وخلخلتها مع قليل من التجارب المميزة من هذا النوع، غادرت قصيدة زياد حياء الشرق وقواعد الادب العائلي لتقيم في منازل التمرد وتكسب حرارة الشعر وحيوية المواجهة فيه، انها قصيدة مقاومة للواقع الاسن المهترئ، وهي تعرف كيف تقبض على المفارقات المسكوت عنها هنا وهناك لتقيم منها معمارا شعريا جديدا لافتا".

وختم العناني أمسيته بقراءة قصائد من ديوانه الجديد :

"لا فساد في هذه الشجرة

ولا حطاب بقربها أيضاً.

لا أحد يعرف من أين أتت؟

حتى الغابة...لا تعرف شيئاً عنها

وكذلك الحقل البعيد

فجأة برزت بجذرها وثمارها السوداء

كهالة عظمى

يصلي الناس ويذبح بعضهم بعضا

تحتها.

فجأة

تقلبت وأبدعت حرباً

ثم قادت سيارة الإسعاف

إلى أن أتت على الغابة

كلها".

التعليق