يوسف: أسعى لإقامة حوار إبداعي مع الإنسان العربي والعالمية لا تعنيني

تم نشره في الاثنين 17 تموز / يوليو 2006. 10:00 صباحاً
  • يوسف: أسعى لإقامة حوار إبداعي مع الإنسان العربي والعالمية لا تعنيني

تلميذ شاهين في السينما المصرية يرى أن اتهامه بتقليد أستاذه شرف لا يدعيه

محمد جميل خضر

عمّان - على غير عادة كثير من المبدعين من ادباء وفنانين لم تبدأ ميول المخرج المصري خالد يوسف السينمائية في وقت مبكر من عمره. ولم ترافقه، كما يورد عادة الكتاب والموسيقيون والمغنون والممثلون في سيرهم والحوارات التي تجرى معهم، من مراحل الطفولة والصبا.

وشكل العام 1990 الذي التقى خلاله بالمخرج المصري الكبير يوسف شاهين بعيد تخرجه من جامعة القاهرة التي حصل منها على بكالوريوس هندسة كهربائية منعطفا جذرياً ليوسف المولود في القاهرة العام 1965.

وفي ذلك العام شجعه شاهين ومنذ لقائهما الاول, خصوصاً بعد قراءته لعدد من القصص التي كتبها يوسف اضافة للشعر ايام دراسته الجامعية من باب الهواية على تجريب حظه بالسينما والاخراج, معللاً ذلك له بأن قصصه تُقرأ بصرياً ما يشير، حسب شاهين، الى المخرج الرابض داخله. وقبل ان يعمل في اي حقل له علاقة بالهندسة والكهرباء احترف يوسف السينما مرافقاً شاهين وعاملاً معه 10 اعوام مساعداً ومعداً وكاتباً لسيناريو عدد من افلامه.

وشكلت اعوام التتلمذ والتعلم على يد احد اهم مخرجي السينما المصرية على مدى تاريخها الطويل, المرحلة الخصبة والاهم في حياة يوسف قبل ان يُخرج مستقلاً فيلمه الاول "العاصفة" الذي انتج العام 2000 وادت الفنانة المصرية يسرا ومعها النجم هشام سليم دوري البطولة الرئيسيين فيه.

وبعد نجاح "العاصفة" قدم يوسف، مولود برج الميزان، ثلاثة افلام اخرى خلال الاعوام الخمسة الماضية: "جواز بقرار جمهوري", "انت عمري" و"ويجا" الذي عرض قبل فترة في صالات السينما المحلية وعقد يوسف بمناسبة انطلاق عروضه محلياً مؤتمراً صحافياً في سينما سيتي "جراند مكة مول سابقاً" وشاركه فيه الممثل المصري الشاب هاني سلامة الذي شارك في ثلاثة من افلام يوسف الاربعة ولم يظهر في فيلم "جواز بقرار جمهوري" فقط.

ورأى يوسف في حوار اجرته معه "الغد" ان الجدل الذي دار حول فيلم "ويجا" واعتراض بعض رجال الدين في مصر على ارتداء منة شلبي الحجاب في احد مشاهد الفيلم ليتسنى لها الوصول الى بيت صديقها بالفيلم الذي يقطن في حي شعبي وما تبع ذلك من مشهد عاطفي عاصف بينهما هو من قبيل الفرضيات المغلوطة.

واكد ان تلك الجهات تراجعت عن اعتراضاتها واقتنعت بوجهة نظره, خصوصاً بعد المناظرة العلنية على الهواء مباشرة عبر قناة النيل الثقافية بين يوسف وبين استاذ ازهري ونائب في مجلس الشعب المصري. وقال يوسف في المناظرة ان ارتداء الممثلة الحجاب "هو اقرار بوقار هذا اللباس واعتراف بقيمته الشعبية المجتمعية, تماماً كما يشكل تنكر لص بزي الشرطة تأكيداً منه على اهمية هذا الرداء الرسمي واحترام الناس لمرتديه".

وأوضح في سياق رده على سؤال حول اسباب تحوله في فيلميه الاخيرين من تناول الهم العام في اطاره السياسي كما في فيلمي "العاصفة" و"جواز بقرار جمهوري" الى الاطار الاجتماعي والانساني كما في فيلمي "انت عمري" و"ويجا" ان الهم الاجتماعي ليس بعيداً عن الهم السياسي, وقال "رغم اني لست من انصار المؤامرة التاريخية الا اني اقر بوجود مؤامرة اميركية علينا كعرب وكمسلمين, ولكني لا ارى انها المسألة الاساسية ولا الشيء الوحيد فيما وصل اليه حالنا". ورأى في سياق متواصل ان الظرف الذاتي والموضوعي للامة العربية هو الذي سمح لتلك المؤامرة ان تنفد "كما تنفد السكين في الزبدة".

واشار الى ان الجانبين الاجتماعي والنفسي في الحالة العربية هما من اكثر الجوانب التي تحتاج الى تناول ومعاينة سواء من خلال السينما او اشكال التناول الاخرى في الدراما والكتابة والدراسة والتحليل.

وذكر ان ظهوره في ثلاثة من افلامه باستثناء "العاصفة" مسألة ذاتية بحتة تتعلق بابنه يوسف الذي يحب ان يرى والده على الشاشة الى جوار النجوم الذين يختارهم لتأدية ادوار في افلامه واضاف ضاحكاً "وفيها شيء من النرجسية ما فيهاش حاجة يعني" باللهجة المصرية المحببة.

واوضح ان ظهوره في فيلمه الاخير تحديداً كان لسبب آخر هو تعذر تأدية المخرج يوسف شاهين للدور المتعلق بمخرج سينمائي داخل الفيلم كاملاً, لاسباب تتعلق بصحته وتقدمه بالسن, ما جعل يوسف يؤدي باقي الدور وظهور شاهين في مشهد واحد بالفيلم جالساً.

ولم ير يوسف ان التقاطع في الجو العام لفيلمه "ويجا" مع الاطار العام لفيلم هاني خليفة "سهر الليالي" الذي شكل انعطافة جديدة في السينما المصرية بعد اعوام من الركود تهمة. فكلاهما, حسبه, يعاينان مجتمعاً واحداً هو المجتمع المصري. في حين رأى ان التشابه في موضوع البطولة الجماعية موجود في السينما المصرية منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي, مستشهداً بفيلم "احنا التلامذة" للمخرج عاطف سالم الذي مثل فيه يوسف فخر الدين وشكري سرحان واحمد رمزي.

ومنعطفاً من احلام اليقظة الكبرى, وتخيله انه بمجرد تخرجه من الجامعة سيقود ثورة نهوض عربية شاملة, اختار يوسف السينما, وليس العمل السياسي او الانخراط المهني في حقل تخصصه الاكاديمي الهندسة.

ووصف استاذه شاهين بأنه، ورغم تجاوزه سن الثمانين عاماً، من الناس الذين يديرون حواراً متصلاً مع جيل الشباب, بمرونة وانفتاح وعقلانية فذة.

ورأى ان90% من جمهور السينما في العالم اجمع وليس في مصر او العالم العربي وحده هو ممن تتراوح اعمارهم ما بين 14 الى 25 عاماً, ما يجعل ضرورة الاهتمام بهذا الجيل جزءاً حيوياً من عمل المخرج الناجح, ومعرفة كيف يفكر هذا الجيل, وكيف يحب، اضافة الى الاطلاع على مجالات اهتماماته كافة.

وكان فيلم "القاهرة منورة بأهلها" الروائي التسجيلي القصير اول فيلم يدخل فيه يوسف موقع التصوير كمساعد للمخرج شاهين, وشعر منذ التعامل الاول مع السينما وحركة الكاميرا بانجذاب حقيقي لهذا العالم الصاخب, ولكن كما يوضح لم يكن انجذاباً للتمثيل, بل لجهة الخلق التي يأخذها المخرج عادة على عاتقه عند تعامله مع سيناريو فيلم ما, ويبين ان اكثر ما اسره هو تحول فكرة مكتوبة على الورق الى عالم من لحم ودم وشخصيات وصراعات في موقع التصوير.

وكما لا يستطيع اي روائي عربي ان يتقدم بهذا الحقل الابداعي من دون ان يكون قد مر على تجربة نجيب محفوظ الروائي المصري الذي نال جائزة نوبل في العام 1988، يرى يوسف, ان اي مخرج سينمائي عربي يريد ان يحقق له مكاناً مهماً على ساحة الاخراج العربي, لا يمكنه ان يغض الطرف عن تجربة شاهين, الذي يعده يوسف الاب الروحي للسينما المصرية على وجه الخصوص والعربية على وجه العموم.

ويورد في السياق ذاته اسماء اخرى تشكل جذور السينما المصرية مثل بركات وصلاح ابو سيف وتوفيق صالح وعز الدين ذو الفقار وغيرهم, ولا ينكر تأثره والسينمائيين الجدد بهؤلاء بشكل او بآخر, وعن تأثره تحديداً بشاهين وتقليده له يرد يوسف قائلاً "انه شرف لا أدعيه" رغم انه على الصعيد الموضوعي يرى ان السينما التي يقدمها لا تشوبها مساحات تقليد لسينما يوسف شاهين, وليس لها علاقة بها لا من حيث المحتوى, ولا من حيث الشكل, ويؤكد ان هذا ليس رأيه وحده بل يتفق معه فيه معظم نقاد السينما في مصر والعالم العربي.

ويزيد في سياق متصل انه ليس يوسف شاهين, بيئته مختلفة عنه, همومهما متباينة, ما يؤدي بالضرورة، حسب يوسف, الى تقديم كل منهما سينما مغايرة للآخر.ويوضح ان هذا لا يعني انه لم يتعلم منه "كمعلم كبير" مختلف فنون السينما وآليات ادارة الممثل والكوادر الفنية. والمنهج العلمي في طريقة التفكير السينمائي واصفا كل ذلك بأنه تأثر محمود وليس سلبي.

ويؤكد يوسف انه ليس لديه اي هاجس فيما يتعلق بسينما عالمية, والمشاركة في مهرجانات كبرى تقام في مختلف ارجا‌ء العالم، ويقول "ليس لدي هذا الهاجس ولن يكون، وعندما دخلت عالم السينما فعلت ذلك وأنا احمل هماً واحداً فقط: المواطن العربي". ويشير الى تواصله مع هذا المواطن واقامة حوار جدلي بناء معه هو ما يشغل باله مائة بالمائة وليس 99 وتسعة من العشرة.

ويورد في السياق الهموم التي تواجهها السينما في العالم الثالث والعالم العربي خصوصاً, كما باقي فعاليات الحياة, ما يجعل مصطلح الفن للفن, ورفاهية متعة الابداع من الاشياء بعيدة المنال. ويشير ان همه الاول هو ان يسهم مع زملائه السينمائيين العرب في صياغة مستقبل افضل, ليس على صعيد الفن وحده, بل على الصعد الحياتية كافة.

ويرى ان اهم عائق يواجه السينما العربية هو الحكومات التي تدير شؤون مجتمعاتها, لأنها, حسب يوسف, تحارب بوعي ومن دون وعي السينما في بلدانها, ويوضح ان من يحاربونها بوعي هم من يدركون ان السينما صناعة تتبناها جهات ليبرالية مستقلة لا تكرس سياسة السلطة في بلدانها, في حين يشير ان المحاربة غير الواعية "العمياء" هي عدم ادراك اهمية السينما في تكوين الاجيال الصاعدة, وفي اظهار الوجه الحضاري لأمتنا العربية للعالم اجمع.

ويذكر في السياق ان تقدم السينما العربية يتحقق عندما تدرك الحكومات اهميتها ومن ثم تتوقف عن محاربتها.ويختم بأن مجالات الدعم مفتوحة لا تبدأ بالانفاق المالي ولا تنتهي بالتوقف عن ممارسة الرقابة الصارمة والقرصنة التي تمارس على الافلام خارج البلدان التي انتجت فيها.

ويشير الى اهمية الاتفاقات الدولية في هذا السياق, ولا يستثني هنا الجمهور العربي من تحمله لدور رئيسي في مسؤولية دعم سينما جادة خلاقة, من خلال عدم انتصاره للأفلام التافهة فارغة المحتوى, للحيلولة دون تكريس مفهوم السينما السطحية التي تعمل على تخريب ذائقة الاجيال الشابة وكسر عنق السينما الجيدة.

وعن مشروعاته المستقبلية يعيد يوسف الاشارة الى حلمه الذي لا ينفك يراوده وهو فيلم "سقوط الاندلس" الذي تحول مستلزماته الانتاجية الباهظة دون تحقيقه له في الوقت الحاضر, اما على الصعيد الممكن والمتعين العاكف عليه حاليا، فيتحدث عن فيلم "خيانة شرعية" الذي كتب بنفسه السيناريو الخاص به والمتعلق بموضوعات اجتماعية حساسة، يرى يوسف بأنها الاحق بالتناول والمعالجة السينمائية لعلاقتها المباشرة بكل ما يحيط بمجتمعاتنا ودولنا العربية من انهيارات سياسية وعسكرية واقتصادية، وبما يميزها من تخلف ثقافي معرفي.

التعليق