المحيسن: تكوين الدولة العربية لم يقم على أساس قومي

تم نشره في الجمعة 14 تموز / يوليو 2006. 10:00 صباحاً
  • المحيسن: تكوين الدولة العربية لم يقم على أساس قومي

باحث أردني يرى أن مؤسسات المجتمع لا تقوم بدورها

 

حاورته: عزيزة علي

 

عمان- يرى الباحث جهاد المحيسن "إن الدولة كمفهوم حداثي يعنى بالقانون والمؤسسات لم يكن حاضرا في بداية تكوين الدولة العربية، ولم يكن حاضرا أيضا في لحظاتها الحالية".

ويشير المحيسن، الحاصل على الماجستير في التاريخ الاجتماعي الحديث من الجامعة اللبنانية، إلى ان شكل الدولة في مجتمعاتنا هو شكل ممجوج لا يعبر إلا عن مصالح فئات محددة، ويترك باقي المجتمع عرضة لقدره الخاص به وهو ما جاء في كتابين له هما "القبيلة والدولة في شرق الأردن" .

مع الباحث المحيسن كان للغد الحوار الآتي :

هل وضحت لنا في البداية طبيعة تكوين الدولة، كيف تتكون، وهل يوجد فرق بين الدولة والسلطة ومن ينتج من؟

- في البداية لا بد من التنويه إلى إن التعريفات الكلاسيكية لتكوين الدولة تكاد تجمع فيما بينها على أن الدولة هي جملة الأفراد الذين يعيشون ضمن إقليم واحد وتجمعهم لغة واحدة وتاريخ مشترك وسلوك ثقافي واجتماعي يكاد يكون متقاربا ولا أقول واحدا وكذلك يدخل في هذا السياق النضال الوطني ضد الاحتلال وهو الذي يعطي بعدا لمفهوم المواطنة والهوية والإقليم كمحدد يدخل في مكون الدولة وغيرها من العوامل التي تحدد مفهوم الدولة، ويتميز هذا النسق الاجتماعي بكثير من التداخل ليشكل صورة الدولة التي نراها في مجتمعاتنا، ولكن هذا التعريف المتفق عليه يكاد يخلو من الدخول إلى التناقضات التي تمليها ولادة الدولة وطبيعة تكويناتها الاجتماعية والاقتصادية التي تساهم في وجودها وفي انتهائها أيضا.

على أن الدولة الحديثة هي وليدة من رحم الإمبراطوريات الكبيرة التي انهارت مع بدايات القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر أي إنها دول وطنية تكونت عبر الانفصال عن رحم الإمبراطوريات الجامعة التي كانت تعيش في كنفها العديد من القوميات والاثنيات والثقافات المختلفة، ونتيجة هذا الانفصال ظهرت الدولة الوطنية بصورتها الحالية مباشرة بعد ذلك الانفصال.

والدول العربية الحالية أيضا هي وليدة هذا الانفصال فهي قد عاشت في كنف السلطنة العثمانية وبعد انهيار السلطنة العثمانية ودخول الاحتلالين الفرنسي والبريطاني إلى المشرق العربي بدأت الدولة العربية بالظهور بصورتها الحالية والحال كذلك بالنسبة للمغرب العربي، فبعد دخول أيضا الاحتلالين الفرنسي والايطالي وقيام حركة التحرر من هذا الاستعمار بدأ يتشكل نسق الدولة الوطنية في العالم العربي. 

وهذا التكوين للدولة العربية لم يقم على أساس قومي كما يروج له في الكتابات التاريخية وإنما قام على أسس انفصالية ذات أبعاد جهوية وطائفية في بعض المناطق وقبلية في مناطق أخرى أي أن الدولة كمفهوم حداثي يعنى بالقانون والمؤسسات لم يكن حاضرا في بداية تكوين الدولة العربية ولم يكن حاضرا أيضا في لحظاتها الحالية وربما أتجاوز للقول مستقبلا، أيضا لان لحظة الولادة حملت الكثير من الغموض وعدم الوضوح لولادة هذه الدولة الوطنية التي تعيش في داخلها الكثير من التناقضات التي تحمل عوامل الاندثار كما تحمل عوامل الاستمرار وذلك ربما يفسر ديمومتها المشوهة عبر تناقضاتها التي تجعل منها عرضة للانقراض والتشظي، وكما وجد في لحظة الولادة تلك من ينظر لتاريخية الدولة الوطنية ورسوخها في التاريخ والحديث عن أثرها في الثقافة والحضارة الإنسانية سيكون حاضرا وبكثافة من ينظر لهذا الوجود المتفكك للدولة المدينة، بل على العكس سنجد طقوسا للأسطورة والرمز الشعبي وغيرها من المكونات التي تضمن أن هذا الكيان الطائفي او القبلي الوليد سيكون له جذر حضاري يفوق عظمة الحضارة الإسلامية بجملتها وبرموزها وتاريخها وآثارها في السياق الحضاري الإنساني، هذا وكله في المحصلة النهائية يخدم فكرة الدولة الطائفة او الدولة القبيلة المرشحة للولادة ضمن المعطيات الحالية التي شجعت الهويات المحلية والاثنية والعشائرية بين الناس بحجة حماية وصيانة الدولة الحالية أولا.

وربما تتماها الدولة في السلطة والعكس صحيح إلا أن السلطة هي أداة الدولة الأساسية التي تحفظ استمرارها، وكذلك هي التي تمارس فيها وجودها من خلال أدوات القهر الواقع في يدها والتي تتحكم فيها لصياغة ايدولوجيتها الخاصة فهي أداة القمع المباشر الذي تمارسه في حال تعرضت مصالحها للخطر ولكن التعسف في استخدام السلطة يجعل منها أداة لسقوطها على المدى البعيد، فالدولة هي وليدة السلطة على مر العصور وربما يجري تغيير وتحوير في الدلالات ولكن سياق الدولة بالضرورة يؤدي، الى المزيد من التعسف في استخدام سطوتها وقوتها تجاه المجتمع وللإفراد الواقعين تحت تأثيرها المباشر ما لم يكن هناك صيغة تحكم العلاقة بين الدولة ومجتمعها.

- كيف ترى شكل العلاقة بين الدولة المجتمع، وعلى ماذا تقوم هذه العلاقة؟

الأصل في الأشياء أن تكون العلاقة بين الدولة والمجتمع علاقة تكاملية وتبادلية في ذات السياق ولكن قد يحصل تناقض بين المجتمع ودولته، مما يستدعي تغييرا في هذه العلاقة ولذلك تلجأ الدولة عبر هيمنتها المباشرة على المجتمع الى تأجيل الصراع وتوجيهه في بعض الأحيان إلى خدمة مصالحها، من هنا نجد أن شكل الدولة في مجتمعاتنا شكل ممجوج لا يعبر إلا عن مصالح فئات محددة، ويترك باقي المجتمع عرضة لقدره الخاص بهم الذي فرضته الدولة عليه ومن هنا ينشأ الاحتقان الاجتماعي، ويصبح من العسير على كلا الطرفين إيجاد قواسم مشتركة للتفاهم بينهما ومن هنا ينشأ دور الوسطاء والمرتزقة والمنتفعين الذين لا يديرون بالا لمصالح المجتمع بل على العكس يصبحون أداة من أدوات السلطة لقمع تطور المجتمع في سياق بناء مؤسسات مجتمعه المدني وحقوقه الديمقراطية .

ألا ترى ان هناك فجوة بين الدولة والمجتمعات العربية، برأيك لمن ترجع هذه الفجوة للدولة ام للمجتمع؟

-المسالة في الواقع العربي اكبر من فجوة بل يكاد ان يكون هناك فصام ما بين الدولة ومجتمعها وهذا ما نشاهده في واقعنا الحالي حيث، ان الدولة في المجتمع العربي في واد ومجتمعها في واد آخر بل أنها تسعى في كل مناسبة إلى تعميق هذه الهوة عبر زيادة القمع ومصادرة الحريات والحديث عن أنها تملك رؤية كونية لحال مشاكل مجتمعاتها.

وفي حقيقة الأمر هي تسعى لتغريب المجتمع عن حقوقه وارادته بحجج واهية كانت في السابق تأتي تحت شعار الوحدة والتحرير ولان تأتي في سياق جديد هو مكافحة الإرهاب والتطرف، وغيرها من الدعاوى التي لا تخدم إلا فئات محددة في داخل الدولة، والجديد في الأمر ان بعض هذه الفئات أصبحت ذات أجندات خارجية ترتبط بدول وشركات عابرة للقومية تسعى لتفكيك بناء الدولة التي تحمي مكتسابتهم وكل ذلك يتم بحماية وصيانة أجهزة الدول.

فهل ترين أن هذا يشكل فجوة أم انه يعبر عن أزمة حقيقية سنرى نتائجها في المدى القريب، عبر الكثير من الخراب ما لم تكن هنالك مصالحة بين الدول ومجتمعاتها عبر المزيد من الحريات والمزيد من الديمقراطية والشفافية في محاسبة الفساد الذي تديره رموز الدولة والمنتفعون منها.

من وجهة نظرك هل توجد في المجتمعات العربية مؤسسات مجتمع مدني حقيقية؟ وهل تقوم هذه المؤسسات بدورها الطبيعي في هذه المجتمعات؟

-نعم توجد مؤسسات مجتمع مدني في المجتمعات العربية، ولكن هذه المؤسسات قاصرة عن القيام بدورها وذلك عائد لعدم تجذر مفهوم المجتمع المدني عند الناس ولذلك أسبابه المتعلقة أيضا بالدولة والسلطة معا فهما لم تساعدا على تجذير دولة المؤسسات والقانون والمواطنة الحقيقية وليس الرعايا، فهي عمدت، أي الدولة، على إبقاء شكل العلاقات الأولية بين الناس لتسهل السيطرة عليهم وكذلك لتجعل من حقوقهم التي هي حق مكتسب لهم منة تمن بها عليهم، وهكذا فان مؤسسات المجتمع المدني تبقى قاصرة عن القيام بمهامها وهي أيضا أصبحت مرهونة للسلطة بحكم عدم مقدرتها على تجاوز أزماتها الداخلية التي هي انعكاس مباشر لازمة مجتمعها، بل على العكس فان المجتمع الأهلي هو الذي يقدم نفسه وباستمرار كبديل لهذه المؤسسات وكوسيط بين الدولة ومجتمعها.

أي انه وبالمحصلة النهائية تبقى مؤسسات المجتمع المدني قاصرة عن القيام بمهامها لعوامل ذاتية تتعلق بها وبتكوينها ورؤيتها وأسلوب تقديمها لذاتها في المجتمع والعوامل الموضوعية المتعلقة بخوف السلطة من ولادة أشكال منظمة داخل مجتمعاتها قد تسبب لها قلقا في المستقبل أذا ما قويت هذه المؤسسات واستطاعت ان تقف في وجه هيمنة الدولة وهذا ما نلمسه من محاولات كثيرة لتهميش دورها عبر صياغة الكثير من القوانين التي تحرمها من التطور.

ويمكن لمؤسسات المجتع المدني ان تقوم بدور كبير في النهوض بالمجتمع اذا ما فعلت عبر توسيع قاعدة المنتسبين إليها وكذلك عبر النضال المستمر لتحقيق أهدافها التي نشأت من اجلها هذه المؤسسات.

- قال احد الباحثين عن مفهوم الهوية "انه مفهوم غير متبدل وغير ثابت", كيف تفسر هذا الكلام، وما هو رأيك في قضية الهوية؟

-نعم مفهوم الهوية غير ثابت ومتبدل ايضا فهو كبندول الساعة متحرك باستمرار تبعا للظروف التي يعيشها الفرد والمجتمع ففي عقدي الخمسينيات والستينيات كانت الهوية الوطنية تكاد تكون معدومة في المجتمع العربي، والخطاب القومي هو الذي يشكل مفهوم الهوية على الأقل على صعيد الخطاب الإعلامي الرسمي، وكذلك بين النخب المثقفة سواء التي تحمل فكر الدولة الوطنية او الأخرى التي تقف على الاتجاه الآخر وما لبث ان تغير هذا المفهوم بعد مضي تلك الفترة لتحل محله النزعة الوطنية والتي لا تزال سائدة إلى الآن على الرغم من أن النزعة الوطنية في الهوية قد تعرضت الى للتفكك، بعد تزايد النزعات الأثنية والإقليمية والمذهبية والقبلية في جسد الدولة الوطنية، بحجج البحث عن الهويات الخاصة لكل فئة. وهذا كله في المحصلة النهائية يؤكد على ان مفهوم الهوية مفهوم متحرك ومتبدل بحسب المتغيرات السياسية الاقتصادية وذلك له أسبابه التي يطول شرحها ولكن وصول جماعة المحافظين الجدد إلى السلطة في الولايات المتحدة الأميركية قد أسهم في تشجيع هذه الهويات المحلية وتجذيرها ودفعها للبحث عن بدائل للشخصية الوطنية وللهوية القومية أضف إلى ذلك تخلي الدولة الوطنية عن شعارها الذي رفعته عند وصولها للسلطة - للوحدة والتحرير.

-أيضا كيف ترى مستقبل الهوية العربية في ضل وجود نظام بقيادة قطب؟

البحث عن مستقبل الهوية العربية في ظل هذا النظام قد يكون شائكا نوعا ما ولكن كما أسلفنا فأن الدعاوى الانفصالية عن الهوية الجامعة"أي الهوية العربية" قد تحمل في طياتها كذلك ردة فعل نحو الهوية القومية في ظل القهر الذي يمارس على العرب من قبل الغرب والولايات المتحدة قد يشكل ذلك حافزا للعودة الى الهوية الجامعة "أي الهوية العربية" في محولة لتأكيد الذات في مواجهة الآخر وهذا يشابه إلى حد ما حصل ابان حركة الاستقلال من الاستعمار في النصف الأول من القرن الماضي.

حيث شكلت هذه الهوية الجامعة ملاذا أخيرا في مواجهة سعي الآخر إلى إلغاء الهوية العربية وإحلال مكانها الهويات المحلية سواء الطائفية منها أو الاثنية او القبلية وقد يتخيل البعض ان هذا مجرد تكهنات ولكن هذه مسيرة التاريخ في سياق إيجاد بدائل للسائد غير المحمود.

- كيف تقرأ مستقبل الوطن العربي في ظل العولمة، وما اثر هذه العولمة على المجتمعات العربية؟

العولمة مفهوم يكاد يكون عاما وهو أيضا مفهوم تاريخي أي بمعنى ان حركته موجودة على مر تاريخ الإمبراطوريات سواء القديمة منها او الحديثة، ولكن خطورة هذه العولمة أنها بالسياق العام تأكل الأخضر واليابس وتسعى إلى إلغاء الهويات القائمة واحلالها بأخرى لا تحمل أي قيمة إنسانية بل على العكس جعلت من الإنسان مخلوقا رقميا في معادلة هذه الشركات ولم يعد له أي قيمة إنسانية، والوطن العربي من ضمن المجال الحيوي، تسعى للسيطرة عليه عبر تغيير القيم والثقافة واللغة والتاريخ وهذه هي المراحل التي نمر بها الآن فقد أصبحنا متجاوزين العولمة الاقتصادية والخوف الحقيقي حاليا على منظومة القيم التي تتبع هذه العولمة، فالمستقبل يبدو انه يسير في صالح قيم العولمة التي تفتت الإنسان والمجتمع والدولة والتاريخ.

وهنا لابد من حركة إحياء يقوم بها المجتمع العربي حتى يستطيع ان يبقى موجودا ضمن سياق قيمه وتاريخه وثقافته وليس هنالك تعويل على الدول في ذلك فهي وسيط لهذه العولمة من اجل استمرارها كدول فحركة النضال ضد قيم العولمة الحالية يجب ان تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني والأهلي والمثقفون وكل المجتمع لكي يستطيع ان يحافظ على ذاته.

التعليق