د. ضاهر: العولمة مفهوم همجي

تم نشره في الثلاثاء 2 أيار / مايو 2006. 10:00 صباحاً
  • د. ضاهر: العولمة مفهوم همجي

باحث لبناني يرى أن مفهوم الهوية يزداد تعقيدا وضبابية

 

حاورته: عزيزة علي

   يرى استاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية د.مسعود الضاهر ان مفهوم الهوية ليس ثابتا كما يتصور بعض الباحثين لانه متبدل باستمرار تبعا لمتغيرات العصر وطبيعة القوى الاجتماعية . ويشير الضاهر الى ان مفهوم الهوية في مواجهة الدول الاستعمارية او الامبريالية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كان يحمل سمات الدفاع عن الحرية والسيادة والاستقلال وبناء الدولة القومية ونشر مبادئ الحرية والمساواة معتبرا انها كانت من مطالب ذلك العصر . ويطرح الضاهر في هذا الحوار جملة من المسائل التي تتعلق بالهوية والمفاهيم المرادفة لها مثل الاصالة والتراث لافتا الى ان مفردات مثل الفرادة والخصوصية وغيرها قد ازدادت تعقيدا وضبابية بعد ان اصبح العالم بقيادة قطب واحد هو القطب الاميركي الذي يبشر بالنظام العالمي الجديد.

*بداية دعنا نسأل عن اهتمامك بالثقافة اليابانية، ولماذا انت مؤمن بان اليابان يمكن ان تشكل نموذجا يحتذى به للبلاد العربية ؟

- لعبت اليابان دورا أساسيا في تقديم صورة متميزة عن تجارب التحديث الغربية أو مايسمى بالمركزية الأوروبية،لذلك نجحت في حماية نفسها من السيطرة الأوروبية والأميركية في القرن التاسع عشر وتحولت إلى دولة إمبريالية في منطقة جنوب وشرق آسيا . وقد تناولت تجربة التحديث اليابانية في ثلاثة كتب وعشرات المقالات،وما زلت أتابع البحث في الأسباب العميقة التي جعلت اليابان تنجح حيث فشلت تجارب التحديث في المجتمعات الأخرى ومنها الدول العربية. وما زلت ايضا مقتنعا بأن اليابان تقدم نموذجا يحتذى به لكثير من الدول العربية في إقامة حداثة سليمة تقيم التوازن بين الأصالة والمعاصرة. وقد ساهمت فعلا في إنجاح تجارب التحديث الأسيوية ولعبت دورا بارزا في إطلاق ما يعرف الآن باسم دول النمور الاسيوية .

ولعل ما يميز نموذج الحداثة السليمة على النمط الياباني أنها إعتمدت على الإنسان الحر المبدع،والقادر على إستيعاب العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة. وقد إستوعب اليابانيون علوم الغرب وقاموا بتوطينها ثم الإبداع فيها بحيث باتت الصناعات اليابانية تضاهي الصناعات الأميركية والأوروبية وتفوقت عليها في بعض المجالات خصوصا في عمل الإنسان الآلي وإستخدام التكنولوجيا المكثف في الإنتاج المتطور جدا وفي الأبحاث العلمية والإكتشافات الحديثة،حيث تقوم اليابان الآن بتطوير الجيل الرابع من الكومبيوتر،كما أن بعض الدراسات العلمية التي نظمتها الأونيسكو مؤخرا أظهرت أن الطلبة اليابانيين يحتلون المرتبة الأولى في الرياضيات وبعض العلوم الحديثة الأخرى.

*هل ترى أن مفهوم الهوية وما جرى عليه من تحولات في مرحلة العولمة ما زال صالحا للاستخدام بشكله التقليدي المتداول به؟ وهل ما تزال المفاهيم والمقولات المشابهة لمفهوم الهوية غير قابلة للتعديل في عصر العولمة؟

-مفهوم الهوية ليس ثابتا كما يتصور بعض الباحثين. فهو مفهوم متبدل باستمرار تبعا لمتغيرات العصر وطبيعة القوى الإجتماعية التي تحمله او تدافع عنه. مفهوم الهوية في مواجهة الدولة الإستعمارية أو الإمبريالية في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين كان يحمل سمات الدفاع عن الحرية،والسيادة،والإستقلال،وبناء الدولة القومية،ونشر مبادئ الحرية والمساواة والعدالة الإجتماعية وغيرها. لكن الدول التي نالت إستقلالها بعد نضالات وطنية وقومية قاسية سرعان ما انخرطت في إطار عصر العولمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وباتت مسألة الهوية شديدة الصلة بالدولة المسيطرة التي تقمع مجتمعها وتسهل عملية إنخراطه القسري في النظام العالمي الجديد. وقد زادت مسألة الهوية والمفاهيم المرادفة لها، كالأصالة،والتراث، والحفاظ على الذات،والفرادة،والخصوصية وغيرها ، تعقيدا وضبابية بعد أن اصبح العالم بقيادة قطب واحد هو القطب الأميركي. وبشر سادة النظام العالمي الجديدة ، بقيادته الأميركية الوحيدة الجانب بمقولات نهاية التاريخ،وصراع الحضارات،وإستخدام مبدأ القوة بشكل مفرط تحت ستار مكافحة الإرهاب.وقد أدخلت تلك السياسة نوعا من الرعب الحقيقي في الدول العربية وما كان يعرف بدول العالم الثالث. كما أن مشكلة الحدود الإقليمية،والسيادة والإستقلال وغيرها من شعارات الدولة القومية أو الوطنية باتت عديمة الأهمية بعد إجبار الشعوب والدول على العولمة القسرية تحت طائلة القمع المنظم والإرهاب الذي تقوده الدولة الأكثر قدرة عسكرية وتكنولوجية ومالية في العالم أي الدولة الأميركية. ويطمح الأميركيون من وراء إستخدام سلاح التخويف للدول والشعوب أن يبنوا النظام العالمي وفق المعاير الأميركية في السياسة والثقافة والإقتصاد والفنون وغيرها.

*دعنا نعود الى ثقافة الخوف خصوصا وانك تشارك في مؤتمر شامل عنها لنسأل،كيف كان إنعكاس مشاهد الخوف في الحرب اللبنانية على تجربتك الكتابية؟

-لقد عايشت الحرب اللبنانية بكل مراحلها منذ بدايتها في 13 نيسان من العام  1975 وحتى الآن. وقد مرت تلك الحرب بمراحل عدة وشاركت فيها أطراف داخلية لبنانية بصورة ميليشيات عسكرية متحاربة أو احزاب سياسية تعسكرت إبان الحرب وتنكرت لمقولات الصراع الديموقراطي،والعلمانية،ورفض الإنجرار إلى الإقتتال الطائفي الذي دمر الدولة والمجتمع معا.لكن أخطر الإنعكاسات التي ولدتها الحرب اللبنانية قد تمثلت بتفكيك بنى الدولة نفسها،ومؤسساتها السياسية والعسكرية بحيث تعايشت احيانا في حكومتين بدلا من حكومة واحدة،وجيشين بدلا من جيش واحد وتم إلتحاق الأحزاب والتنظيمات بالميليشيات المسلحة. وعرف اللبنانيون كل أشكال المآسي والدمار المادي والنفسي والإقتصادي.فتمخضت الحرب الأهلية بعد خمسة عشر عاما من التدمير عن مئات آلاف القتلى والجرحى والمشوهين. يضاف إلى ذلك الدمار الإقتصادي ،والكلفة العالية لعملية الإعمار وبناء ما هدمته الحرب الأهلية. فبلغ الدين العام أرقاما فلكية حتى تجاوز الآن 45 مليار دولار على شعب لا يصل تعداده إلى 4 ملايين إنسان.اي أن كل لبناني يولد الآن وهو مثقل بدين يتجاوز 10 آلاف دولار . في حين يتعرض الشباب لبطالة متزايدة ،وتفتح أمامه أبواب الهجرة على مصراعيها،ويسوسه نظام سياسي فاسد ومتخلف يقوم على الطائفية،والمذهبية،والإستزلام لقادة الميليشيات الذين اصبحوا أسياد الدولة بعد إتفاق الطائف الذي انهى الحرب الأهلية في  العام 1989. واللافت أن إتفاق الطائف قد أنهى الحرب لكنه لم يضع الأسس التي تمنع تجددها . ويعيش اللبنانيون الآن هاجس النزاعات بين زعماء الطوائف والأحزاب ،بالإضافة إلى هاجس إنعكاسات الأزمات الاقليمية في فلسطين والعراق ،والدولية في الحرب على الإرهاب العالمي .

*على ضوء مشاركتكم في مؤتمر " ثقافة الخوف" الذي نظمته جامعهة فيلادلفيا في الفترة ما بين 24 – 26 نيسان 2006 كيف تنظر الى الأفكار التي طرحت في أوراق العمل والمداخلات ؟

-شكل هذا المؤتمر نقلة نوعية بين المؤتمرات التي نظمتها جامعة فيلادلفيا والتي بلغت الآن أحد عشر مؤتمرا. وقد أتيحت لي الفرصة للمشاركة في عدد كبير منها وكتبت عنها دراسات نقدية متنوعة في السابق. فهذا المؤتمر يجيب على التساؤلات الحقيقية التي تطرحها المرحلة الراهنة في تاريخ العرب المعاصر. فالعرب،قادة وأنظمة وشعوبا، يعيشون درجة عالية من الخوف،ومن مواقع متباينة في غالب الأحيان. لكن الراعي الأميركي يبدي غطرسة علنية لتغيير بعض القادة،وبعض الأنظمة،ويتحكم في البرامج والمناهج التعليمية.ويحاول البنك الدولي ومؤسسات عصر العولمة إعادة تشكيل المنطقة وفق المشروع الأميركي – الإسرائيلي المعروف بإسم الشرق الأوسط الكبير. وهذا ما يدخل الرعب الحقيقي لدى العرب لأن مصيرهم قاتم في نظام من العولمة الهمجية الذي تحكمه مقولات ثقافية تستند إلى العنف المادي والمعنوي تجاه الشعوب والدول والأفراد. ويجري الآن هجوم مركز على المكتسبات السابقة التي نالها العمال والفلاحون في مراحل سابقة. ويتم تهميش ملايين الناس بصورة متزايدة.

ودلت تقارير التنمية العربية التي نشرتها الأمم المتحدة في الفترة ما بين 2002 و2005 على أن نسبة البطالة في العالم العربي ستتجاوز 50 مليونا في العام 2015 ،ونسبة الأمية تجاوزت حتى الآن 60 مليونا. هذا بالإضافة إلى مشكلات السكن،والصحة،والتصحر ،وإنعدام الأمن،وإرتفاع أسعار الطاقة ،وكلفة المعيشة،وسياسة الفساد والإفساد التي تعم العالم العربي بكامل دوله. ودلت اوراق المؤتمر ونقاشاته عن وعي عميق لدى الباحثين بأهمية معالجة مفهوم الخوف وتجلياته على الساحة العربية في عصر العولمة الهمجية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية.علما أن هناك قوى عالمية أخرى،خاصة في اميركا الجنوبية وجنوب شرق آسيا ،تناضل من أجل عالم منزوع السلاح،والحد من مخاطر إرهاب الدولة،والعمل على بناء عولمة أكثر إنسانية.وبمقدور العرب،لا بل من واجبهم، المشاركة في بناء عولمة أكثر إنسانية لأنها تحمي تراثهم من جهة،وتمهد لهم الطريق لدخول العولمة من باب التفاعل الإيجابي معها وليس من باب الخوف الدائم من سلبياتها الكبيرة.

التعليق