التوحد ليس مرضا عقليا بل اضطراب عصبي يؤثر على وظائف الدماغ

تم نشره في الجمعة 12 أيار / مايو 2006. 10:00 صباحاً
  • التوحد ليس مرضا عقليا بل اضطراب عصبي يؤثر على وظائف الدماغ

  عمّان-الغد- "لم أكن أتوقع أن تتغير حياتي بهذه الطريقة، فعندما أنجبت طفلي الأول، عماد، لاحظت أن نموه كان مختلفا عن باقي الأطفال في عمره، فقد تأخر نطقه ولم يكن يحب اللعب مع الآخرين ولا التعبير عن مشاعره".

"وعندما شعرت أن الأمر يزداد سوءا قررت لفت انتباه طبيبه لكي يفحصه بشكل أدق، عندها أبغلني بالخبر المحزن, طفلي مصاب بالتوحد".

  أم عماد كغيرها من الأمهات لم تكن تعلم شيئا عن هذا المرض أو أعراضه أو علاماته، وكانت تعتقد أنها لن تتمكن من إحراز تقدم مع طفلها، ولكن بعد تعرفها أكثر على هذا المرض علمت أن هناك أمل.

على عكس المعتقد السائد فإن التوحد ليس مرضا عقليا، بل التوحد عبارة عن اضطراب عصبي عقلي معقد يؤثر على وظائف الدماغ الطبيعية التي تسبب سلسلة من مشاكل النمو العديدة، ويكون أكثرها وضوحا في التواصل، والتفاعل الاجتماعي والسلوك.

   ويعتبر مرض التوحد واحدا من الاضطرابات الخمسة المعروفة باضطرابات التوحد أو اضطرابات مشوهة النمو، وهو أكثر هذه الاضطرابات شيوعا، أما الأمراض الأربعة الأخرى فهي اضطراب اسبرجر، واضطراب المفكك للقدرات العقلية في الطفولة، واضطراب رتس، والاضطرابات المشوهة للنمو غير المحددة.

   يظهر مرض التوحد عادة خلال السنوات الثلاث الأولى من حياة الفرد، ويستمر لباقي حياته، وهو عبارة عن سلسلة اضطرابات، ونعني بها أنه على الرغم من تحديده بمجموعة معينة من السلوكيات أو الأعراض إلا أنه يؤثر على كل فرد بطريقة مختلفة وبدرجة متفاوتة، أي أن أعراضه تختلف من شخص لآخر، فقد يكون لطفلين نفس التشخيص ولكن يتمتعان بسلوكيات ومهارات مختلفة تماما عن بعضهما البعض.

   قد تتساءلون: يا ترى ما سبب إصابة طفل صغير بمرض التوحد؟ هل حدث ذلك بسبب تعرض الأم لشيء ما أثناء الحمل؟ أم تعرض الطفل لحادث ما؟ هل هو مرض وراثي؟

إليكم الإجابة عن كل هذه الأسئلة؛ للأسف لا يوجد سبب محدد للإصابة بمرض التوحد، ولكن في معظم الحالات يبدو سبب وجود هذا الاضطراب حدوث شواذ متعددة في منطقة الدماغ، إذ تظهر الوحدات العصبية في هذه المناطق أصغر من الطبيعي، وتعيق الاتصال بمناطق أخرى من الدماغ، ولكن لا يعلم الباحثون السبب وراء حدوث ذلك.

قد يكون السبب وراء هذه الشواذ عددا من العوامل الوراثية، ومع ذلك يظهر مرض التوحد أكثر عند الأطفال الذين يعانون من أمراض أخرى بما فيها متلازمة إكس (X syndrome)، والتصلب المعجر (tuberous sclerosis)، وخلل أيضي وراثي غير معالج، ومتلازمة الحصبة الألمانية الخلقية..، ومع ذلك ما يزال العلماء والباحثون يحققون في عدد من النظريات حول سبب الإصابة بمرض التوحد.

   وقد أبدت بعض التقارير الحديثة قلقها بشأن وجود علاقة بين مرض التوحد واللقاحات، حيث أشارت هذه التقارير إلى لقاح إم إم أر (MMR) وهو لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، بالإضافة إلى اللقاحات التي تحتوي على الثيميروسال (وهي مادة لحفظ الأدوية تحتوي على كمية صغيرة جدا من الزئبق).

ومع كل ذلك، فقد وجدت الدراسات المكثفة التي أجرتها الجمعية الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، ومعهد الطب، ومركز مكافحة الأمراض والوقاية منها أنه لا يوجد دليل علمي قاطع يربط بين هذه اللقاحات ومرض التوحد.

   ومن أجل تشخيص حالة طفلك لمعرفة إذا كان مصابا بمرض التوحد أم لا، سيقوم الطبيب بالبحث عن علامات تأخر في نموه خلال الزيارات المنتظمة التي تقومين بها له، فإذا أظهر طفلك أي علامة من علامات التوحد فقد يحيلك الطبيب إلى طبيب مختص في معالجة الأطفال الذين يعانون من مرض التوحد، ويقوم هذا الطبيب المختص بالعمل مع فريق من الأطباء المختصين بإجراء تقييم أساسي لهذا الاضطراب.

ولأن مرض التوحد يختلف بشكل كبير من حيث خطورته وعلاماته، لذا فعملية تشخيصه صعبة إلى حد ما، ولا يوجد للأسف فحص طبي لتأكيد وجود المرض، وكل ما يفعله الطبيب هو إجراء تقييم أساسي وهو عبارة عن مراقبة طفلك والاستفسار حول مهارات طفلك الاجتماعية واللغوية والسلوكية وطريقة تطورها مع الوقت.

ومن أجل الوصول إلى تشخيص صحيح، قد يجري للطفل مجموعة من الفحوصات تختبر نموه وتشمل مهاراته في التحدث، واللغة، والأمور النفسية.

   وعلى الرغم من ظهور علامات وأعراض التوحد بعد 18 شهرا (أي سنة و6 أشهر)، فلا يجري التشخيص عادة إلا بعد بلوغ الطفل العامين أو الثلاثة، حيث يكون التأخر في النطق واضحا أكثر، ويفضل تشخيص الطفل مبكرا، لأن التدخل المبكر( أي قبل بلوغ الطفل عامين ونصف أو ثلاثة) يساعد على تحسن الطفل وحدوث تغيير واضح فيه.

ولا بد أنكم ترغبون الآن في معرفة أعراض هذا المرض الغريب، كما ذكرنا سابقا فسيظهر على الأشخاص المصابين بمرض التوحد مجموعة كبيرة من السلوكيات المختلفة تتفاوت حدتها من شخص لآخر، ومع ذلك فهنالك أعراض وعلامات مشتركة تصاحب المريض المصاب بهذا الاضطراب "التوحد"، وما يلي بعض هذه الأعراض:

اللغة: يبدأ الأطفال المصابون بالتوحد بالتحدث متأخرين عن السن الذي يفترض أن يتحدث به الأطفال الطبيعيون، وقد لا يتمكنون من البدء أو المبادرة بإجراء أو المشاركة في حديث بين شخصين.

كما أنهم يجدون صعوبة في التعبير عن احتياجاتهم ويستبدلون ذلك بمجرد الإشارة على الشيء الذي هم بحاجة له بدلا من نطق اسمه، أما الأطفال الذين يستخدمون اللغة اللفظية للتواصل مع الآخرين فيستخدمون عادة جملا غير كاملة مثل القول: "حليب" بدلا من القول: "أريد حليبا".

كما يقوم الأطفال المصابين بالتوحد بتكرار لفظ الكلمات أو العبارات بدلا من إعادة قولها في جملة كاملة كما يجب، فعلى سبيل المثال قد يعيد الطفل المصاب بالتوحد الجملة "انظر إلى العصفور" بـ "إلى العصفور"، إذ في هذه الحالة يعيد الطفل الكلمات أو العبارات التي تقال له دون أي علم بما قيل له.

كما يعاني أطفال التوحد في نطقهم من خلوه من أي عواطف طبيعية، لذا فعندما ينطقون يخرج كلامهم دون أي تعبير ويكون صوتهم رتيبا أو له نغمة شاذة وكأنهم يغنون أغنية.

المهارات الاجتماعية: يفشل الأشخاص المصابون بالتوحد في التفاعل مع الآخرين وإقامة علاقات شخصية طبيعية، ويبدو وكأنهم يعيشون في عالمهم الخاص، وأحيانا لا يستجيبون عندما ينادون بأسمائهم ويبدون وكأنما أصابهم الصمم، ولا ينظرون في عيني المتحدث مباشرة، ويقاومون المعانقة أو مسك اليد، ما يضع عبئا كبيرا على الأم وتوتر العلاقة بينه وبين أمه.

ولا نعني بذلك أن جميع الأطفال المصابين بالتوحد غير قادرين على إظهار عاطفتهم، بل الحقيقة أن معظمهم يظهرونها ولكن قد يتطلب ذلك وقتا طويلا، لذا على الأم الصبر والموافقة على الشروط التي يشترطها الطفل لإظهار حبه لها، كما يلاحظ على الأطفال المصابين بالتوحد حبهم للعب وحدهم، مع إبداء اهتمام ضئيل أو معدوم للقيام بالأنشطة واللعب بالألعاب المناسبة لأعمارهم.

السلوك: يضحك الأطفال المصابون بالتوحد أو يبكون أحيانا دون سبب على الإطلاق، ويقومون بحركات متكررة مثل الاهتزاز، والصك على الأسنان، واللعب بالشعر أو الأصابع، والمشي على أطراف الأصابع.

وكثيرا ما يكون للأطفال الذين يعانون من هذا الاضطراب هاجس التعلق بالأشياء التي تدور بالتحديد، والارتباط  بالأعمال الروتينية المعتادة. وأي تغيير طفيف في الروتين أو تحريك شيء ما من مكانه قد يؤدي إلى إثارة الطفل للبدء بنوبة غضب.

وقد يكون الأطفال المصابون بالتوحد شديدي النشاط أو شديدي الهدوء، ومن الممكن أن يكونوا شديدي الحساسية أو متبلدي الإحساس تجاه الألم، هذا كما يمكن أن يكونوا شديدي الحساسية للمؤثرات الخارجية مثل الضوء أو الصوت أو اللمس، بشكل يجعلهم لا يتحملون على الإطلاق الأصوات العالية، والحشود، والسير على الأرض حفاة، أو اللعب بالصلصال..، وفي بعض الحالات قد تظهر على الطفل المصاب بالتوحد سلوكيات عدائية شديدة و/أو سلوكيات مؤذية للنفس مثل خدش الجلد إلى أن ينزل الدماء أو ضرب الرأس على الحائط.

للأسف لا يوجد علاج محدد أو نموذجي لمرض التوحد، إلا أن البرامج التعليمية المخصصة حسب حاجات الفرد والتي تعتمد على مستوى نموه أو أدائه قد تكون مفيدة للغاية وتقلل من حدة الأعراض.

ومن الجدير ذكره أنه من الممكن أن يعيش الأطفال الذين تكون أعراضهم معتدلة حياة طبيعية أو قريبة من الحياة العادية، والتعلم بسرعة والتمتع بنسبة ذكاء تتراوح بين الطبيعية والعالية.

والأمر الوحيد الذي قد يجدون صعوبة فيه هو التواصل مع الآخرين والتكيف مع المواقف الاجتماعية، والتي يمكن تداركها من خلال الطب النفسي، وقد يعاني الآخرون من حالة شديدة من المرض مع وجود حالة من التخلف العقلي مما يتطلب عناية طول الحياة.

   من الممكن أن يساعدك طبيبك على تحديد طرق لتقديم العلاج لطفلك على قدر الإمكان ومن هذه الخيارات:

•معالجة السلوكيات ومهارات التواصل: لقد طورت العديد من البرامج التي تتعامل مع مجموعة من الصعوبات الاجتماعية واللغوية والسلوكية المصاحبة لمرض التوحد، وتركز بعض هذه البرامج على تقليل المشاكل السلوكية وتعليم المهارات التعليمية الجديدة، وهناك برامج أخرى تعلم الطفل كيفية التصرف في المواقف الاجتماعية أو كيفية التواصل مع الآخرين بشكل أفضل.

•العلاج بالأدوية: قد تحسن بعض الأدوية سلوكيات معينة مثل النشاط المفرط، ولكن ولغاية اليوم لا توجد أدوية تعمل على تحسين العلامات والأعراض الأساسية في مرض التوحد، وعادة لا يعطيك الطبيب دواء لطفلك إلا إذا كان سلوك طفلك يشكل خطرا عليه أو يعيق عملية قدرته على المشاركة في البرامج التعليمية.

•الأساليب التكميلية: يختار بعض الآباء استكمال التعليم والعلاج الطبي بالعلاج النفسي من خلال التحاق الطفل بجلسات أو حصص خاصة يعالج فيها بالفن أو الموسيقى أو الحمية أو تناول الفيتامينات مثلا، والتي تركز على تخفيض حساسية الطفل المفرطة للمس والصوت.

   يتمكن العديد من الأطفال المصابين بالتوحد من خلال العلاج المذكور آنفا إلى تطوير لغة جيدة، أما هؤلاء الذين لا يتمكنون من تطوير لغتهم فبإمكانهم تطوير أنواع أخرى من المهارات للتواصل مع الآخرين مثل لغة الإشارة أو استخدام الصو.

من الضروري أن يتم تشخيص الطفل المصاب بمرض التوحد في المراحل المبكرة من طفولته لأن الطفل الذي يحصل على معالجة السلوكيات ومهارات التواصل المتخصصة بإمكانه التعلم والتعامل مع هذا الاضطراب ويظهر تحسنا كبيرا.

التعليق