ساري: تدني نوعية الحياة يؤدي الى الاحتقان ويولد التطرف

تم نشره في الخميس 25 أيار / مايو 2006. 10:00 صباحاً
  • ساري: تدني نوعية الحياة يؤدي الى الاحتقان ويولد التطرف

 باحث أردني يرى أن الخصوصية الثقافية تميز ولا تحيز

مهند مبيضين

عمان- يرى استاذ علم الاجتماع في جامعة فيلادلفيا الاردنية د. سالم ساري ان انتظار الاصلاح في المجال العربي لمدة اكثر من قرن من الزمان لم يأت بشيء وأن الحاجة باتت ماسة للشراكة مع العالم من خلال شبكات الاصلاح الاقليمية والعالمية. ويؤكد ساري بأن الاصلاح خيار مجتمعي لافتا الى انه يرفض وسم  بعض الاجتماعيين العرب للزمن العربي بأنه بات موحشا.

حصل سالم ساري على دكتوراه في فلسفة علم الاجتماع من جامعة برادفورد في بريطانيا في 1978 وعمل استاذا لعلم الاجتماع في الجامعة الاردنية وجامعة الامارات العربية المتحدة وجامعة الكويت وجامعة قطر، واتاحت له خبرته في معاينة تحولات المجتمع العربي ومستجداته عن قرب بأن يكون خبرة سوسيولوجية عميقة وممنهجة. وأن يتوجه نحو دراسة الموضوعات ذات الاهمية البالغة الأثر في الثقافة العربية وإشكالياتها، فإصدر جملة من الابحاث حول المشكلات الاجتماعية في الثقافة العربية وتحدياتها وركز في دراساته على مسألة التغيير والتأثير، وعولمة المجتمع العربي وسوسيولجيا العولمة، وعلم اجتماع التنمية.

* من خلال عملكم الطويل في حقل الدراسات الاجتماعية أين نجد موقع علم الاجتماع اليوم؟

-علم الاجتماع عبْر سيرته التاريخية غربياً وعربياً كان علماً شعبياً تحس المجتمعات بالحاجة إليه، وزادت هذه الحاجة بصورة واضحة في نصف القرن الماضي، حيث كان الحديث عن تنمية المجتمعات وتطويرها وتحديثها واتصالاتها وتفاعلاتها مع العالم الخارجي. لم تكن حاجة المجتمعات العربية عامة والخليجية خاصة إلى علم الاجتماع بصورته النظرية، وإنما بقدراته التطبيقية، إنها بحاجة لعلم الاجتماع إلى المدى الذي يُسهم فيه بفهم علمي للمشكلات الاجتماعية الراهنة ويسهم في مواجهة هذه المشكلات والتصدي لها. ولا أقول حلها؛ لأن حل المشكلات والقضاء عليها يعني استئصالها من جذورها، مما يعني تجفيف المصادر البنائية للمجتمع نفسه، لأن المشكلات الاجتماعية ملازمة للمجتمعات، وهي مختلفة في أنماطها وأشكالها وأحجامها. أما الحاجة إليه اليوم والآن، فهي حاجة مختلفة، حاجة للتغيير ومساعدة الناس لفهم التغيير واستيعابه والمشاركة فيه. وهذه القضية حيوية تماماً اليوم. وهي في رأيي قضية ثقافية مرتبطة بالثقافة المجتمعية السائدة، أي بثقافة الذات والثقافة العربية، ومدى تأصّل نظرية الشك أو المؤامرة فيها، وأقصد بهذا، أن علم الاجتماع اليوم يوصف بحق أنه علم اجتماع العولمة، لأن قضاياه المترسبة تنحسر، وتبقى إشكالية واحدة هي إشكالية التغيير والتأثير، والحاجة إليه قائمة ضمن هذه الإشكالية: الوعي بالعالم والاتصال به والتفاعل معه والتأثير فيه.

* ما هو الطارئ اليوم أمام تحديات كبيرة يواجهها المجتمع الخليجي خاصة والعربي عامة هل هي المعاينة الثقافية أم المعاينة السسيولوجية؟

-أعتقد أن المجتمع العربي لم يوضع على المحك كما هو حاله اليوم فهو ما اختبر يوماً بمدى قدرته على استيعاب التغيير مثلما يُختبر اليوم. فأي معاينة سسيولوجية لمشكلات المجتمع لا بد أن تتجاوز المشكلات الاجتماعية التقليدية المزمنة القديمة والمتجددة، مثل: الفقر، والبطالة، والجريمة، والانحراف والأميّة والجهل . المشكلات اليوم ليست هذه إنما هي بالأحرى تحدّيات تقف أمام إرادة الإنسان العربي في مدى تصميمه أن يصبح جزءاً من العالم أولاًٍ، ومدى إصراره على أن يتجاوز حالة المراوحة والسكون إلى حالة الحركة والدينامية ثانيا، وإذا كانت ظواهر المجتمع العربي ومكوناته ظلّت مستمرة دون معاينة حقيقية إلى اليوم فإن أكثر ما يستدعي المعاينة اليوم هو الثقافة المجتمعية التقليدية ومكوّناتها: مثل العادات والتقاليد الشكلية، والممارسات الشعبية المتمثلة بالخصوصية الثقافية. مثلاً ظلّت الثقافة العربية تحتمي لفترة طويلة تحت مظلة "الخصوصية الثقافية"، وكأنها شيء خاص أو "تابو" ثقافي لا يمكن الاقتراب منه أو المساس به. وأنا أتساءل ما هي الخصوصية الثقافية فعلا في ثقافتنا العربية؟ الخصوصية موجودة في كل ثقافة بمعنى أو بآخر ولكن لا شيء خاصا في الحقيقة في أي ثقافة. أنا أعتقد لا المرأة ولا العادات أو التقاليد ولا العنف ولا الانغلاق والتطرف هي خصوصيات عربية، وإنما "بالدُعاة التقليديين" أو "حراس الأخلاق" الاجتماعية يصرّون بأن هذه جزء من الخصوصية الثقافية العربية. يجب النظر اليوم إلى الخصوصية باعتبارها تقوم على التميّز وليس التحيّز، فالخصوصية تعني صميمية المجتمع وقيمه النوعية، واهتماماته المميزة، وليس أيدولوجياته وتعصباته وتحيّزاته الكبرى والصغرى.

اعادة اعتبار للإنسان

* من خلال عملك في الحقل الاجتماعي وبدرجة قريبة جدا من المجتمع الخليجي، ما أبرز التحدّيات التي ترون أنها بحاجة لتشخيص وعلاج؟

-أبرز التحدّيات التي تواجه المجتمع العربي بعامة اليوم هي إعادة الاعتبار للإنسان العربي، بمعنى أن السياسات والبرامج والمشروعات التنموية، تأخذ الإنسان مأخذاً جدّياً، فما زالت الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان كلها تحدّيات متواصلة تظهر بصورة ملحّة أكثر من أي فترة سابقة. والذي جعلها ملحة حقيقة هي العولمة. التي تطلبت تحديث التشريعات والنظم والقوانين وتفعيل منظمات المجتمع المدني وتمكين المرأة من المشاركة والتأثير. هذه وغيرها من الأولويات التنموية قضايا أشارت إليها تقارير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة. والتي يصدرها باحثون عرب جدّيّون بنزاهة وموضوعية، وكلها تشير إلى النواقص التنموية التي ما زالت تشكل تحدّيات أمام الإنسان والمجتمع. فمثلاً لو ظلّت هذه التحدّيات مقتصرة على مجتمعاتنا لأصبحت محلية ضيّقة ولا تهم العالم، ولكن مع حركة العالم اليوم نحو ذاته الواحدة، وهمومه المشتركة، وطموحاته الموحدة، لم تعد المشكلات أو التحديات مخاطر داخلية فحسب، وإنما هي مشكلات وتحديات عالمية أيضاً. مثلاً ما تشير إليه التقارير الأخيرة حول بطالة الشباب العرب، وعدد الراغبين في الهجرة من الشباب العرب، وحجم الخائفين العرب كلها معدلات مذهلة حقاً، وعدد النساء في البرلمانات العربية يمثل حالة غير مريحة بسبب تدنيه, وما تشير إليه التقارير حول عدد الدولارات وحجم الإنفاق في اليوم الذي يقل عن 2,5 دولار للفرد هو رقم مرعب. وهناك أزمة المناهج التعليمية التي يتلقاها الإنسان العربي. بالإضافة إلى تدني نوعية الحياة للإنسان العربي وليس الحياة في حدّ ذاتها. كل ذلك يدق ناقوس الخطر خارجياً، ربّما أكثر من الداخلي، إذ يؤدي ذلك إلى احتقان داخلي وهو مولّد للتطرف مع تنامي الإحساس بالحرمان والقهر اللذين يُنذران بالخطر. لذلك أطلقت دول الثماني مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي أتى في سياقات وظروف جعلت العالم العربي يتلقاه بكثير من التردد والشك، كأنه "كلمة حق أُريد بها باطل" وهذا التبني الخارجي للإصلاحات ودعوى التحديث جعلها تبدو غريبة ومريبة وبالتالي السكوت عنها داخليا مبرر. أنا يهمني أن هناك تحديات لا يمكن تجاوزها وتحدّث عنها علماء الاجتماع بدرجات متفاوتة، وكلها تستدعي المعاينة والإصلاح والتحديث. وهنا يندرج الحديث عن مؤتمر الإسكندرية وإعلان الدوحة وغيرهما من المبادرات كخطوة إيجابية متحركة نحو التأثير.

الثقافة المجتمعية

* ما أبرز المعيقات لإحلال التنمية في مجتمع الخليج العربي؟  

-تعد الثقافة المجتمعية السائدة أهم عوائق التنمية البشرية في الخليج وعربياً، هناك اعتقاد بأن الثقافة شيء مقدس وساكن ولا يتطور. وكأنها تكونت مرة واحدة وإلى الأبد، بينما الثقافة دينامية متحركة، فليست ثقافة تلك التي لا تجيب عن أسئلة العصر، ولا تساعد إنسانها في مواجهة مآزق الحياة المعاصرة، سواء في نظرتها إلى الذات وإلى الآخر وإلى الكون والعالم الخارجي.هناك أمر راسخ في ثقافتنا العربية، هو مفهوم "الآخر" العدائي وهذا الآخر، هو الآخر التاريخي، الغرب الذي ترسّخ بالثقافة العربية باعتباره الضد الملعون، الغرب الغريب أو الأجنبي المريب، ودائماً كانت العلاقة غير مريحة مع هذا الآخر، علاقة تشارطية ضدّيّة يسودها الاعتقاد أن تقدمه لا يتم إلا على حساب الذات، وكأنما الزمان والمكان لا يتسعان للاثنين معاً في اتصال وتواصل وحوار وتفاعل. اليوم لا بد أن تتجدد الثقافة العربية وتتعولم لاستيعاب هذه الحقيقة على أسس جديدة فالعداء التاريخي انتهى، ولا يوجد مجال إلا للحوار والاتصال وليس بنفي الآخر. الذي لم يعد ممكناً، كما لم يعد مقبولاً الحديث عن "مركزية عربية" مقابلة "للمركزية الغربية" القديمة وكأننا نحن العالم. لا بدّ أن ندرك تماماً أننا لسنا العالم، بل لم نكن يوماً، بل نحن جزء من العالم، وفي العالم. ولا يمكن التحرك التنموي أو النهضوي إلا بشراكة مع هذا العالم واتصال معه وليس انفصالاً عنه.

* مثل هذه الدعوة تواجه دعاة الانغلاق والتشدد، كما انه يؤخذ على دعاة الانفتاح والحرية الارتباط الوثيق بالغرب، كيف يمكن حل المعضلة المتشكلة في مشهد الانبهار في الغرب من قبل التيار الليبرالي وبين الدعوة إلى رفض هذا الغرب من قبل دعاة التشدد؟

-هذا الأمر يربك إشكالية التغيير المجتمعي، ومشكلة الليبراليين أنهم ارتبطوا بالغرب طواعية أو قسراً ولم يرتبطوا بالجماهير العربية الرافضة للتغيير من منطلقات يرونها "دينية". وفي العمق يمكن النظر إلى الدين الإسلامي باعتباره دينا عالميا، فالله سبحانه وتعالى يخبرنا أنه خلق البشر أمما وشعوبا شتى للتعارف والتآلف، والاختلاف الموجود ظاهرة صحية يمكن أن تقود إلى الائتلاف. فلم يعد التجانس نعمة وإنما ربما هو نقمة. فالتعددية هي النعمة، بمعنى تعدد الثقافات والاثنيات، والأجناس، واللغات والأعراق، لأنها تثري باختلافها وتكاملها المجتمع والثقافة الكلية فيه. والدين الإسلامي أيضاً يرفع من شأن الإنسان وهو سيد الأشياء جميعاً ومركزها. وهو القصة التنموية كاملة فهو صانع التنمية وغايتها في آن واحد. كما أن الإسلام يُعلي من شأن العقل دائماً ويحتكم إليه، وأحب أن أقول بأن الإسلام شيء وتفسيرات الدين شيء آخر، فإذا كان هناك اليوم تسييس للقضايا الدينية أو تغييب للعقل الديني فذلك من صنع المجتمع وليس من الدين. وما نراه من تفسيرات حالية لبعض النصوص الدينية هي تفسيرات دنيوية، يمكن أن تعكس بعض التعصب غير المبرر أو بعض المصالح غير العامة. ومن هنا أقول إذا كان هناك انغلاق عن العالم فسببه ثقافي اجتماعي وليس دينيا.

* تثير قضايا العولمة وما يصاحبها من تغيرات مجتمعية السؤال عن العولمة هل هي نقمة أم فضيلة يمكن أن تغير المجتمعات نحو الأفضل، فما هو رأيكم؟

-أود أن أقول الآتي: العولمة حقيقة واقعة اليوم, كما أنها بدلائل شتى, حقيقة كبرى من حقائق العالم غدا, ومن حقائق العولمة اليوم ارتباطها بأميركا العالمية المتفردة, مطابقة أو مفارقة، ولذلك كثيرا ما يتخذ إزاءها السياسيون والاقتصاديون, الإعلاميون والمثقفون الباحثون والناس العاديون على السواء مواقف أيدلوجية متطرفة مع أو ضد أو نجد ميولا توفيقية بين السلبيات والايجابيات.

العولمة ظاهرة جديدة تماما بمفاهيمها, ومهماتها ومؤسساتها وآلياتها ورموزها المجسدة أعداءها القدامى وفرسانها الجدد, لها متطلباتها وخطوط عملها .. الخ، وهي بهذا تختلف تماما عن صور عولمات العالم القديم وأشكال مركزيات العالم الحديث وهي قوة هائلة التأثير تحول العالم بأشكال ومضامين ومسارات جديدة كليا.

وبرصد وقائع العولمة الممارسة نلاحظ أنها تباشر عملها بسلسلة متماسكة من الاختراقات والتجاوزات والاختزالات لأوجه الحياة المختلفة, مصممة على تنظيم فوضى العالم وبلورته كنظام اجتماعي ثقافي كوني واحد جديد, وتظهره بوضوح ككيان عالمي واحد من المكونات والبنى الجديدة .

التعليق