معرض الفنان المصري أبوالنجا: اختبار الطاقة التعبيرية لبقايا الأشياء وإعادة تدويرها جماليا

تم نشره في الأربعاء 19 نيسان / أبريل 2006. 10:00 صباحاً
  • معرض الفنان المصري أبوالنجا: اختبار الطاقة التعبيرية لبقايا الأشياء وإعادة تدويرها جماليا

افتتحه أمين عمان في دار الأندى ويتواصل حتى العاشر من الشهر المقبل
 

محمد جميل خضر

 عمّان-اختبار الطاقة التعبيرية لبقايا الورق واعادة تدويرها جماليا هو العنوان الرئيسي لأعمال الفنان المصري محمد ابوالنجا.

وفي معرضه الشخصي الذي افتتحه اول من امس امين عمان الكبرى المهندس نضال الحديد تتجلى قدرة فذة على محاكاة القيمة البصرية المتأتية من لحاء كرتون قديم, او ألياف كانت في طريقها الى الاندثار والذوبان في أتون النسيان.

وعبر 39 عملا تحمل معظمها وعيا كولاجيا, يلصق ابوالنجا، المولود العام 1960 في طنطا، مكونات لوحته في تجاوز يسعى الى بناء عمل فني من اشياء موجودة في الطبيعة. شكلت في وقت من الاوقات ادوات الانسان للدفاع عن وجوده, ولتكثيف تجربته الساعية الى سبر غور الوجود بمكوناته وعناصر تكوينه من نار وماء وهواء وطين.

واستنادا الى هذا الوعي البصري التشكيلي, حملت معظم لوحات ابوالنجا، الحاصل العام 1983 على بكالوريوس فنون جميلة من جامعة الاسكندرية، ألوانا اقرب الى الارض الجرداء او الحجارة الوردية قبل ان يضع الانسان فيها معوله باحثا عن خضرة الحياة وايناع الزهور.

وهي الى ذلك الوان البشرة الانسانية بمرجعيتها الشرقية الاقرب الى حنطة الارض, انها الوان البيئة المعاشة, شقوق في الذاكرة نقشها ابوالنجا، الحاصل العام 1992 على ماجستير فنون جميلة من جامعة الاسكندرية التي نال منها ايضا العام 1997 درجة الدكتوراه في التخصص نفسه, واعاد بناءها وفق نسق يعكس موقفه الجمالي وتأمله الماضوي في المحيط ومفرداته, وفي البيئة ومؤثثاتها, ويبني تصميمه الفني عبر حفر عميق في البعد الثالث الذاهب نحو جذور المعنى.

انه مفهومه الخاص المتعلق بإعادة انتاج الماضي, وبث الحياة في عروق كرتون تركه الآخرون على قارعة الطريق, وهي محاكاه ذاكرة مدفونة في تلافيف هذه المادة التي جعلها ابوالنجا، صاحب عشرات المعارض الشخصية والجماعية هاجسه الأوحد, وكرس مهاراته التشكيلية والبنائية للتعبير عنها وتجريدها جماليا فوق سطوحه متعددة المستويات والطبقات.

بين فتنة السطح وجاذبية التقنية وكيمياء اللون تختزل اعمال ابوالنجا لحظات تكونها, وتكشف عن امتداد بصري عميق التطلع نحو الماضي المحتشد بالصور والمصائر والمعاني, وتسبغ عليها وعيا خاصا بالمكان, ومتطلعا الى افق اكثر رحابة.

انها أعمال اقرب ما تكون الى نقوش فوق صخور المعرفة البكر, ما يزال بعضها يستعيد دلالة بعينها, لوحة سيارة قديمة, عفن جدران شقق الزمان محتوياتها.

وتشبه اعمال ابوالنجا، المحفوظة بعضها كمقتنيات في متحف مصرية وعربية واجنبية، حركة الاسهم المتوجهة نحو هدف معين مختبئ داخل اسرار ورقة قديمة, او بين زوايا تحتفظ بأنفاس من سكونها، وهي جولة داخل آفاق اللون وممكناته المتحققة من مواد مختلفة والمتعالقة مع فضاءات مفتوحة الاحتمالات.

وهي لفائف تتربع صندوق الغموض, وتبحث عن مرجعية لها في مخزون الايقونة الكتابية التي تحيلنا الى مصائر ناطقة بالدهشة.

وفي معرضه المتواصل حتى العاشر من الشهر المقبل، تتجاور الاعمال كما لو انها كنز دفين خلّفه الفنان من حفريات الذات المشفوعة بمرجعيات الدفائن الفرعونية وصولا الى سحر صناديق الجدات الساحر بمكوناته الثمينة, ليتحول العمل الفني عند ابوالنجا الى تعويذة بصرية تحتفل بطقوسها الخاصة بها, وصولا الى قراءة مغايرة وفك متعدد الخيارات لشيفرة قابلة دائما للتبدل وتغيير مرجعياتها.

تعكس تجربة ابوالنجا التشكيلية نفسا وجوديا, وحسا سحريا في آليات تحويل المادة عبر كيمياء خاصة به الى سطح بصري قابل لتكون ذاتية الدفع, عبر تقنيات خاصة ايضا تحوله الى صانع يبني صرح عالمه الفني مستندا الى مرجعية معرفية وبيئوية ودلالية وتعبيرية مشوبة بتوتر الانجاز الفذ، ومسكونة بقلق الصانع الماهر.

التعليق