عودة: قمت بـ "الإيهام بالواقع" ولم أسجله حرفيا في رواياتي

تم نشره في الأحد 4 حزيران / يونيو 2006. 10:00 صباحاً
  • عودة: قمت بـ "الإيهام بالواقع" ولم أسجله حرفيا في رواياتي

ناقد وروائي فلسطيني يرى أن الإبداع الحقيقي ينبغي ان ارتبط ضرورة بالوعي

حاورته: عزيزة علي

   يرى الناقد والروائي الفلسطيني د. علي عودة أن الإبداع الحقيقي هو ما ارتبط منه بالوعي والإصرار عليه، وعلى المقاومة المحصنة بالوعي والمرتبطة بالجذور.

ويؤكد أستاذ النقد في حقل الأدب العربي الحديث في جامعة القدس المفتوحة أن الإبداع النصي والفني بنظم الشعر أو كتابة الروايات والمسرحيات ورسم اللوحات يمكن تأجيله في "غصة هاشم" حتى استتباب الوعي، ويقول حول ذلك "يمكننا تأجيل هذا النوع من الإبداع، حتى لا نترك لأبنائنا وأحفادنا ما قد يلعنوننا بسببه، وعندما يستتب الوعي ، ونأنس لذلك نواصل كتابة النصوص ورسم اللوحات!!".

   ولعودة صاحب الثلاثية الروائية "بكاء العزيزة" عدد من الدراسات والإصدارات المتعلقة بالقصة والرواية الفلسطينية، منها بحثه الطويل والموسع "القصة القصيرة المقاومة في قطاع غزة" الموجودة ضمن بحوث ودراسات كتاب "ثقافة المقاومة" الذي صدر عن جامعة فيلادلفيا لتوثيق أوراق عمل مؤتمرها الدولي "ثقافة الخوف"، وهو المؤتمر الذي كان عودة أحد المشاركين فيه، وأجري معه هذا اللقاء على هامش تلك المشاركة.

* ماذا بعد ثلاثية "بكاء العزيزة"؟

- بعد العين والدموع والدخان، تأتي "الغصَّة" ! أحاول كتابة نص روائي يعبّر عن هذه "الغصّة" (الشرقة)، لكنني لا أضمن أنه سيرى النور، قد أمزق أوراقي وأطعمها للنار في اللحظة الأخيرة.

* ما هي المقولة الرئيسية في الثلاثية؟

- ما أردت أن أقوله في "بكاء العزيزة" أصبح ملكاً للقراء، ولا أستطيع توجيههم إلى نواياي وعذاباتي، أعتقد أن القارئ هو الذي عليه أن يكتشف المشار إليه، والمسكوت عنه في هذا النص!

* هل اعتمدت في ثلاثيتك "بكاء العزيزة" على الرواية الشفوية المتناقلة بين مختلف الأجيال الفلسطينية؟

- لم أقم بجمع التاريخ الشفوي بالمعنى الحرفي والمهني، لكنني اعتمدت على حافظتي من روايات كبار السن في قريتي، التواريخ والأمكنة والأراضي المنهوبة وقصصها وحكاياتها، كلها سمعتها منهم، خاصة من فم جّدي الذي عاش قرناً كاملاً، ولازمته لأكثر من نصف قرن!.   وأود أن ألفت الانتباه إلى أنني لم أذكر اسماً أو عائلة أو مكاناً حقيقياً، حتى أرقام قسائم الأرض التي وردت في الجزء الأول" العين" هي غير حقيقية! لقد قمت بـ"الإيهام بالواقع" ولم أقم بتسجيلية حرفيا.

* يكاد القارئ لثلاثيتك يظن بأنك تضع فيها شيئا من التبرير لبعض أشكال التعاون والعمالة مع الاحتلال الإسرائيلي، هل فعلت ذلك حقا؟ 

- لا أعتقد أنني قمتُ بالتبرير للمتعاونين (العملاء)، وعلى العكس من ذلك، يتهمني بعض الذين قرأوا الثلاثية، بأنني كنت قاسياً مع جميل حب الرمان، بل ونكلّت به! وهنا أود أن أنبّه – مرة أخرى – إلى أنني لم أتعامل مع أشخاص واقعيين، بل مع "ظاهرة" وكما في الشخصيات والأحداث الروائية، لا يمكن تجريد الشخصية من دلالاتها، فجميل حب الرمان ليس شخصاً بعينه، بل هو شخصية رامزة لظاهرة بعينها، وأردت من خلاله، إدانةً تلك الظاهرة، ولا بأس في أن أدين – معها- الممارسات العشوائية المنفلتة، التي وقعت في بعض المحطات النضالية.

* لماذا اقتصرت البطولة في الثلاثية على المرأة القبرصية، وأين بطولات المرأة العربية فيها؟

- ولماذا تنسين كوثر العرابي، المرأة العربية الفلسطينية، زوجة وحبيبة الشهيد خالد الربيع؟ إنها رمز للمرأة القوية المنتمية لقضيتنا والمضحّية من أجلنا، بلا حدود! نعم هناك عزيزات وقبرصيات وكوثرات في حياتنا الفلسطينية، والعربية. ما زلن يبذلن ويضحيّن بمثابرة وصمت. لكن الرجال يستأثرون بالإعلام – والبطولة! ما أردته من خلال هذه النماذج النسائية، أن أعيد للمرأة العربية اعتبارها وأن اعطيها بعض حقها، دون شعارية أو هتاف! وكل من يجادل – أو يشك – في وجود مثل هذه النماذج النسائية، في واقعنا، عليه أن يغوص في المخيمات والحارات الشعبية والقرى والنجوع، ليجدهن ويتعرف عليهن، لكنني أشك في أنه سيحصل على اعتراف منهن بما يقدمن من بطولات وتضحيات، إنهن يبذلن في صمت، ولا يحبذن الإعلام والإشهار!

* كيف تعاين المشهد الإبداعي في غزة؟

- سؤال "الغصَّة" مرة أخرى! من هو المبدع أولاً؟ سؤال ساذج، أليس كذلك؟ لا بأس! نحن هنا، نعتقد أن المبدع، هو من يقامر ويجازف ويخاطر من أجل أمسية ثقافية أو شعرية أو معرض فني، أو مسرحية ملتزمة! عندما تحدثتِ معي بشأن الأسئلة المطروحة، كنت عائداً لتوّي من أمسية ثقافية عرض خلالها أحد الأصدقاء الأفكار الرئيسية في كتابه المترجم الصادر حديثاً، وحضر هذه الأمسية خمسون مثقفاً تقريباً! إن حضور هذا العدد في "غزة" رغم التفجيرات والموت والقصف المتواصل والتهديد والتخويف والأسلحة النابتة في زوايا الحارات والشوارع، لا شك أنه يعني شيئاً ما، أليس كذلك؟ الإبداع هنا، ليس مشروطاً بنظم الشعر أو كتابة الروايات والمسرحيات ورسم اللوحات، قد يحدث ذلك، لكن الإصرار على الوعي، والمقاومة بالوعي، هي الإبداع الحقيقي. هذا ما نؤمن به في "غصة هاشم"  يمكننا تأجيل الإبداع النصّي والفنّي حتى استتباب الوعي، يمكننا تأجيل هذا النوع من الإبداع، حتى لا نترك لأبنائنا وأحفادنا ما قد يلعنوننا بسببه، وعندما يستتب الوعي ، ونأنس لذلك نواصل كتابة النصوص ورسم اللوحات!!

التعليق