جبران حلق في فضاء العالمية بأجنحته المتكسرة

تم نشره في الاثنين 10 نيسان / أبريل 2006. 10:00 صباحاً
  • جبران حلق في فضاء العالمية بأجنحته المتكسرة

في الذكرى السادسة والسبعين لرحيله

 

جمانة مصطفى

   عمّان- نقشت المأساة بإزميلها عوالم جبران خليل جبران الداخلية فصنعته ثم صدّرت إبداعه. حاكم العالم عبر ألمه فغفر له ناشدا السعادة التي لم يذقها ، ناثرا فلسفته الطوباوية من خلال لغات العالم. 

ولد جبران لأسرة فقيرة في قرية بشري في السادس من كانون الثاني (يناير) من العام 1883 من أم هي الزوجة الثالثة لراعي الماشية خليل جبران الذي كان يثمل معظم الوقت مهملا أسرته تاركا مسؤوليتها على عاتق الزوجة.

لم يذهب جبران إلى المدرسة ولم يعرف أنه سيعد لاحقا من أهم شعراء المهجر، بل إلى كاهن البلدة الذي أدرك ذكاءه مبكرا فجدّ في تعليمه الأبجدية والتاريخ والعلوم والآداب.

وفي العاشرة من عمره وقع جبران عن إحدى صخور وادي قاديشا وأصيب بكسر في كتفه اليسرى عانى منه بقية حياته.

   كان لجبران، الذي تستذكره "الغد" في الذكرى السادسة والسبعين لرحيله، أكبر الأثر على أجيال لاحقة. وصدق من وصف كتابته في حينها بأنها سبقت عصرها. ويصف القاص خليل السواحري هذا الأثر بأنه شمل أجيالا متلاحقة "رغم تأثيره في بعضها أكثر من الأخرى".

ويقول السواحري "باعتباري احد قراء جبران منذ أكثر من 35 عاما، أجد فيه نموذجا للأسلوب الروائي المتميز شعرا ونثرا، وأعتقد أنه كان من المجددين في السرد الروائي الرصين الذي يجمع بين الكلاسيكية والحداثة".

   في العام 1890 سجن والد جبران على يد الجنود العثمانيين وباعوا منزل الأسرة ،ما اضطر الأم  للنزول بأولادها عند بعض الأقرباء حتى أدركت ان حل مشاكلها يكمن في الهجرة إلى الولايات المتحدة سعيا وراء حياة أفضل.

ويقارن الشاعر يوسف ابو لوز بين ما سمّاه "الاستحواذ على جبران واختطافه من العرب" وبين نسيانه وتجاهله من قبل المؤسسات الثقافية العربية.

ويضيف "لقد شربت جبران في شبابي الأول مع كأس ماء بارد"، فجبران "جعل رومانسيتي الأولى أكثر بياضا وهدوءا، وزرع في قلبي نوعا من الروحانية الهادئة".

   استقرت عائلة جبران في بوسطن حيث كانت تسكن اكبر جالية لبنانية في الولايات المتحدة واهتمت الجمعيات الخيرية بإدخال جبران إلى المدرسة، في حين بدأت الوالدة تعمل كبائعة متجولة في شوارع بوسطن على غرار الكثير من أبناء الجالية.

وأخذت أحوال الأسرة المادية بالتحسن. ولما جمعت الأم مبلغا كافيا من المال أعطته لابنها بطرس الذي يكبر جبران بست سنوات وفتحت العائلة محلا تجاريا.

في هذا الوقت كان معلمو جبران في ذلك الوقت يكتشفون مواهبه الأصيلة في الرسم ويعجبون بها إلى حد ان مدير المدرسة استدعى الرسام الشهير هولاند داي لإعطاء دروس خاصة لجبران، ما فتح أمامه أبواب المعرفة الفنية وزيارة المعارض والاختلاط مع بيئة اجتماعية مختلفة عما عرفه في السابق، فغدا جبران واحدا من ألمع الكتاب والأدباء حتى ان الولايات المتحدة اقامت تمثالا لجبران اعترافا بأدبه وتقديرا لفنه.

   عرّفه داي على الميثولوجيا اليونانية والأدب العالمي وفنون الكتابة المعاصرة والتصوير الفوتوغرافي، ولكنه أصر دوما على ان يخلص إلى نهج وأسلوب خاصين به، فبدأ يحظى بالشهرة في أوساط بوسطن الأدبية والفنية.

ولكن العائلة قررت ان الشهرة المبكرة ستعود عليه بالضرر، وانه لا بد ان يعود إلى لبنان لمتابعة دراسته، وخصوصا من أجل إتقان اللغة العربية.

   عاد جبران إلى بيروت في العام 1898 متكلما الانجليزية والعربية بضعف، والتحق بمدرسة الحكمة حيث تعرف على يوسف الحويك واصدرا معا مجلة "المنارة" يحررانها سوية فيما يضع جبران رسومها حتى أنهى دروسه بتفوق في العربية والفرنسية والشعر.

في العام 1902 مرضت شقيقته سلطانة فغادر لبنان إلى بوسطن ولكنه وصل بعد وفاتها. وخلال بضعة اشهر دخلت أمه المستشفى لإجراء عملية استئصال بعض الخلايا السرطانية ،فيما قرر شقيقه بطرس ترك المحل التجاري والسفر إلى كوبا.

   كان على جبران ان يهتم بشؤون العائلة المادية والصحية، لكن المآسي تتابعت بسرعة، فما لبث بطرس ان عاد من كوبا مصابا بمرض قاتل ومات بعد أيام قليلة، فيما فشلت العملية الجراحية التي أجرتها الأم وقضت نحبها في 28 حزيران(يونيو) من العام نفسه.

ترك موت أفراد عائلته أثره في نفس جبران طويلا، إضافة إلى أزمته في عدم اتقان الانجليزية. وكان يترك البيت ويهيم على وجهه هربا من صورة الموت وزاد من عذابه ان حبيبته التي كان على وشك الزواج منها جوزيفين بيبادي عجزت عن مساعدته.

   في العام 1904 قدمته جوزفين إلى المرأة التي سيكون لها أكبر الأثر في حياته وهي واحدة من معارفها واسمها ماري هاسكل التي كانت امرأة مستقلة في حياتها الشخصية وتكبر جبران بعشر سنوات.

لعبت هاسكل دورا مهما في حياة جبران وتحديدا في قراءاته وتمكينه من أدواته في الكتابة باللغة الانجليزية ناقلة إياه من ترجمة ما يكتب من العربية إلى الكتابة المباشرة بالانجليزية.

في العام 1908 غادر جبران إلى باريس لدراسة الفنون وهناك التقى مجددا بزميله في الدراسة في بيروت يوسف الحويك، وبقي فيها عامين قبيل أن يعود إلى بوسطن في العام 1910.

   وحول انتاجه الفني من الرسومات يقول السواحري "كان فنانا إضافة إلى كونه روائيا. وأعتقد أنه كان إنسانيا جدا في كتاباته ورسوماته على حد سواء".

ويضيف السواحري "من هنا حظي جبران بإعجاب الغربيين". كما حظيت رسوماته ولا تزال "رغم فحش بعضها" على حد تعبيره باعجاب من يزورون منزله ومتحفه.

وعن تجليات اللوحة الفنية لدى جبران، يقول الفنان التشكيلي اسماعيل شموط إن المرء يحتار في أمر هذا العبقري الفذ. هل هو الفيلسوف، الأديب، الرسام، الذي استطاع أن يغني العالم والبشرية بعبقريته؟.

   لا شك أن جبران كان عملاقا في عوالم إبداعات عدة. وتتمتع لوحات جبران سواء التي أنجزها بقلم الرصاص أو الفحم أو الألوان بحس مرهف شفاف للغاية. وهو تناول مواضيع عدة تكتنف أكثرها الروح الفلسفية والفكرية. كما أنه أبدع في رسم وجه "النبي" بقلم الرصاص الذي يشع منه نور رباني وتعبير يصعب وصفه.

في رسمه للمرأة وبالألوان الزيتية بدا عنيفا بتركيزه على الضوء والظل المضادين وبالحركة، إلا أن أعماله تلك التي تناول فيها المرأة يخبرنا بأنه لم يكن هاويا لفن الرسم بل محترفا درسه وتعمق في إدراك تفاصيل جسم المرأة.

أتساءل أحيانا: يا ترى ماذا لو أن جبران عاش في تلك الفترة بيننا بروحه وجسده وفي وطنه ماذا كان سيرسم؟.

ولبنان يفخر بفنانه الكبير وأديبه وفيلسوفه جبران خليل جبران، ونحن نشاركه الفخار والاعتزاز بهذا العملاق العربي الذي ترك بصمات شماء في العالم أجمع.

   واقترح جبران على ماري هاسكل الزواج والانتقال إلى نيويورك هربا من محيط الجالية اللبنانية هناك، والتماسا لمجال فكري وأدبي وفني أرحب، ولكن ماري رفضت الزواج بسبب فارق السن، وان كانت وعدت بالحفاظ على الصداقة بينهما ورعاية شقيقته مريانا العزباء وغير المثقفة.

انتقل جبران إلى نيويورك ولم يغادرها حتى وفاته. وهناك عرف الاستقرار الذي مكنه من الانصراف إلى أعماله الأدبية والفنية، فراح يرسم العديد من اللوحات لكبار المشاهير مثل رودان وساره برنار وغوستاف يانغ وسواهم.

   وفي العام 1923 نشر كتاب جبران "النبي" باللغة الإنجليزية، وطبع ست مرات قبل نهاية ذلك العام ثم ترجم فورا إلى عدد من اللغات الأجنبية، ويحظى إلى اليوم بشهرة قل نظيرها بين الكتب.

بقي جبران على علاقة وطيدة مع ماري هاسكال، فيما كان يراسل أيضا الأديبة مي زيادة التي أرسلت له في العام 1912 رسالة معربة عن إعجابها بكتابه "الأجنحة المتكسرة" وقد دامت مراسلتهما حتى وفاته رغم انهما لم يلتقيا أبدا.

توفي جبران في  العاشر من نيسان(إبريل) من العام 1931 في إحدى مستشفيات نيويورك وهو في الثامنة والأربعين نتيجة إصابته بالسرطان، وقد نقلت شقيقته مريانا وماري هاسكل جثمانه إلى بلدته بشري في تموز(يوليو) من العام نفسه. ثم عملت المرأتان على مفاوضة الراهبات الكرمليات واشترتا منهما دير مار سركيس الذي نقل إليه جثمان جبران، وما يزال إلى الآن متحفا ومقصدا للزائرين، على ما يقوله السواحري إذ "أتيح لي خلال الأعوام الثلاثة الماضية أن أزور ضريحه /المتحف".

وترك جبران وراءه فلسفته الخاصة عن الحياة التي تجلت في كتابه "النبي". ولا تزال كتبه تدرس وتترجم ويعاد طبعها إلى اللحظة وأشهرها بالعربية: "الأرواح المتمردة" 1908، و"الأجنحة المتكسرة" 1912، و"دمعة وابتسامة" 1914، و"المواكب" 1918.

وكتب بالإنجليزية: "المجنون" 1918، "السابق" 1920، "النبي" 1923، "رمل وزبد" 1926، "يسوع ابن الإنسان" 1928، "آلهة الأرض" 1931، "التائه" 1932، و"حديقة النبي" 1933.

   ويرى السواحري أن تأثير جبران شمل جيله الذي بدأ يتثقف في أوائل الستينيات، حيث "كانت لجبران عليه آثار واضحة، وأعترف أنني كنت معجبا بأسلوبه كإعجابي بأسلوب المنفلوطي".

أما أبو لوز فيؤكد أن "لغة جبران ودموعه وابتساماته ونبويته الإبداعية إن جاز القول مبعث تكوين أولي جلب لي نوعا من الحظ مع اللغة، بل وجعل مني محبا للقراءة وهذا نوع من الحظ".

ويرى أن جبران يملك ما سماه "حنان الكتابة الذي لا يوصف"، فثمة كتاب بحسبه "يقرأهم المرء في الصبا ويقتلون فيه ذلك التويج المائي الذي يغذي القلب بالقراءة".

التعليق