النسور: السوداوية مبعثها رؤية الطيور وهي تحمل الموت بين مناقيرها

تم نشره في السبت 8 نيسان / أبريل 2006. 10:00 صباحاً
  • النسور: السوداوية مبعثها رؤية الطيور وهي تحمل الموت بين مناقيرها

قاصة أردنية صدر لها أخيرا مجموعة بعنوان" مزيدا من الوحشة "

حاورتها:عزيزة علي

 عمان- يرى بعض النقاد ان القاصة بسمة النسور اعتمدت ومنذ بدايتها الاولى وفي مجموعة "نحو الوراء" الصادرة في العام 1991 على لمس الحالة الوجودية ثم صياغتها كمضمون يحقق المعنى الجوهري لأي كتابة بالمعنى الجمالي.

ويشير آخرون الى  قصة" يحدث داخل رأسي" وكيف انها استطاعت ان تتماهى مع امها التي توفيت منذ سنوات ليكون الموت بالنسبة لها علة وجودية وليس مجرد حادثة تحدث وتصير من المسلمات. فالنسور التي صدر لها "اعتياد الاشياء" في العام 1994 و"قبل الأوان بكثير" في العام 1998 و"النجوم لا تسرد الحكايات" في العام 2002 و"مزيدا من الوحشة" في العام 2006 تتميز بالتعامل مع الواقع بحس مأساوي كما قال عنها الناقد الراحل جبرا ابراهيم جبرا الذي اكد على ان الحس المأساوي هو المعيار الحقيقي لموهبة النسور خصوصا وانها لم تك معجبة ابدا بالشخوص المتحققين ولا تغريها سوى الشخصيات المركبة التي تحفزها على الكتابة وتجد فيها الدهشة والحساسية الفائقة.  

من يقرأ مجموعتك الاخيرة "مزيدا من الوحشة" يلاحظ اختمارا وتطورا يشير الى انك في مرحلة تجاوز لمجموعاتك السابقة؟

ما زلت احمل نفس الاعتناق لمجموعتي الاولى"نحو الوراء" التي بلغت من العمر عتيا واحس حتى هذه اللحظة انها ما زالت تعبّر عن اسلوبي القصصي ولو قيض لي ان اكتبها الآن لما اختلفت من حيث الثيمات او الاسلوب, من هنا دعيني اختلف معك في قضية اختمار التجربة حسب تعبيرك, علما انني لست مرتاحة للتعميم الذي يشي به سؤالك اذ ليس بالضرورة ان يقرك الجميع فيما تذهبين اليه, ولا يكفي ان يكون النص هو الاخير بالمعنى الزمني كي نطلق عليه مثل هذا الحكم الخطير والا اعتبرنا آخر روايات ماركيز "عاهراتي الحزينات", ذروة منجزه الروائي رغم انها اضعف ما كتب, وعليه يبدو انه ادرك ذلك فأعلن اعتزال الكتابة, ربما خشية على ارثه الروائي الذي لم يعد يخصه وحده.

 ما تقولين في تطور الموهبة وتطور التجربة؟

اعتقد ان الموهبة لا تولد الا مكتملة الملامح وهذا يفسر وجود الكثير من الاطفال الموهوبين الذين حققوا نجومية عالية في حقول الابداع كافة, وعليه فالحالة الابداعية او الموهبة لا تتطور بالممارسة ومع مرور الوقت فقط وهذا الامر قد ينطبق على قيادة السيارة او السباحة !!  وهنا اتذكر ايام الدراسة وكيف كانت المعلمة تجبرنا على كتابة الكلمة ألف مرة كي يتحسن خطنا ونحصل على نجمة حمراء! هذه المعادلة لا تصلح في فضاء الابداع فأنت اما تتفوق او ترسب في الامتحان ولا توجد هنا نقطة رمادية بمعنى يمكن الدخول من خلالها.

وعليه فإن الموهبة لن تكفي بمفردها ما لم يصار الى صقلها بالمعرفة والتجربة وسوف تزداد توهجا كما الالماس مع الزمن اما اذا لم تتوفر اصلا فعلينا ان نعترف بأن النوايا الحسنة والمثابرة لن تؤدي الى ابداع حقيقي وان نجم عنها انتشار لحظي زائف, سرعان ما يتبدد.

هل لنا ان نتحدث عن مجموعتك"مزيدا من الوحشة" وكيف تنظرين اليها؟

ليس من السهل ان اتحدث حول " مزيدا من الوحشة " بحياد على الاقل في هذه الفترة ما زال الوقت مبكرا لكن يمكن القول انني مرتاحة للتجربة, انا في مرحلة تأمل لوقع المجموعة وقد بدأت تتوالى الردود  عليها وهذا يكفي في الوقت الحاضر فمهمتي الاساسية هي كتابة القصة اما التنظير لها فليس من شأني.

هل انت مع القول الشائع بأن الكتابة ذاكرة؟

لا شك ان الذاكرة من اهم مبررات فعل الكتابة والمبدع بحاجة الى التخلص من تبعاتها اول بأول لانها في اغلب الحالات ضاغطة وثقيلة واذا ما سلمنا ان الكتابة هي فعل خلاص وتحرر فهي بهذا المعنى تحتل حيزا اساسيا في فعل الكتابة.

الكتابة حياة قائمة ومكتملة وموازية ومنفصلة ومشتبكة في آن ومحرضة بشكل ثقيل الظل وتفسد على المبدع تصالحه مع البلاهات العادية الصغيرة التي ترتبها الحياة اليومية.

ومع ذلك فأنا اعول على المخيلة اكثر وهي برأيي المحرض الاول لفعل الابتكار والخلق وهي التي تعطي الوهم شرعية العبث في رأس المبدع وتبث الروح في النص الذي سوف ينفصل عن صاحبه في مرحلة ما ويذهب باتجاه تحفيز مخيلة القارئ بحيث يمكننا ان نقول ان دائرة المتعة  قد اكتملت تماماً.

ولكن هناك من يقول ان المرأة تكتب سيرتها !!

هذه ليست تهمة وهي لا تخص كتابة المرأة وحدها وتنسحب على كتابة الرجل ايضا الكثير من الكتاب يحاولون التنصل من آثامهم مفتتحين اعمالهم الروائية "بكليشيه" تقليدية مفادها ان اي تشابه بالاسماء والاحداث والامكنة هو بمحض الصدفة وهي بالمناسبة عبارة في منتهى السخف واحيانا يتخابثون فيعكسون معنى العبارة.

الكاتب وبغض النظر عن جنسه يغرف من بئر ذاته اولا والذات ليست منفصلة عن محيطها وهي تلتقط ما يدور حولها وتتأثر به

فيما يتعلق بتجربتي القصصية اعترف انني كتبت اكثر من قصة تتعلق بي شخصيا, لكني كتبت عشرات القصص حول آخرين ايضا, اذ ليس من المعقول ان اصبح بطلة مطلقة لكل تلك القصص التي كتبتها على كثرتها وتنوعها فشخصيتي ليست بهذا التعدد(وان كنت من مؤسسي برج العذراء!!) .

لكن بالضرورة لدى القاص ما يضيفه الى القصة ليعبر عن موقفه من الاشياء مستخدما مفردات تخصه وحده وتميزه عن غيره من خلال ادواته التي نطلق عليها فيما بعد البصمة الخاصة للكاتب.

تبقى مسألة التأويل: عموما يرغب القارئ في شخصنة النص الابداعي بمعنى احالته الى سيرة المبدع الشخصية وتتفاقم الحالة عندما يكون صاحب النص امرأة وهذه مسألة طبيعية ينبغي الا تثير حفيظة الكاتب الذي يدعي انه يفهم خفايا النفس البشرية التواقة بشكل فطري الى فضح الاسرار وتبديد الغموض هذا امر لا يثير قلقي اذ لا ينبغي ان يضع الكاتب نفسه في موقع الدفاع عن تهمة لا يؤدي ثبوتها الى الحبس!!

كيف تنظرين الى الفرق بين الامومة الحقيقية وامومة الابداع وهل ثمة مفارقة في هذا المجال؟

المفارقة ان الولادة الحقيقية فقدت مهابتها فلم تعد رمزا للوجع المبرح بعد ان اقترح علينا الطب الحديث حلولا سحرية. فمجرد ان تعطى المرأة حقنة في اسفل ظهرها تبلغ قيمتها 120 دينارا اردنيا, حتى تتلاشى امكانية حدوث آلالام المخاض الرهيبة فتضع حملها وهي تبتسم عوضا عن الشتائم التي اعتادت ان تكيلها لزوجها الذي يذرع بهو المستشفى مذعورا وهو يستمع الى تلك الصيحات المفزعة القادمة من غرفة الولادة, وعليه فإنني اقترح على الجميع الكف عن استعارة آلالام المخاض لانها لم تعد رومانسية, لو توفرت لي تلك الوسيلة السحرية لأنجبت عشرة اطفال كحد ادنى لاني اعشقهم , وكثيرا ما ضبطت في اي زيارة لأي مستشفى وانا اتسلل الى قسم الولادة كي اتأمل من خلال النافذة الزجاجية العريضة بأقصى مشاعر البهجة  تلك المخلوقات المدهشة وهي تحدق في العالم بريبة واضحة !

الامومة حالة في منتهى الخصوصية اذ لا يكفي ان تكوني انثى وتحملين لمدة تسعة اشهر كي تستحقي هذا اللقب بل يمكن للرجال ايضا ان يحظوا بأمومة مكتملة بالمعنى الدافئ للكلمة .

امومتي امتياز ومنحة سماوية اصلي دوما كي اكون جديرة بها سيما ان الله منحني اجمل اولاد في الكون اعرف ان هذا التصريح غير مسؤول وتطرف امومي تشاركني اعراضه كل الامهات لكنه مشروع دائما .

 اما امومتي لقصصي فهي حكاية مختلفة, اعترف ان هنالك قصصا معينة لها مكانة كبرى في روحي مثل قصة(يحدث داخل رأسي) من مجموعة (النجوم لا تسرد الحكايات) التي فوجئت بأن حروفها تلك لم تظهر باللون الاحمر رغم انني كتبتها بدمي لأن روحي كانت تنزف حزنا جراء رحيل ابي وامي المفجع في ايلول من العام 1996 .

دعيني اسأل لماذا كل هذه الاجواء السوداوية التي تحيط بمجموعاتك القصصية ؟

استغرب هذا السؤال الذي يطرح في زمن الزمن. طيور تحمل الموت بين مناقيرها بدل البشائر لمجرد اصابتها بانفلونزا تافهة.بحر يتمدد لبرهة فيبتلع آلاف الارواح , اعاصير تقلب "عاليها واطيها" في لمحة . دبابات قادمة من خلف المحيط تجثم على قلوبنا وتوزع الموت بالتساوي على كافة ألوان الطيف لنصغي بعدها بحياد تام الى الاعلان اليومي عن حصيلة القتلى الذي اصبح اقل عادية واثارة من نشرة الطقس. اجواء الموت والحزن تلوح في فضائنا برمته وعلى نحو متصل هذا على الصعيد العام . وحين يتاح لي تأمل حيوات الآخرين يدهشني حجم الحزن الذي يظلل الاشياء كل هذه الثيمات هي الفضاء الذي تتحرك فيه شخصياتي ومنذ مجموعتي الاولى.

التعليق