كاميلّيري في الثمانين ولا يزال قادراً على الحب

تم نشره في السبت 15 نيسان / أبريل 2006. 10:00 صباحاً

"بنسيون حواء" احدث رواياتة الاشكالية الصادرة قبل شهرين

 

   عمان- الغد- اندريا كاميلّيري، الروائي الإيطالي الأكثر شعبية في الفترة الأخيرة، أصبح ظاهرة أدبية وثقافية اجتازت حدود ايطاليا واوروبا لتصل اميركا وحتى اليابان. ما سر ابن الثمانين هذا، الذي وصل الى الشهرة العالمية فقط بعد التقاعد وبعد عمر طويل أمضاه في احتراف الكتابة؟ الجواب يكمن في قدرته الاستثنائية على مزج الحس الشعبي بفن رواية القصص والبعد الإنساني الذي تتمتع به الشخصيات والحوادث على السواء في أعماله. هذا كله ملموم ومشدود بحبكة سردية سلسة. في كلام آخر عندما تقرأ كاميلّيري لن تترك الكتاب إلا بعد أن تنهيه. وعندما تنهيه تشعر بنوع من الحزن لأن المتعة انتهت ويجب أن تبقى في انتظار بزوغ فجر كتابه التالي حسبما جاء في جرية " النهار" اللبنانية.

   أحدث رواية لكاميلّيري هي "بنسيون حواء"، التي صدرت قبل حوالي شهرين. الحوادث تدور داخل هذا البنسيون في الثلاثينيات، وهو بيت دعارة شرعي في المرحلة الفاشية.

   الراوي، نينو، فتى يسرد الأشخاص والمناخ السائد في تلك الفترة وفي ذلك المكان، من نعرات وخلافات وشغف لإشباع الغرائز. تنتهي الرواية عندما يصبح نينو شابا في وقت الحرب تحت القصف والدمار. بين البداية والنهاية يتحدث الصبي واصحابه عن مراحل تكوينهم الجسدي والنفسي عبر تجارب تكون في مطلعها حلوة وتصبح مع الوقت مرة. كل خمسة عشر يوما تُستبدل مومسات البنسيون الستّ بستٍّ جديدات، ووسطهن تنمو فتوة نينو وتشيتشيو وياكولينو. لكن الأولاد يختبرون أيضا تجارب من نوع آخر، مع أشباح أدبية وحوادث ما بين الشعر والحقيقة، لأن "حكايات أولئك الفتيات علمتهم شيئا ما. شيئاً يُفهمهم القليل عن الدنيا، عن الحياة".

   كل شيء يبدأ كلعبة غامضة: الجنس، الحياة، الحرب نفسها. كل شيء ينتهي في واقع لا مجال للعب فيه: تحت القنابل التي تحطم البيوت والأشخاص والكرامة. والقصة التي استهلت بالفضول ازاء الجنس وعوالمه تُختتم باندلاع الحب الأقوى من الموت، والذي مصيره أن يترك دائما نسيم عطره في الهواء. يصطحب نينو معه في طريق نموّه شلة من الشخصيات الغريبة والفريدة من نوعها. شخصيات نكتشفها بتصرفاتها ومصائرها، تارة تكون هزلية وطورا درامية. مفارقاتها هذه تعكس جمال الحياة وقباحتها. نكتشف ايضا عالم المومسات الطيبات القلب، اللواتي يزرن الجرحى المتروكين الى مصائرهم التعيسة، لأن اجسامهم ممزقة ومشوهة. نكتشف كالتشيدونيو "بيك"، العجوز الذي يستعيد عزم رجولته للحظات قصيرة عندما يسمع دوي القصف، وتاتيانا "العاهرة الشيوعية" التى توصل معلومات الى الفدائيين في المدن التي تزورها خلال عملها.

   ولد كاميلّيري في العام 1925 قرب اغريجينتو ويعيش حاليا في روما. عمل لأكثر من ثلاثين عاماً كمؤلف مسرحي وكاتب ومخرج تلفزيوني، وأنجز بحوثا حول فن الاستعراض وعلّم ايضا أساسيات الإخراج في إحدى الأكاديميات الإيطالية.

   بدأ نجاح كاميلّيري عندما شرع يروي عوالم  مسقط رأسه صقلية، وهو فعل هذا مبتكرا لغة غير مألوفة هي خليط من الإيطالية الفصحى واللهجة الصقلية المحلية. هذا هو العامل الذي أضفى ميزة إضافية على كتابته لأنه استطاع ان يستقي من التراث المحلي ومن الثقافة الشعبية العريقة لتلك الجزيرة، فاقتبس منها أمثالا ومقولات وألفاظا أعطت العمل القصصي نكهة جديدة. بفضل هذه اللهجة استطاعت شخصياته أن تأخذ ملامح وأبعادا أقرب الى أحاسيس القراء، كما تمكنت من أن تعبّر عن نفسها بألفاظ فولكلورية يستعملها عامة الناس.

   صقلية معروفة في العالم لأنها موطن المافيا، وهذا صيت يثقل كاهلها، ويعتّم على الكثير من الروائع الكامنة في هذه الجزيرة، والتي هي مادة كاميلّيري الروائية، حين يحدثنا عن صقلية الخفية، عن محاسنها وعيوبها، قديمها وحديثها، نفائسها وفضائحها، مصطحبا إيانا في قصصه حدّ أننا نكاد نشتمّ، اذ نقرأ، رائحة السمك المشوي الذي يصفه.

   من الدقيق القول إن شخصية المفتش سالفو مونتالبانو، هي التي منحت كاميلّيري الشهرة العالمية. كتب سلسلة من القصص تروي تحريات رئيس مخفر مدينة وهمية سمّاها فيغاتا، وصارت هذه المدينة مشهورة في فنلندا والبرتغال وتركيا، أما في المانيا فقد باعت كتب كاميلّيري حول مونتالبانو في السنتين الأخيرتين ما لا يقل عن ثمانين ألف نسخة.

   مونتالبانو، كما قلنا، محقق في الخمسينيات من عمره، يدرك تماما أن ثمة اشياء في صقلية لن تتغير ابدا، ورغم ذلك لا يتنازل ولا يقبل بالحلول الوسطى لإرضاء سياسي أو لنيل ترقية. مونتالبانو قاس ونكد في المظهر وحنون من الداخل. تتجلى إنسانيته وتعاطفه مع البشر عندما يساعد المساكين الذين يتعرضون لاستغلال أسماك القرش الموجودة في كل مكان وزمان.

   إنه في اختصار "دون كيشوت" عصري على الطريقة الايطالية. وقد بدأ التلفزيون الإيطالي قبل حوالى ثمانية أعوام في انتاج سلسلة من الحلقات عن مونتالبانو، حققت نجاحا جماهيريا ونقديا يفوق كل تصور، اذ يتابع كل حلقة نحو عشرة ملايين متفرج.

   في العودة الى الرواية موضوع المقال، يقول كاميلّيري عن "بنسيون حواء" إنه "إجازة" من الرواية، أراد أن يأخذها لنفسه عند اقترابه من الثمانين. يذكر ان اجواءها تذكّر أحيانا بأجواء "ذكرى عاهراتي الحزينات" لماركيز. قال الروائي ايضا، لدى سؤاله عن "نوع" كتابه هذا، انه ليس قصة تاريخية ولا بوليسية، و"لحسن الحظ هو كتاب غير قابل للتصنيف والوصف".

   ربما أراد بذلك أن يستبق الإنتقادات التي كان يتوقعها، والتي وصلت فعلاً ولم تخيّبه: فالبعض قال إن الرواية دون مستوى كاميلّيري الإعتيادي، آخرون أكدوا أنها مملة في بعض أجزائها. لكن خير ما قاله كاميلّيري إن هذا الكتاب مختلف ويريد أن يقول اشياء مختلفة. ربما لا يتضمن عامل التشويق الذي عوّدنا ايّاه في سلسلة "مونتالبانو"، فالبطل ليس رجلا يكافح الشر بذكائه وحدسه إنما هو محض فتى يصبح شابا في أوقات صعبة وحرجة مثلما هي الحروب. ربما يريد الروائي أن يقول ببساطة من خلال هذا الكتاب إنه حتى في مأساة الحرب، ثمة ما يعطينا القدرة على الأمل والمضي قدما، الا وهو الشعور بأننا لا نزال قادرين على الحب. أليس هذا كافيا؟ أليس صحيحاً ايضا أن من المهم للكاتب ان "يضرب" حيث لا يتوقّع القارئ؟

التعليق