امسية فنية تراثية لفرقة "الحنونة" تمتزج فيها لحظات الحزن مع آفاق الفرح

تم نشره في الثلاثاء 16 أيار / مايو 2006. 10:00 صباحاً
  • امسية فنية تراثية لفرقة "الحنونة" تمتزج فيها لحظات الحزن مع آفاق الفرح

اقيمت عشية ذكرى احتلال فلسطين

 

محمد جميل خضر

   عمّان- "واجب علينا واجب/ نحمي بلدنا واجب/ يافا والقدس واجب/ وبعين الشمس واجب/ ويا فلسطين واجب/ احلى حورية واجب" عند هذا المنعطف الغنائي وصلت امسية فرقة "الحنونة للثقافة الشعبية" اول من امس في فندق "الهوليدي إن" ذروتها التعبيرية التفاعلية.

واشتملت الامسية التي احيتها الفرقة عشية ذكرى اغتصاب فلسطين على عرض مشاهد فيلمية لمراحل من تاريخ الشتات الفلسطيني, بدءاً من نكبة العام 1948 ,مروراً بنكسة او "وكسة حزيران 1967 ,الى لحظة الخروج من بيروت في العام 1982 , وما تبع هذا الخروج الدراماتيكي من مجازر بشعة بحق شعب مشرد, كان ابشعها مجزرة صبرا وشاتيلا.

   وببعض ارباكات تسلسلية تقنية عرضت مشاهد لانتفاضتي الشعب الفلسطيني في الداخل, انتفاضة 1987 وانتفاضة الاقصى في العام ,2000 ومرت المشاهد على ذكريات وطقوس وعادات ولحظات لا تنس.

وكرمت "الحنونة" في الامسية التي تابعها زهاء 700 شخص رموزاً وطنية لعبت دوراً في مسيرة النضال الوطني والقومي بعضها مضى وآخرون ما يزالون يحملون الشعلة: يحيى حمودة, جورج حبش, د. يعقوب زيادين, بهجت ابو غربية, نجيب الرشدان, عصام عبد الهادي, صبحي التميمي, حاكم الفايز, ضافي الجمعاني, د. عايدة الدباس, د. صبحي غوشة, احمد خليل الشيخ (ابو هشام الجلماوي) والست العتلة (الست مصطفى حسن العتلة).

   فيما كرمت الفرقة الى ذلك وقبل انطلاق الجزء الفني من الحفل عدداً من داعمي الفرقة التي تأسست في العام 1990 كتجربة ولدت رسمياً وسجلت لدى وزارة الثقافة كأول جمعية ثقافية شعبية في الاردن بتاريخ الرابع من كانون الاول (ديسمبر) من العام 1993.

ومع "اذا الشعب يوماً اراد الحياة/ فلا بد ان يستجيب القدر/ ولا بد لليل ان ينجلي/ ولا بد للظلم ان يندثر" للشاعر التونسي ابو القاسم الشابي انطلقت خناجر شباب الفرقة وشاباتها في مجايلة بين اربعة اجيال تناوبوا حراسة الحلم وتكريس حالة فنية غير مسبوقة في انتصارها للذاكرة, وامتدادها في الزمان العربي عبر مشروعية النظر الى ايام العز واستلهام المعنى من الاسطورة والتراث ومن سبقوا في غرس الخير والاحتفاء بالخصب, وانتشارها في المكان الشامي قبل خضوعه لتقسيمات سايكس بيكو خصوصاً, والعربي من مشرقه الى مغربه على وجه العموم.

   وفي تمثل لطقوس الحصاد ومواسمه قدمت الفرقة ما بين عازفين ومنشدين ومنشدات وراقصين وراقصات من اجيال مختلفة "منجلي يا مين جلاه/ راح للصايغ جلاه/ ما جلاه الا بعلبة/ ريت هالعلبة عزاه" وقدموا بوجود اطفال الجيل الخامس للفرقة التي حققت عبر مسيرتها على مدى 16 عاماً مشهد الكتاتيب.

وشهدت فقرات الحفل تناوباً بين الفقرات الحركية الايقاعية الراقصة وبين الاغنيات الحزينة والمعبأة بالشجن والوجع وآلام الرحيل والتشرد والفراق, في جدلية ومتوالية تعكس الحالة الفلسطينية بدقة سامية ونبيلة, عندما يمتزج الحزن مع الفرح اعلان عن انتصار الحياة دائماً, وتجددها عبر اقل موجات الفرح والبهجة, وهذا ما جعل فقرات الحفل واغنياته ورقصاته ودبكاته بين صعود وهبوط, فبعد "ميل على الجيشي يا غبيتي" يطلع موال حزين "لما اجا الميعاد/ رف الحمام عالدار" من ثم (مهاهاة) امرأة تحمل بين احضانها رضيعها, كما لو انها تتحدى كل الهزائم والخسارات بما يشكله الوليد من امل ومستقبل وافراح مقبلة, وهدهدت النساء الطفل "نام يا حبيبي نام/ اذبحلك طير الحمام/ خدك يا تفاح الشام".

   وفي حنين شجي لالتقاء الغياب, مول المغنون "بكرة الغايب رح يعود/ وبيرجع مع طلة النهار" كان وعداً طالعاً من الايمان بطاقة الشعب وقدرته على البقاء والصمود وخلق تاريخه الحقيقي على ارضه وبين ثنايا حلمه, من دون النظر الى طول السفر وتواصل المشقة.

ومن قلب هذه الرؤية كان مشهد (طهور الصبي) الذي ترافق مع مشاهد فلمية حقيقية لحالة طهور حدثت في الزمن القديم (ايام البلاد).

ومع تصاعد اللحن ظهرت على الشاشة الخلفية صورة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في اشارة لما ارتبط بظهوره في الشارع العربي من حماس ولما عقدت عليه من آمال, في زمن تميز بشعارات الثورة والقومية والاحلام.

   ولم يتوقف مغنو الفرقة ومرددوها طوال الحفل مشكلين بقيادة صاحب الصوت المؤثر محمد خميس (محمد حدو) خلفية سمعية غنائية متصاحبة مع كمان حسن الميناوي وغيتار عمر عباد ونايات نور ابو حلتم وباقي اعضاء الفرقة الموسيقية "الدنيا مسا الله يمسيكم بالخير" و"وين عا رام الله/ وين عا رام الله/ تاركني ورايح وين عا رام الله/ وما تخاف من الله/ سليت قليبي ما تخاف من الله" واتبعوها بـ"يا زريف الطول وقف تأقولك/ رايح عالغربة/ بلادك احسنلك), "آه يا حمام الدار", لتشكل الامسية التي شهدت مزاداً على ثوب فلسطيني بهدف دعم الفرقة ومشاريعها استرجاعاً حقيقياً لمعظم الوان التراث وانواع الدبكة شمالية الى واحدة ونصف الى مربعية وغير ذلك وغنوا "انتو يا نشامى منين/ احنا شباب العرب/ والنعم والنعمتين".

   وقدموا "زفة العريس" بمختلف تفاصيلها واهازيجها "تلولحي يا دالية/ وعالهيلمان الهيلمان/ ويا خدوده تفاح الشام/ وازرع واقلع باذنجان/ ودرج يا غزالة/ يا رزقي الحلالي".

ولمشعل الحاضر دائماً غنو "عالاوف مشعل/ اوف مشعلاني" واخرى "عاليوم شمل اليوم شمالوني/ مع السلامة يا اللي فارقتوني".

ومع مشاهد الخروج من بيروت وما تلا ذلك من مجازر غنوا "صبرنا صبر الخشب تحت المناشيري/ ويش صبرك يا خشب غير التقاديري". ومن مدخل ناي للميناوي قدم حدو وصلة ميجنا وعتاب "القدس النا والبلاد بلادنا", واتبعوها بـ"يا حلالي يا مالي".

   ومن قديمهم غنت الفرقة صاحبة الانجازات المهمة: "سيرة سالم", "زمن النعمان", "غزالة المرج", "ايام زمان", "تحيا الحياة" اغنيات تتقاطع في مرجعياتها مع التراث الشامي على اختلاف اقانيمه: "هاي دار العز واحنا رجالها" و"خيلنا تدوس المنايا خيلنا". كعادتهم في ختام كل امسية من امسياتهم انشدوا "موطني" التي شاركهم فيها الجمهور وقوفاً "هل اراك/ هل اراك؟ سالماً منعماً وغانماً مكرماً/ يا هناك في علاك تبلغ السماك/ تبلغ السماك/ موطني/ موطني".

   كانت امسية الحنونة عشية ذكرى النكبة, ومع تربع "مطرزة فلسطين" معظم جدران قاعة الاحتفال مناسبة للذكرى, ودعوة لان "لا ننسى" لان ارادة الحياة اقوى من تحالفات الموت, كتب القائمون على "الحنونة" على ورقة وزعوها على الحضور "ادرنا الزمان على دولابنا/ ونحن كما المشيئة صلباننا/ وكل القوادم ضلع الذواهب/ ما غيرت ايامهم معيارنا/ نعود/ نعود/ ويذهب الطارئون/ كما هي العادة/ يا فلسطيننا".

وكان لفتة طيبة من عريف الحفل د. موسى صالح عندما اشار الى جهد المهندس سعادة صالح الجوهري في تحديد المعالم الفنية الجمالية للفرق وتزويدها المتواصل بالنصوص, والاشراف الدؤوب على اعمالها وبرامجها.

تصوير: اسامة الرفاعي

التعليق