الأندية تتحول إلى شركات استثمارية والمشروع بحاجة إلى الملايين لتنفيذه

تم نشره في الثلاثاء 20 حزيران / يونيو 2006. 10:00 صباحاً
  • الأندية تتحول إلى شركات استثمارية والمشروع بحاجة إلى الملايين لتنفيذه

الاحتراف يقلقها وحراك متوقع في الساحة المحلية
 

تيسير محمود العميري

عمان - ارتفعت وتيرة الحديث عن الاحتراف في الآونة الأخيرة لا سيما في اللقاء غير الرسمي، الذي جمع سمو الامير علي بن الحسين رئيس اتحاد الكرة مع رؤساء الاندية الممتازة يوم اول من امس، ويبدو ان الايام المقبلة ستشهد حراكا ملحوظا ودفعا في اتجاه العودة الى مناقشة الاحتراف، كمشروع ما زالت تعليماته في طور البحث والطروحات حوله تتجدد، في الوقت الذي تمثل فيه العديد من التجارب العربية لا سيما في السعودية ومصر وقطر والامارات هواجس متعددة، وأضحى الاحتراف (بعبعا) يخيف الاندية وترتجف اوصالها من استحقاقاته.

هل المطلوب نظام احتراف عصري يسير بالكرة الاردنية تدريجيا نحو الامام، ام المطلوب تفصيل ثوب على مقاس الاندية بحيث تتم تجزئة تجارب الآخرين وأخذ ما يتناسب منها وحال الكرة الاردنية، ام ان الاحتراف المثالي لن يكون ناجحا في ملاعبنا طالما ان البنية التحتية لم تجهز بعد، وأيهما اجدى احتراف متسرع عشوائي ام هواية منظمة مناسبة؟.

الاحتراف لا يعني التحرير

ثمة خلط مقصود او غير مقصود جعل الاندية تتحسب كثيرا من مناقشة الاحتراف، فالكثير منها ان لم تكن جميعها تحسبت من تحرير اللاعبين واعتقدت بأن(سوق اللاعبين) سيفلت من يديها ويتجمع نجوم الكرة في الاندية القادرة على الدفع وعددها محدود للغاية، وان تنشئتها لجيل من اللاعبين ستذهب ادراج الرياح، بيد ان الواقع فعليا غير ذلك وتطبيق الاحتراف يتطلب الابتعاد عن مفهوم(الثورات) واللجوء الى الترتيبات المعقولة التي تكفل نجاح المشروع تدريجيا، وعليه فإن الاندية قد لا تفقد ايا من نجومها اذا ما احسنت التعامل مع آلية الاحتراف، فاللاعب لم يعد مرهونا لمفهوم(الهواية)، بل انه دخل من بوابة الاحتراف بشكل خفي وغير معلن رسميا، ولعل اجور ورواتب الكثير من اللاعبين الشهرية وقياسا على مستوى الدخل في الاردن، تؤكد بأن ممارسة كرة القدم اصبحت(حرفة) وما حدث عقب(الهروب ثم العودة من مصر) للاعبي البقعة وشباب الحسين مؤيد ابو كشك ومحمد حلاوة، جعل بعض الاندية تنظم عقودا مع لاعبيها خوفا من تكرار السيناريو، معتقدة ان ذلك سيساعدها على منع حدوث الظاهرة وان الاتحاد الدولي يمكن ان يقبل بهكذا عقود في بلد لا يطبق الاحتراف، ولا توجد فيه مكاتب متخصصة لتنظيم تلك العقود.

والغريب في الامر ان اللاعبين تم بيعهما لاحقا لأندية اردنية حيث ذهب حلاوة الى الجزيرة وانتقل ابو كشك حديثا لصفوف الفيصلي.

ومن البديهي عند تطبيق الاحتراف ان تتم مراعاة مصالح الاندية واللاعبين على حد سواء، وليس سرا انني كنت وما زلت عضوا في لجنة الاحتراف في اتحاد الكرة، وفي كل مرة كنا نناقش الاحتراف كانت مصلحة الاندية تسبق مصلحة اللاعب، ونحاول(تفصيل) تعليمات الاحتراف بما يخدم الاندية الى حد بعيد، وعليه فإن اللاعبين كبار السن الذين تجاوزوا الثامنة والعشرين يجب ان تقدم لهم خدمة تقديرا لما بذلوه مع انديتهم، ومثل هؤلاء اللاعبين يجب ان يتم تخييرهم بين البقاء مع انديتهم وفق عقود وعروض تقدمها لهم، او يتم منحهم(حق تقرير المصير) في الذهاب لأي من الاندية التي يرغبون اللعب فيها.

ومن المؤسف ان بعض الاندية تفاوض اخرى على شراء لاعب مقابل تحرير ثلاثة او اربعة لاعبين، واخرى تبيع اكثر من لاعب بـ(الجملة) دون ان تنظر الى التأثيرات النفسية التي قد تحدث اثر الصفقة.

التهافت يرفع أسعار اللاعبين

لا شك ان لكل مجتهد نصيبا وان اللاعب الابرز يحظى دوما بالعناية والاهتمام ويتلقى العديد من العروض للبقاء او الانتقال، ومن المؤسف ان الاندية تستطيع (خَلع) اللاعب من كشوفاتها بدون تعويض وتبقيه على قارعة الطريق في انتظار ناد آخر يبحث عن لاعبين لتعزيز صفوفه، وفي ذات الوقت لا يمتلك اللاعب حق (الخُلع) والانفكاك عن ناديه الا برضى النادي، وغير ذلك فإن اللاعب بين خيارين لا ثالث لهما وكلاهما اشد مرارة من الآخر، فإما القبول بالامر الواقع واما هجر اللعبة.

وفي الساحة المحلية برز العديد من نجوم الكرة الاردنية واصبحوا تحت منظار الاندية الاخرى، ولعل نظرة لما يجري الآن من مفاوضات بين الاندية يثير العجب والقلق بينها، فاللاعبون هم المستفيدون الابرز من صفقات البيع حيث للاعب حصة لا بأس بها يتم الحصول عليها بالاتفاق مع ناديه السابق، وعليه جاءت صفقات انتقال مؤيد ابو كشك للفيصلي ومصطفى شحادة لشباب الاردن وسامي ذيابات للبقعة(خيالية) مما ساهم في رفع اسعار اللاعبين فحاولت اندية الجزيرة والوحدات والفيصلي وشباب الاردن الحصول على مدافع الحسين اربد بشار بني ياسين وتراوحت اسعار العرض بين 75 الى 100 ألف دينار، في حين طلب الحسين مبلغ اكثر من ربع مليون دينار مقابل التخلي عن لاعب الوسط احمد غازي.

وهذا التسابق نبه الاندية الراغبة في الشراء الى خطورة ما يجري فارتفعت وتيرة الصراخ (اوقفوا ما يجري) فالمبالغ المطلوبة اكبر بكثير من المستوى الفني للاعب، وكثرة الطلب تؤدي الى ارتفاع الثمن بغير وجه حق.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه .. من اين تأتي بعض الاندية بالمال فهي في كل المناسبات تشتكي من ضيق ذات اليد، والمفاجأة كبيرة عندما تدرك بأن بعضها يستدين ليشتري، والبعض الآخر يستفيد من اعضاء هيئته العامة او قدرات رئيسه المالية.

تلك الظاهرة افرزت اخرى اشد قسوة وغير مقبولة على الاطلاق، فأحد الاندية غير المنافسة على الالقاب وممن يمتلك قدرات مالية اصبح يثير المشاكل بين الاندية ولاعبيها، عندما يذهب خلسة للاعبين ويخبرهم انه راغب في ضمهم لصفوفه دون ان يتحدث مع النادي الذي ينتمي اليه ذلك اللاعب، مما يجعل الأخير في حيرة من امره فلا ناديه السابق يريد ان ينعشه ماليا ولا النادي الجديد تقدم بعرض حقيقي له!.

مال وملاعب

وفي المرات السابقة شهدت العديد من الاندية اجتماعات تنسيقية آخرها كان في النادي الفيصلي، تم خلالها مناقشة مسودة المشروع المعروض آنذاك عليها، وخرجت بالعديد من التوصيات والملاحظات من أهمها الحصول على مبلغ مالي يصل الى نصف مليون دينار لكل ناد قبل البدء في تطبيق الاحتراف، حتى يتمكن من ترتيب اوراقه جيدا وتنظيم عقوده، كما طالبت الاندية التي لا تمتلك ملاعب تدريبية بالحصول عليها اسوة بالاندية الأخرى، ومن بين الاندية الممتازة الحالية ممن لا يمتلكون ملاعب خاصة بهم اندية البقعة والجزيرة واليرموك والعربي الذي يتقاسم ملعب غير جاهز مع الحسين اربد، وهذا حال اتحاد الرمثا الذي يتقاسم ملعبا مع الرمثا.

ومن البديهي ان اتحاد الكرة قد خصص في تعليماته المتعلقة بالاحتراف بندا يشير الى مساهمته المالية في نفقاتها على صعيد اللاعبين والمدربين، وقد حملت بعض التوصيات المتعلقة بالاحتراف النقاط التالية:

- ان يطبق الاحتراف لمدة عام كتجربة اولية يتم تقييمها من واقع التطبيق العملي ليتم تفادي السلبيات وتعزيز الايجابيات.

- الاكتفاء بتطبيق الاحتراف في المرحلة الاولى على الفرق الاولى من الاندية الممتازة العشرة.

- حصر تطبيق الاحتراف على ثمانية لاعبين من كل فريق اضافة الى اللاعبين الاجانب الثلاثة.

- تهيئة اكبر عدد ممكن من الملاعب للمسابقات المحلية.

- تهيئة بقية الملاعب التدريبية للأندية التي لم تحصل بعد على ملاعبها.

- التأكد من توفير الدعم المالي المطلوب للأندية للصرف منه على الاحتراف خلال السنوات الخمس الاولى، على ان تتوفر المبالغ قبل تطبيق الاحتراف بموسم على الاقل.

- تهيئة الاندية والرأي العام ووسائل الاعلام من خلال توعيتها بنظام الاحتراف وعلى عدة مراحل.

- تشجيع الاندية للبدء في مشاريع استثمارية تعزز مداخيلها حتى تكون مهيئة للصرف على الاحتراف الى جانب دعم الاتحاد.

- العمل على تطوير مختلف الاجهزة العاملة في الاتحاد والاندية لرفع مستواهم عن طريق دورات تعقدها اللجنة الاولمبية.

مشكلة متجددة

ويبدو ان مشكلة الملاعب لا تنحصر فقط في الملاعب التدريبية التي لم تجهز لبعض الاندية، وانما في قلة الملاعب العشبية التي ترغب الاندية في التدرب عليها، خصوصا وان ملاعب الاندية من العشب الصناعي (الترتان) بينما تلعب الاندية على العشب الطبيعي، اضف الى ذلك ان الملاعب التي تقام عليها المباريات يعاني بعضها من الاستهلاك الجائر (ستاد عمان وستاد الملك عبدالله الثاني وستاد الحسن)، فيما تغلق الملاعب الأخرى اكثر مما تفتح ابوابها في الموسم الواحد، وهي مسألة بحاجة الى تدخل المجلس الاعلى للشباب، والتأكيد على المعنيين بتلك الملاعب ضرورة التنسيق مع اتحاد الكرة، بحيث لا تتقاطع مواعيد الصيانة المبررة وغير المبررة مع مسابقات الاتحاد المحلية واستحقاقات الاندية الاردنية عربيا وآسيويا وتحضيرات المنتخب وبرامجه الودية والرسمية في مختلف مشاركاته.

الجهات ذات العلاقة بالاحتراف

ومن البديهي ان اطراف المعادلة المتعلقة بتطبيق نظام الاحتراف تشمل اتحاد الكرة والمجلس الاعلى للشباب واللجنة الاولمبية والمؤسسات العامة مثل امانة عمان والبلديات ومؤسسات القطاع الخاص والاندية واللاعبين والحكام وشركات التسويق والجمهور والاعلام.

ويتطلب الامر من المجلس الاعلى للشباب توفير البنية التحتية للأندية وتوفير المنشآت الرياضية للعب والتدريب وتوفير اجواء الاستثمار في صناعة الاحتراف، اما اللجنة الاولمبية فهي مطالبة بدعم الاحتراف من خلال الانظمة والتعليمات الدولية، وتوفير الدعم المالي لتنفيذ الاحتراف وعقد الدورات المتخصصة لرفع قدرات العاملين، في حين يتطلب من امانة عمان والبلديات توفير الاراضي لإنشاء مقار الاندية وملاعبها التدريبية ودعم الاندية ماليا وفنيا.

وهذه المتطلبات من الجهات آنفة الذكر هي ذاتها المعيقات التي تقف حائلا دون تطبيق الاحتراف.

الأندية والاستثمار

ثمة هاجس كبير يقلق الاندية ويثير مخاوفها الى درجة رفض الحديث في الاحتراف، وهذا الهاجس يتعلق في ان المرحلة الثانية من الاحتراف تفرض ان تدار الاندية من قبل الشركات الراعية لها، وهو امر لا تقبل به الاندية وتخشى على مقاعدها الادارية وضياع نفوذها.

وما من ناد اردني ضمن اندية الدرجة الممتازة لكرة القدم يدار من قبل شركة راعية، بل ان العلاقة بين الاندية والشركات الراعية لا تتجاوز دفع مبالغ معينة في كل عام مقابل ارتداء الفريق الاول قمصانا تحمل شعار تلك الشركة، فشباب الاردن يرتدي قمصان (موبايلكم) والفيصلي والوحدات يرتديان (فاست لينك)، اما بقية الاندية فلا ترتدي علامات تجارية وربما تدخل (امنية) على الخط بعد ان كانت (بيبسي كولا) على قمصان العديد من الاندية في سنوات سابقة.

وهنا لا بد من وجود تشريعات حقيقية تسمح بالاستثمار في الاندية وهذه التشريعات يتطلب وضعها في نظام الاندية الحديث والذي لمس المجلس الاعلى للشباب عتبا واعتراضا على بعض نصوصه من قبل عدة اندية.

فالاندية تخشى ان تقوم هذه الشركات الراعية بالهيمنة على مقدرات النادي، ولكن لماذا لا تقوم الاندية ووفق النظام والتعليمات بتحويل نفسها الى شركات كحال نادي عمان مثلا؟، وهل ستفهم الاندية بلا لبس او تمويه انها آجلا ام عاجلا ستتحول الى شركات.

بن همام والكرة الأردنية

ومن المؤكد ان اتحاد الكرة يستطيع ترتيب لقاء مستقبلي مع رئيس الاتحاد الآسيوي محمد بن همام خلال زياراته المتكررة للأردن يجمعه مع الاندية الممتازة والاعلاميين، ويتم فيه توضيح شروط ومتطلبات الاحتراف اذا ما ارادت الكرة الاردنية التطور، وقد سمعت الاندية حديثا متناثرا هنا وهناك ولكن لا بد من وضع النقاط على الحروف.

الكرة الأردنية والواقع الآسيوي

ولعل مونديال المانيا الذي تدور رحاه حاليا قد اعطى ادلة واضحة على مدى تطور الكرة الآسيوية، لا سيما مع انضمام استراليا الى هذه القارة، حيث تعذبت البرازيل قبل ان تمر من محطة استراليا، وها هي كوريا الجنوبية تتصدر مجموعتها على حساب فرنسا وسويسرا وتوغو، اما اليابان فتعادلت مع كرواتيا وخسرت من استراليا والسعودية تقدم مستوى طيبا حتى الآن.

واذا ما اردنا المنافسة في تصفيات كأس العالم المقبلة والاستحقاقات الآسيوية اللاحقة فلا بد من تطبيق الاحتراف بشكل لا ينعكس سلبا على الساحة المحلية وانما يساهم في دفع مسارها نحو الامام.

حراك متوقع لاحقا

وعليه تبدو الساحة المحلية على اعتاب حراك ملحوظ بشأن الاحتراف، والذي يفرض اجتماعات تنسيقية بين اتحاد الكرة واللجنة الاولمبية والمجلس الاعلى للشباب وامانة عمان، بهدف تذليل الصعاب واستكمال الخطوات للبدء في مشروع الاحتراف.

التعليق