السعافين:الأجيال النقدية الشابة اعتنت بصور البناء وأغفلت طبيعة الرسالة الإبداعية

تم نشره في الخميس 11 أيار / مايو 2006. 10:00 صباحاً
  • السعافين:الأجيال النقدية الشابة اعتنت بصور البناء وأغفلت طبيعة الرسالة الإبداعية

ناقد أردني صدرت له أخيرا مجموعة شعرية بعنوان " أفق الخيول "

حاورته: عزيزة علي

 عمان- يعد د. إبراهيم السعافين واحدا من رواد النقد الأدبي في الأردن حيث اصدر جملة من الكتب النقدية منها " احسان عباس ناقد بلا ضفاف" و" تحولات السرد" الذي انطلق فيه من مقدمات نظرية تناولت قضية الشكل في الرواية العربية وابتعدت عن المسلمات من خلال الرصد التطبيقي للتحولات المهمة في السرد العربي في العصر الحديث اضافة الى العديد من  من المؤلفات الأدبية والنقدية التي تناول الأدب الأردني والعربي  . وإلى جانب النقد يكتب السعافين الشعر أيضا  حيث  نشر أول قصائده الشعرية في مجلة "الشعر" القاهرية في العام 1965.غير ان مايميزه في مجال النقد يتمثل في رؤية معرفية تشتبك  مع النص وترى ان الحركة النقدية العربية تسعى للقيام بدورها ولكن غياب الجوهري في الأغلب والإغراق في التصنيفات والتعميمات والحذلقات يقف عائقاً أمامها.في هذا الحوار يتحدث د.ابراهيم سعافين عن تجربته النقدية والشعرية اضافة الى اطلالته على المشهد الابداعي الاردني والعربي وتطورات العملية النقدية في العصر الحديث .

صدر لك اخيرا ديوان شعر، ماذا تقول عن هذه التجربة؟

نشر الشعر لم يكن جديداً، فقد بدأت تجربتي في النشر منذ العام 1963، وكانت تجربة النشر المهمة في العام1965 حين نشرت لي مجلة الشعر القاهرية التي كان يرأس تحريرها الناقد  عبد القادر القط ويشارك في تحريرها  أعلام الشعر في العالم العربي  قصيدة  " البرتقالة الحزينة " وشاركت في مهرجانات وندوات مع  شعراء مصر آنذاك، وقدمني أعلام  مثل صلاح عبد الصبور وعز الدين إسماعيل وعلق على ما قرأت أو كتبت شكري عياد وعبد القادر القط وعبد المحسن بدر ويوسف خليف، وعليه لم يكن شعري حبيس الأدراج كما يظن بعض الذين فاجأهم هذا الديوان.   فانا لم أتوقف عن النشر، وإن بدوت زاهداً في الظهور وشغلتني الدراسات العليا ثم الدراسات النقدية والأدبية عن الانقطاع ، ولكنني ظللت أكتب بلا انقطاع، وشاركت في لقاءات كثيرة قبل أن أنقطع نهائياً عن المشاركة في الندوات والمهرجانات، ولم يمنع هذا الموقف من النشر في بعض الأحيان بين الحين والآخر على فترات متراخية، وقد نشرت لي قصيدة في مختارات الشعر في الأردن الصادرة عن دار البيرق في العام 1983 ونشرت لي قصيدة في مختارات الشعر في الأردن في العام  1992 الصادرة بالاشتراك بين رابطة الكتاب الأردنيين ووزارة الثقافة. وضم معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين في العام  1995 ترجمة لي ومختارات من شعري. إذن لم يكن وجودي في الساحة الشعرية مفاجئاً بالمعنى الذي قد يتبادر لبعض الناس. وأما فيما يتصل بالديوان نفسه فهو قصائد من عقود متعاقبة يمتد من الستينات حتى الآن، وقد قصدت أن يمثل مراحل مختلفة، في تطور التجربة الشعرية، فقصائد الستينات التي تختلف بدورها عن قصائد السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات والألفية الجديدة، فقصيدة "البرتقالة الحزينة" تختلف عن "أيار وملاح جديد" وهما من الستينيات وهما بدورهما يختلفان عن قصيدة "رحلة في الزمن"، ولا شك أنهما يختلفان عن "ملحمة كنعان" أو "النخلة" أو "لمن تغني أيها الطائر" في الثمانينات، والذي يتأمل بعض قصائد التسعينيات من مثل "أحلام البنفسج" و"أفق الخيول" و"أغنيتان وانطلاقة في الحديد" وغيرها يدرك الفرق الواضح، وليس سراً أن الديوان يضم قصائد من الألفية الجديدة، وسيضم الديوان الجديد قصائد انتهيت من كتابتها هذا العام الذي عدت فيه للقبول بالمشاركة في اللقاءات الشعرية، ولعلي لا أذيع سراً إذا قلت بأن ست عشرة قصيدة من أصل ست وأربعين قصيدة ضمها الديوان هي من شعر التسعينيات والألفية الجديدة وليس قصيدة أو قصيدتين كما ذهب إلى ذلك بعض من تناولوا الديوان بالتعريف أو المراجعة أو الدراسة. ومن الطبيعي أن يختلف تقييم هؤلاء للديوان، فمنهم من احتفى به كثيراً ومنهم من بدأ يقدم أحكاماً معيارية ويشير إلى تأثره بشعراء أو تيار ولكنهم في رأيي لم يقرأوا الديوان جيداً وانزلق بعضهم إلى أحكام ذاتية، وأذكر تعليقاً للصديق القاص والروائي يوسف يوسف في بغداد العام 1988 حين كنا نتسامر بقراءة الشعر في ليالي المربد الشعرية أشار فيه إلى أن قصائدي ليست متشابهة كل واحدة تمثل تجربة خاصة، وأذكر رأياً منحازاً لشعري حين قرأت على الصديق محمد شاهين "أفق الخيول". وأما الجدة في شعري فيحتاج الدارس إلى تأمل معقول ليكتشف أنني لا أساير ولا أتبع نمطاً أو شخصاً ولست معنياً بذلك لأنني أمتلك لغتي التي هي لغة العربية من الجاهلية حتى الآن وأمتلك رؤيتي التي تبدو في قصائد ما قبل الخامس من حزيران. وبعض الذين لفتتهم المفارقة في المقطع الأول من" انطلاقة في الحديد" لم يتنبهوا على أن القصيدة كلها قائمة على المفارقة. وأما لغة الانحراف التي تظلل القصيدة من ألفها إلى يائها فأنا لا أقرها، فالقصيدة الجيدة متوالية من الإضاءات والوثبات المتراوحة وليست إنهاكاً للطاقة الإيحائية للغة. لكن المهم بالنسبة لي أن يكون القارئ موضوعياً في قراءته بغض الطرف عن نتيجة التقييم النهائي للنص.

أنت مطل على المشهد الأدبي والإبداعي في الإمارات، كيف تنظر الى هذا المشهد وماذا تقول فيه ؟

ليس من شك في أن الأدب في الخليج يشارك منذ عقود مشاركة فعالة في المشهد الأدبي والإبداعي بصورة عامة، فالشعراء في منطقة الخليج أصبح لديهم حضور راسخ في المشهد الشعري، وهو حضور قديم. فللتجربة الشعرية العمانية حضورها عبر قرون متطاولة، وتطورت هذه التجربة على الرغم من محافظتها الشديدة إلى صورة قصيدة النثر التي يمثلها في عُمان باقتدار "سيف الرحبي". وفي المملكة العربية السعودية حركة شعرية متوارثة منذ فترة الإحياء والحركة الرومانتيكية ويبدو في المقدمة هذه الأيام الشاعر "غازي القصيبي" إلى جانب "الحربي" و"الصيخان" و"الثبيتي" وغيرهم، والمشهد الشعري الكويتي متعاقب على مدى أكثر من سبعة عقود من مثل "صقر الشبيب" و"فهد العسكر" إلى "خالد سعود الزيد" و"أحمد العدواني" ثم "خليفة الوقيان" و"محمد الفايز" ثم "نجمة إدريس" وغيرهم من شعراء يجددون في المشهد الشعري، وللبحرين حضورها الواضح منذ "إبراهيم العريض" حتى الشاعر المتألق "قاسم حداد" و"علي الشرقاوي" و"علوي الهاشمي"، وفي الإمارات حركة متتابعة منذ سالم علي العويس" و"صقر القاسمي" و"مانع سعيد العتيبة" حتى كوكبة متألقة من الشعراء في طليعتهم "إبراهيم محمد إبراهيم". ويصدق هذا القول إلى حد ما على الحركة الشعرية في قطر.

وللفنون السردية حضور واضح في الخليج، ولعل اسم الراحل "عبد الرحمن منيف" يضع الحركة الروائية برمتها في الخليج في صدارة المشهد السردي، وبوسعنا أن نذكر بعض الأعلام من مثل "إسماعيل فهد إسماعيل" و"سليمان الشطي" و"ليلى العثمان" من الكويت و"إبراهيم الحميدان" و"غازي القصيبي" و"رجاء عالم" من السعودية و"فوزية رشيد" من البحرين و"علي أبو الريش" من الإمارات.

وتشهد الحركة في دول الخليج حركة مسرحية نشطة تعد الكويت رائدة لها، وتبدو الإمارات في المقدمة هذه الأيام بفضل الدعم الموصول من رائد الحركة الإبداعية الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة الذي قدم للحركة الإبداعية المسرحية والروائية عدداً من النصوص المهمة. إن منطقة الخليج تسعى نحو إبطال مقولة الهامش والمركز في الثقافة العربية هذه الأيام.

 تطورات كثيرة حدثت على صعيد  الحركة النقدية  في العالم, برأك هل ما يزال النقد العربي  يراوح  في مكانه  ام انه يحاول ان يلتحق بالركب؟

لا أستطيع أن أغفل جهود النقاد العرب في معاينة المرحلة الراهنة من الإبداع، إذ بدأ إطلاع النقاد العرب على حركة النقد والإبداع في العالم عن طريق الاتصال باللغات الأخرى أو الترجمة، ويتجلى ذلك في الحصيلة التي تحققها الأجيال النقدية الشابة، بيد أن المتأمل لطبيعة النقد هذه الأيام تنذر باقتفاء أثر الجهود الشكلية التي تعتني بصور البناء وعناصر الشعرية وتغفل طبيعة الرسالة. ولعل الدراسات في نقد السرد تطلعنا على فداحة ما آلت إليه هذه الدراسات من تقسيمات شكلية ننسخها بالمسطرة من نصوص مكتوبة بلغة معينة إلى لغتنا. الاطلاع مهم وضروري على ألا يكون تقليداً أعمى وجرياً وراء كليشيهات ومصطلحات تجعلنا غير قادرين على الإفادة منها في مقاربة نصوصنا أو في المساعدة على كتابة نصوص تنطلق في الأساس من الجوهري والإنساني وتتعامل مع الشكل باعتباره جزءاً من الرؤية وخادماً لها. الحركة النقدية تسعى للقيام بدورها ولكن غياب الجوهري في الأغلب والإغراق في التصنيفات والتعميمات والحذلقات يقف عائقاً دون حركة نقدية لها دور في التوعية والتوجيه والقراءة والتحليل والتقويم.

كيف يمكن ان نقول هذا الأدب مؤثر وهذا غير مؤثر في الحياة الاجتماعية، وكيف يمكن ان نعرف وظيفة الأدب، وهل ما زال المبدع العربي متخم بالمخاوف عندما يشرع في كتابة نصه الإبداعي، ؟

 الأدب له تأثير واضح في وعي المتلقين، على أن الحديث عن وظيفة الأدب شيء وطبيعة الأدب ودوره في الواقع شيء آخر، فنحن نتحدث عن الأدب الذي يؤثر في وجدان الناس ويعبر عن المشكلات الجوهرية، فالأدب في جوهره إشكالي، ولكنه يبتعد أحياناً عن الجوهر ويغوص في لعبة شكلية أو يلجأ إلى خلق صدام مفتعل مع وجدان القارئ، وهذا معطل للدور الحقيقي للأدب. بيد أننا ينبغي أن نقر أن مراقبة النصوص الأدبية دون معرفة جوهرها القائم على المجاز والتأويل، بعيداً عن جوهر الإبداع معطل للفكر والإبداع ومصادر على أهم ركائز الإبداع وهو الحرية. ومهما يكن فثمة خوف مركب: خوف من النصوص الأدبية وخوف من الذين يتربصون بالنصوص مهما يكن موقع المتربص.

التعليق