متحدثون: لا أحد ينتصر على شعب يكتب ببلاغة الدم ويسير بقوة الحياة

تم نشره في السبت 3 حزيران / يونيو 2006. 10:00 صباحاً
  • متحدثون: لا أحد ينتصر على شعب يكتب ببلاغة الدم ويسير بقوة الحياة

في الذكرى الرابعة لرحيل البرغوثي التي تزامنت مع مجزرة رام الله

يوسف الشايب

رام الله  - "ليست يد التذبيح أقوى من سيول الحياة" .. بهذه الكلمات اختصر عرّاب الثقافة الفلسطينية، الشاعر الراحل حسين البرغوثي، قبل سنوات، حكاية الفلسطينيين المتجددة، تحت احتلال يلف سوداه حول البياض المتخثر بالدماء أو دم الشهيد "لا يزال ريان أخضر على المنارة القريبة منا جميعاً".

جثمان البرغوثي خرج من مستشفى الشيخ زايد برام الله تحت وابل الرصاص إلى حيث "زهر اللوز"  وفي يوم إحياء ذكراه الرابعة "نبدو أمام القتل نفسه والأدوات نفسها مع الإصرار على أن نبقى حراساً لهذا الحلم" .. هكذا عبر رئيس بيت الشعر الفلسطيني الشاعر مراد السوداني  الذي ينظم أسبوع حسين البرغوثي للثقافة الفلسطينية عن مأساة الكلمة في يوم ذبح جديد كان مقرراً لإحياء ذكرى البرغوثي فأجلت فاجعة رام الله  حفل الافتتاح أكثر من يوم إلى الأحد المقبل حيث الكلمات والأشعار والموسيقى.

وقال السوداني مخاطباً روح البرغوثي، بحضور نخبة من المثقفين في المركز الأسقفي العربي برام الله، مساء الأربعاء الماضي: نتذكر الآن أيها الحاضر دوماً .. يا من أصلت لهذا الجيل الصاعد، وكنت ولما تزل كلماتك حية خضراء تسعى، وتأتي أكلها كل يوم مرة .. ها نحن نؤكد بحضورنا جميعاً في هذه اللحظات الصعبة، التي تمتزج بالحنين إلى زيارة من سقطوا الآن في رام الله، والأنين مع الجرحى، أننا معك، وأنك معنا.

ودعا الشاعر عبد الرحيم الشيخ، في كلمته اللجنة التحضيرية لأسبوع البرغوثي إلى إعلان "حالة الطوارئ القصوى في الثقافة الفلسطينية حتى نكون ونتكون فإن لم يكن بالوسع إعلان حكومة سياسية، حكومة تحسن عد الضلوع التي لها داخل "الجدار"، وعينها على الضلوع التي عليها خارجه، فلتعلن اليوم، حكومة ثقافة وطنية موحدة، وقادرة على حسم إجابة الكينونة: أن نكون كلنا، أو لا نكون: فـ"وجهك في الأرض، ووجهي في الأرض، و"لا رأس ترفع إلا إن تشابكت السواعد، وحاشاها من الاشتباك".

وأضاف الشيخ متحدثاً عن البرغوثي: عند رحيله تساءلنا والحرائق تملأ الطريق إن كان للموت جغرافيا واليوم نسأل وقد احترق الطريق إن كان ثمة جغرافيا خارج الموت يقطنها اليقين .. فطوبى للغياب الذي يدني سماء السؤال وطوبى للوصول الذي يقصي أرض الإجابات .. طوبى للغياب وطوبى للغائبين الشهداء إذ هم الأفضلون وإن حمل الحاضرون أسلحة الحب والحرب.

ويؤكد الشيخ "هنا نحن صرنا أبعد عن لحظات الانتصار بأكثر من ذي قبل، وإن اقترب يقيننا منها مسافات لا تدركها الصفة .. ها نحن في محطة انتظار أخرى نحاول الحياة ونحاورها والشهداء على الرصيف يسجلون أجمل الحوارات وأطهرها قبالة عدو لا يعرف أن الحديد وإن أجل مواعيد النشيد سيصدأ ولن يزيد النشيد إلا بريقاً ووصولاً".

ولم تغب "مجزرة رام الله" عن ذكرى البرغوثي، التي انحاز حضورها بحب نحو رفرفة أرواح الشهداء بالمكان، ودماء الجرحى وأنينهم، فها هو امين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين المتوكل طه يرى في التوحد ضد الاحتلال في رام الله  رسالة إلى "الخائبين الذين يقتتلون على الفتات في غزة وغيرها، ويرهصون إلى حرب أهلية"، مفادها أن "الشعب الفلسطيني أقوى وأكبر من كل هذه الدوائر البائسة".

وقدم طه قصيدة إلى روح البرغوثي بعنوان "ميت لا يموت" قال في مطلعها: ليس لي حظ من لعبوا في الحياة .. المحافل لن تتسع للوضوح وحرفي غموض الثقات .. أنا لم تزل لهفتي للقصيدة حتى نسيت الممات .. وأنظر أطفالنا يلعبون وآباؤهم هجروا طائر اللوز من فرط ما يفعلون .. صوتهم غدنا والنهار له ضحكة آخر النص الذي يسطرون .. ولي ضجعة فوق حقلي، فإن قيل مات فإني أنا ميت لا يموت".

وركز رئيس المجلس الأعلى للثقافة يحيى يخلف في كلمته، على أن تزامن إحياء ذكرى البرغوثي مع مجزرة رام الله يعبر ببلاغة الدم والقلم عن شعب يسير بقوة الحياة  فالبرغوثي ككل الفلسطينيين حاد كالسيف  رقيق كورق الورد.

وشدد يخلف باسم المثقفين الفلسطينيين على أهمية إنجاح الحوار الوطني الفلسطيني الذي يشكل بارقة أمل للجميع مطالباً بدخول الحوار بعقول وقلوب مفتوحة للخروج من دائرة الاقتتال الداخلي والحصار الجائر  مؤكداً على أن القيمة الإنسانية للحوار مطالباً بإعلاء صوت الحوار، بحيث يصبح بارقة أمل في ظل كل هذا السواد.

وفي كلمته تحدث الأمين العام للمنظمات الشعبية د. سمير شحادة عن جغرافيا حسين البرغوثي "بين اللوز" و"الدير الجواني" تلك البقعة من الأرض التي تداعب سواحل يافا، وحيفا، وعكا، وتغازل عسقلان بقصورها، وقلاعها، التي باتت منازل كئيبة للأسرى، مؤكداً على أن أحداً لا يمكنه إدراك سحر هذه الجغرافيا، إن لم يكن شاعراً مرهف الحس عميق الرؤى كالبرغوثي.

في حين أكد د. عادل سمارة على صراحة وحدة البرغوثي، ومصداقيته العالية، متحدثاً عن آرائه في العولمة، وما أسماه بـ"سلام رأس المال"، مؤكداً على أن عبقرية البرغوثي تكمن في قراءته الدقيقة لما يحدث، ولما يمكن أن يحدث.

رحل البرغوثي إلا أن قصائده المحفورة في ذاكرة الماء، وأحشاء الأرض تجعل من رحيله غياباً جسدياً فحسب فالشاعر كما يقولون لا يموت.

التعليق