غزال: العولمة لا تتعارض مع القيم أو الدين

تم نشره في الخميس 4 أيار / مايو 2006. 09:00 صباحاً
  • غزال: العولمة لا تتعارض مع القيم أو الدين

روايته الأولى صدرت في عمان أخيرا تحت عنوان " دولة اسمها الأمل "

   عمان ـ الغد- أصدر طلال غزال روايته الأولى " دولة اسمها الأول"، والتي يبني من خلالها دولة بغية انتصار الانسانية والحق والأمل دائماً وأبداً، الرواية الصادرة عن دار اليازوري للنشر والتوزيع، تأتي بعد كتابي غزال "الحق والخلق والفرق"، و"قصة الخلق من التكوين إلى التكوير". 

   أجواء الرواية سلسة ومسكونة بأجواء تمزج ما بين الواقع والخيال بحيوية، واحداث الرواية تدور حول "جيطان"، وهي بلاد صغيرة المساحة صحراوية جافة، وشعبها متعدد الأعراق والأجناس وشعوبها أربعة شعوب مختلفة في كل شيء من الثقافة إلى الدين إلى اللغة ولم يجمعها الا مظلة واحدة هي مظلة الدولة الجيطانية.

حول هذه الرواية التي كتب الناقد الدكتور محمد عبد الله القواسمة على غلافها الأخير:"يتحقق لطلال غزال النجاح في رفض القيم التى تتبناها القبيلة، لا القبيلة بمعناها العشائري ولكن بمفهومها العولمي الحالي حيث القيمة الأولى للمال وتسخير العلم لقمع الانسان واستعباده ، فشيوخ هذه القبيلة هم الزعماء والحكام وأما بقية الناس فهم العبيد المسخرون لخدمة الطبقة الأولى ، ولن يكون الخلاص الاّ بالعودة إلى الدين التوحيدي السليم " كان هذا الحوار :

   عن العلاقة القائمة ما بين شخصيات روايته "دولة أسمها الأمل" 141 شخصية يقول غزال " ربما المبرر لوجود هذا العدد الكبير من الشخصيات هو ان بناء الدولة احتاج لهذا العدد ، فالمعمار لا يفرض العكس بل العكس هو الصحيح . إجمالاً فإن العدد لا يقيم الرواية بل الانسجام الروائي البنّاء والسلس للشخصيات داخل محيطها يقرر دورها إن كان طبيعياً أو مصطنعاً ".

ويصنف النقد روايته على انها كلاسيكة الاسلوب ، تجربية في مضمونها الفكري، وفي هذا الصدد يؤكد غزال " لا توجد أطر ثابتة للأدب بل وللغة أيضاً ، فما هو أدب حديث اليوم سيتحول إلى أدب كلاسيكي يتربع على عرش الرواية حتى يومنا هذا ، وسيستمر إلى ما شاء الله حتى يأتي ما هو أفضل منه ، فمن شاء كتب شعراً كلاسيكياً أو حديثاً ، المهم الإبداع والاتقان في العمل . 

   وعن الوجود المؤثر للصحراء داخل الرواية ماذا تعنى له يقول " بأن كل ما خلقه الله جميل، وجميل جداًُ، ولكني على صعيد التجربة الشخصية لا يحرك وجداني ومشاعري سوى مكانين : الصحراء والبحر ، ولعل وجه الشبه بينهما هو الامتداد اللامتناهي للمساحة والصفاء الذي لا تشوبه شائبة كما يقول، فالعين والدماغ يستقبلان صورة نقية للوحة التي ابدعها الخالق تستوجب منّا التفكر والتدبر في هذا الكون العظيم وأين نحن منه ".

   وتتخذ الرواية موقفاً واضحاً دلل على رفضه لسيطرة العولمة  في موقفه القائل "إني أرفض السيطرة وأؤيد العولمة بقوة" . العولمة برأيه كالقدر آت لا محالة إن شئنا أو أبينا ، ولا تتعارض مع القيم والدين

" فمنذ أن كوّن الانسان أول أسرة حتى أصبحت قبيلة ثم دولة ثم اتحادات أممية حتى وصلت في نهاية المطاف إلى دولة عالمية موحدة ، لا أرى ضرراً في ذلك والعامل التقني والاقتصادي السريع سيفرض هذا الحل ".

اما السؤال الذي علينا ان نناضل من أجله كما يقول فهو: " متى ان تسود الدولة العالمية العدالة ، والمساوة ، والحريات ، والرفاهية ، والاخلاق ، والسلام ، بل وكل ما جاءت به الرسالات السماوية من مُثل وقيم".

   وعن عملية الترجمة فهي جارية الآن للغة الانجليزية من قبل أحد الأصدقاء المبدعين في اللغة والأدب، وغاية نشرها باللغة الانجليزية تبعا لغزال يهدف لإيصال الرسالة الإنسانية والإلهية التي جاءت بها الرواية إلى أكبر عدد ممكن من البشر . ولكن هذه العملية ستأخذ وقتاً وجهداً مضنياً، و"سأكون سعيداً ان وصلنا إلى طبعة باللغة الانجليزية بعد سنتين من الآن" .

ويضيف غزال بأن الخيال من ركائز فن الرواية ، بشرط ان يوظف هذا الخيال بأسلوب منهجي لتحقيق الأهداف المرجوة من خلال البناء الروائي . "في روايتي الخيال كان البوابة التي فتحت به الفضاء اللامتناهي للتعبير عن الشخوص والمكان والزمان من دون قيد أو شرط بما فيها بناء دولة كاملة بشعبها وأنظمتها وعقائدها وسلوكيات مجتمعها وبحيادية كاملة" .

   ولعل بناء جمهورية أفلاطون مهمة اسهل بكثير كما يعتقد غزال ، ففي زمانه كان المجتمع أقل تعقيداً من عصرنا ، وما فيه من اختراعات ، ومجتمع افلاطون لم يعان من التعقيدات الحالية من اقتصاد وبنوك وعلاقات دولية ، والبديل المطروح ما زال يصب في الاستسلام لسطوة التكنولوجيا والمال ، اما سيادة القيم السماوية المحفزة للإرتقاء باخلاق الافراد والمؤسسات والدول واستيعاب التكنولوجيا والمال لخدمة الشعوب وليس لإستعبادها .

والنتيجة المنطقية لهذا الصراع انتصار الإنسان على المال والعلم وليس العكس، فالحضارة لا تقوم الاّ بالقيم الرفيعة ولا تتهدم حضارة ما الاّ بعد فساد رعيتها .

   وكروائي فإن غزال يربي الأمل، فبدون الأمل يدفن الانسان حياً ، ويفقد المحفز للعمل والابداع ، فماذا تقول للفقير أو المريض أو المقهور ، فمن فقد الأمل بالعدالة الالهية في الدنيا ، لن يبقى له أمل الاّ بعدالة الله في الحياة المخلدة في الآخرة . ويتساءل "ماذا نقول للشعوب المطحونة بالفقر والاوبئة في العالم الثالث؟" هل حالها سيدوم للأبد، فبدون الأمل لكان خيراً لها الانتحار الجماعي أو العبودية التامة للعالم الأول حسب تعبيره .

   وفي روايته شعب أبيّ يبحث عن الحقيقة فإن الشعب المقصود على أرض الواقع غير محدد، ويقول"عندما كتبت روايتي لم أضع اسماً أو مرجعاً لشعب معين قائم بذاته ومن ثم بنيت عليه أحداث الرواية ، فأنا رسمت مخططاً ومواصفات لشعب متعدد الأعراق والثقافات ينجح في بناء دولة تنمو اقتصادياً" ، وتحقق النجاح والتفوق على جيرانها بكل مجالات الحياة الاّ ان تلك الدولة تفتقر إلى العقيدة الالهية، والقيم العليا والانسانية ، والمحصلة النهائية انهيار تلك الدولة بسبب انعدام السلم الداخلي للقيم التي لو وجدت لجمعت شعوبها عند قواسم عليا مشتركة، ولذلك يمكن ان "يكون مفهوم الدولة الاسلامية البطل لروايتي".

   ويرى غزال بأن ليس حال العرب بالسوء الذي يظنه الكثيرون ، "فنحن أفضل بكثير من شعوب افريقيا واميركا الجنوبية وبعض الشعوب الآسيوية" ، لكن الانسان العربي لن يرضيه هذا الحال لأنه من أعماقه يشعر بالمسؤولية التاريخية ، فأجداده وأرضه صنعوا أعظم الحضارات وبوركت أرضه فنشرت النور إلى إرجاء المعمورة ،وفجأة يكتشف انه انسان مهمش مقموع تتحكم بمصيره شعوب لا تضاهيه لا في التاريخ ولا في الحسب ولا في النسب والشرف ، وهذا حق مشروع العربي فقد اعتاد ان يقود لا ان ينقاد .

   وحتى يؤدي الشعب العربي دوره التاريخي كما يقول غزال لا بد له ان يعيد قراءة التاريخ بعناية ، فانه لم يحقق طموحاته وانتصاراته إلاّ إذا حمل الشعلتين معاً ، شعلة العقيدة بما فيها من شرائع وقيم والشعلة الثانية :العمل والعلم والإجتهاد . 

إن أبطال رواية غزال ولدوا  في العام 1996 أي أنهم موجودون الآن بيننا، ومن هنا فأحداث الرواية الكبرى تقع في عشرينيات هذا القرن ،وما عينت ولادتهم في العام 1996 الاّ لأحيي الأمل بين ظهرانينا ، فمن سينتصر ويقيم دولة الأمة ، انهم أحياء يكبرون كل يوم وموعد الانتصار يقترب والمسافة إلى النصر تقصر . 

   ويرى غزال بأن شخصية المقدم دوماس كانت أكثر شخصيات الرواية كراهية ، فهو عسكري ناجح ومتفوق مجد يصعد نجمه بسرعة ، لكنه يقع تحت وطأة وهم الفتوة فيظن أنه يستطيع حل جميع مشاكل البلد باستخدام القوة العسكرية المادية ، يقصي السياسيين والخبراء ليقود شعبه إلى حرب تنتهي بزوال الدولة والشعب .

اما أكثر الشخصيات قرباً إلى نفسه فهو المهندس زكي المتفوق في علمه وعمله من عائلة ناجحة في أعمالها ومتحابة في علاقاتها ، وأيضاً يتوهم ويظن أنه يستطيع أن يعمل وينمي أعمال العائلة الناجحة بحسابات علمية بحتة من دون إعتبار للصراعات العقائدية والاجتماعية المحيطة ، ويكتشف انه على خطأ فكان عليه الاختيار بين الحق والباطل ، أي القيم والمبادئ أو المصلحة الوقتية، فقاده عقله وقلبه ان يذهب إلى الحقيقة المنيرة حتى وإن خسرت العائلة مصالحها وأعمالها وهذا ما كان ، ولكن أحداث الرواية تنتصر لزكي ومن اتبع سبيله لأن الباطل وان علا حينا فانه مهزوم لا محالة.

التعليق