أبحاث تسلط الضوء على التواصل الفلسفي وصورة الآخر في التراث العربي

تم نشره في الأربعاء 29 آذار / مارس 2006. 10:00 صباحاً
  • أبحاث تسلط الضوء على التواصل الفلسفي وصورة الآخر في التراث العربي

انطلاق فعاليات الدورة الثانية عشرة لملتقى عمان الثقافي

 

كوكب حناحنة

عمّان- ألقى المشاركون في ملتقى عمان الثقافي الثاني عشر الذي التأم أمس تحت عنوان (ثقافات الأمم: صراع أم تواصل) ضوءا ساطعا على التواصل الفلسفي والمجال التداولي، وعاينوا عبر أبحاث ومداخلات صورة الآخر في التراث العربي الإسلامي والتراث الشعبي والهوية.

وأشار المشاركون في الجلسة الاولى للملتقى الذي أقامته وزارة الثقافة وانطلقت فعالياته في المركز الثقافي الملكي إلى ان التفكير في أوضاع الفكر العربي المعاصر تحت مقولتي الصراع والتواصل محكومة بعلاقة العالم العربي مع الغرب.

وبين المتحدثون بأن التراث الشعبي العربي هو جزء من الثقافة العربية بل هو جزؤها الأهم، وبأن التراث الشعبي والهوية هي ملك الامة العربية، واي تخطيط لاعادة القبض عليها لن ينفع ما لم يكن على مستوى الامة.

وأشار مندوب رئيس الوزراء وزير الثقافة د. عادل الطويسي إلى أن عنوان الملتقى يؤكد على وجود صراع من نوع آخر بين الأمم. وقال في كلمة له خلال حفل الافتتاح إن "الملتقى يسعى الى المساهمة في تعميق وترسيخ مفهوم التواصل الثقافي الإنساني بين الأمم، خدمة لاجيال الحاضر واستشراقا لمستقبل انساني واعد. كما يهدف الى تسجيل ملامح الإسهامات العربية والاسلامية الوضاءة في الحضارة الإنسانية عبر التاريخ".

وبين د. الطويسي أن صراع المفكرين يختلف عن صراع الثقافات كونه يحدث بين مفكرين ينتمون للثقافة نفسها، وان كان يحدث بين المفكرين من ثقافات مختلفة.

وأكد وزير الثقافة على أن بعض المواقف الداعية لصدام الحضارات والانتقائية في التعامل مع الثقافات أذكت مشاعر العصبية والكراهية بين الشعوب. وأوضح بأن ذلك يمثل تراجعا نوعيا خطيرا في مسار التقدم الإنساني الشامل، "ولا بد من التأكيد هناك على أن السلام العالمي لا يبنى الا بالحوار والتسامح والتفاهم".

ولفت إلى أن حوارنا مع الآخر غير متكافئ في الوقت الراهن، لأن صورة العرب والمسلمين تأثرت بفهم خاطئ تغذى في معظم الأحيان بسلوك متطرف وعنيف من بعض الأطراف المحسوبة على الإسلام.

واشار مدير الملتقى د. أحمد راشد في كلمة اللجنة التحضيرية العليا للملتقى إلى حرص الوزارة سنويا لاختيار موضوع ثقافي يواكب متطلبات المرحلة، ويحاكي الواقع المعاش للمواطن العربي.

وبين ان الهدف من وراء عقد هذا الملتقى هو البحث في اقصر السبل وأيسرها والتي تساهم في تعميق جذور التواصل والتعاون والتآلف بين مختلف الشعوب والأمم.

وأوضح بأن ما يجري الآن من تنافر وصراع ثقافي يفرض علينا شعوبا وأمما ضرورة تحديد أفضل السبل للنظر في هذه القضية لإصلاح وتبديل الحال وإعادتها إلى طبيعتها.

وأشاد د. انور الزعبي الذي ألقى كلمة المشاركين بدور الملتقى وأهميته في انعاش الحراك الثقافي المحلي والعربي.

وافتتح د. الطويسي في نهاية حفل الافتتاح معرض الكتاب الذي احتضن منشورات وزارة الثقافة، ومعرض الصور الفوتوغرافية الذي جاء بتنظيم من الجمعية الأردنية للتصوير.

الجلسة الأولى: الصراع والتواصل

 وتناول المشاركون في الجلسة الأولى للملتقى التواصل الفلسفي والمجال التداولي، وصورة الآخر في التراث العربي الاسلامي: الاعتبار لاسامة بن منقذ نموذجا، والتراث الشعبي والهوية: صراع أم تواصل.

وأكد د. ناصيف نصار من لبنان في ورقته التي حملت عنوان (التواصل الفلسفي والمجال التداولي) بأن التفكير في أوضاع الفكر العربي المعاصر تحت مقولتي الصراع والتواصل محكومة بعلاقة العالم العربي مع الغرب.

 وحصر مقومات التواصل في ثلاثة هي اختلاف الطرفين او الأطراف الداخلة فيه، والاعتراف المتبادل بين أطرافه، والمقوم الثالث والأخير هو التعارف والتبادل بمعناها الواسع.

وأضاف نصار بأن "هذه المقومات تؤلف معا مفهوم التواصل، بصرف النظر عن جوانبه الخارجية المتعلقة بأسبابه وأشكاله ووسائله وأطواره ونتائجه".

وأكد أن الفيلسوف بمقتضى صناعته مدعو إلى التواصل مع كل من يفكر تفكيرا جديا مسؤولا في الحياة والوجود، "وهو مدفوع ايضا الى التمييز بين أهل الفكر والى التواصل مع فئاتهم حسبما يخدم منها سعيه الخاص الى الحقيقة".

وبين د. نصار مقدار حاجة التواصل الفلسفي في المجال التداولي العربي الى النقد العقلاني المسؤول.

وقال "لكن النقد في هذا المستوى من الفكر كالحرب عملية صعبة جدا وخطيرة فلا بد من التحضير له بكل الوسائل المناسبة حتى نستحق الاحترام من ذاتنا ومن الآخرين".

صورة الآخر

ولفتت د. هند أبو الشعر في ورقتها حول "صورة الآخر في التراث العربي الإسلامي: الاعتبار لأسامة بن منقذ نموذجا" إلى أن كتب السيرة يحتاج التعامل معها إلى الروية والتشدد.

وأشارت أبو الشعر إلى أن كتاب "الاعتبار" لأسامة بن منقذ من أقدم كتب السيرة في تراثنا العربي الإسلامي، وهو مصدر مباشر. وأكدت بأنه عمل ذاتي يمثل شهادة على عصر حكم الفرنجة لبلاد الشام بعيون فارس مشرقي، قارع الفرنجة وصادقهم في آن.

وبينت بأن كتاب "الاعتبار" يتميز بتفاصيله التي تكشف مظاهر الحياة اليومية والتي تسكت المصادر التقليدية عادة عن إيرادها ومنها حوادث الولاء المزدوج. ولفتت الى المثاقفة والى طبائع الافرنج واخلاقياتهم من خلال الاعتبار.

واكدت في نهاية حديثها على "اننا في هذه الفترة احوج ما نكون الى دراسة هذه المراحل المفصلية في تاريخنا دراسة منهجية موضوعية".

وتحدث د. سالم المعوش من لبنان عن "التراث الشعبي والهوية: صراع أم تواصل"، مبينا بأن معالم التراث الشعبي تجعله يمضي في طريقين واضحين، "هما المادي والروحي، متلازمين حينا ومتفرقين حينا آخر".

وبين بأن التراث الشعبي العربي هو جزء من الثقافة العربية. ويقول "بل هو جزؤها الاهم وربما هو الجزء الوجداني الباقي في الضمائر والقلوب والعقول، يتحفز للبروز كلما لاح حديث عن الثقافة الشعبية او الوطنية او القومية او التراثية".

ولفت المعوش الى انه لا حديث عن التراث والثقافة والهوية من دون الحديث عن الارض واللغة والتاريخ والسياسة والاقتصاد والمصير المشترك، ولا حديث عن الثقافة ما لم تخدم الشعب في ماضيه وحاضره ومستقبله.

وأكد بأن التراث الشعبي والهوية هي ملك الامة العربية، واي تخطيط لاعادة القبض عليها لن ينفع مالم يكن على مستوى الامة، لانه يهم كل الشعوب العربية.

وزاد "وهذا يقتضي حل كثير من الاشكالات على المستوى العربي، مثل الديمقراطية وازدواجية المثقف والسلطة والموقف من التراث والهوية واللغة بالدرجة الاولى والموقف من العلم والمعرفة ودور الجامعات والمراكز البحثية، وحل المشكلات العالقة بين الانظمة وتبني خطة مشتركة". وأدار الجلسة د. أنور الزعبي.

الجلسة الثانية: حوار الحضارات

وتابع المنتدون في الجلسة الثانية من الملتقى التي عقدت برئاسة د. صلاح جرار طرح رؤاهم عن صراع الحضارات وحوارها. وقدم د. احمد برقاوي ورقة بعنوان " منطقة العلاقة بين الحضارات" ألقاها نيابة عنه د. إبراهيم الخطيب اعتبر فيها ان السؤال حول العلاقة بين الحضارات يعد واحدا من الاسئلة التي وسمت وتسم حاضرنا الثقافي والفكري والسياسي مبينا اننا، نحن العرب لم نطرح هذه المشكلة او مشكلة الحضارة والعلاقة بين الامم. ولفت د. برقاوي الى الذين انجروا الى دائرة الحوار الذي لا يتسع، منتقدا تداعي بعض الهيئات العربية لعقد مؤتمرات خاصة بما يسمى بحوار الحضارات.

وأكد برقاوي على ان الغرب فرض علينا التفكير في مسألة لم تطرحها وقدم للعالم فكرة صراع الحضارات التي ولدت بدورها فكرة حوار الحضارات لندخل في لب المشكلة ويطلب منا الاجابة عنها.

ورأى برقاوي ان السؤال حول العلاقة بين الحضارات عموما يستبد بالمجيب ويرسم له طريقا هيهات ان يخرج عنه، حيث ينتج هذا السؤال اجابة زائفة بالضرورة.

واحتج برقاوي على الغرب بفرضية تقوم على انه انشغلنا بأسئلة زائفة لا بد ان نتحرر منها ان اردنا ان ندخل الى حقيقة الحضارات بين الامم، مبينا اننا اذا انطلقنا من ان "الحضارات عموما هي جملة الابداعات الروحية والمادية لمجتمع محدد تاريخيا"، بدءا من ابسط العادات والتقاليد وانتهاء بنمط الحياة مرورا بالافكار والاداب التي تنطوي على فكرة الاختلاف التاريخي.

 وهذا الاختلاف بدوره يشير الى عنصر التغير المتواصل، اي السيرورة التي تحتوي صفتي الثبات والتحول، وبالتالي لا نحيل الحضارة الى فكرة الصراع. ولفت برقاوي الى ان الاختلاف في الطهي بين الحضارة الصينية والحضارة العربية، نظرا لاختلاف المنطقتين واختلاف الذوق واختلاف المواد الغذائية.

الإعلام الثقافي للعولمة

وقدم د. محمد مقدادي بحثا بعنوان " الاعلام الثقافي للعولمة " انتقد فيه جعجعة الباطل المتصاعدة صوب الحق المنكمش الذي تحاصره تلال الملح، مبينا اننا الان ازاء "تيار اعلامي جارف يسير باتجاه واحد وتتدفق عناصره عبر قنوات تطرق ابواب البيوت والكهوف والمضارب مفسدة على الانسان سكونه ومصادر خصوصيته".

وحول محتوى الرسائل الاعلامية لهذا التيار، أفاد مقدادي بأن لكل اعلام رسالته الثقافية وقد تكون هذه الرسالة رسالة حق تريد له ان يسود ويحقق حبا وعدالة وسلاما وحوارا ومراجعة للذات واحتراما لخصوصية الاخر الذي يجري التعامل معه في معادلة الحضارة الانسانية كطرف رديف وليس طرفا نقيضا حتى وان امتلك مشروعا مناقضا.

كما تطرق مقدادي الى رسالة الاعلام الاخرى او رسالة الباطل والصلف والاحتكار والتسلط والاحتكام لمنطق القوة، لافتا الى ان الرسالة التي يؤديها اعلام العولمة هي رسالة قهر الشعوب الصغيرة وترويضها لتنخرط " زرافات وافرادا " في معادلة العقيدة الامبريالية من غير ان تسول لها نفسها ان ترفض امرا لوحيد القرن الذي بوسعه ان تدفع منظمته النووية في طلقة واحدة "14000" شحنه نووية بالاضافة الى ما يربو على ألفي رأس نووي بمقدورها ان تدمر العالم سبع مرات.

وتساءل مقدادي: هل ثمة كآبة اكثر مما نحن فيه؟ مشيرا الى السياسة العنصرية التي يتبناها اعلام يروج لثقافة عنصرية مستبدة تدفع بغيرها من الثقافات الى الحائط في محاولة دؤوبة لالغاء الاخر وتهيئة حصونه للانقضاض على هويته.

الفكر النسوي بين الشرق والغرب

واختتمت الباحثة سهير التل الجلسة الثانية بورقة بعنوان "الفكر النسوي بين الشرق والغرب" استعرضت فيها افكار الكاتبة بثينة شعبان حول التفوق الرجولي، مقدمة جملة من البراهين القاطعة على ان النساء تخلصن من عقدة المحو الى الوصول الى ثقافة التعبير.

وقالت إن محاولة التفوق الرجولي ادت فيما مضى الى المطالبة بالتحرر والاعلان عن مسيرة التحرر النسوي كمسيرة تنسجم مع التراث العربي والاسلامي، لان هدفها الاول هو الحفاظ على احترام الموروث.

ولفتت التل الى ان فكرة التفوق الرجولي ليست فكرة عربية فقط، بل انها شاعت ايضا من خلال الانخراط بالدعوات الانعزالية التي كانت تظهر في اوروبا واميركا، لافتة الى ان الامر يستدعي ضرورة مناقشة النماذج الاخلاقية والاجتماعية التي ظلت مسيطرة على الحركية الاجتماعية للوصول الى تطور يتيح لنا ان نتخلص من عقدة التفوق الرجولي التي سادت خلال القرن العشرين.

جلسات اليوم

وتتواصل اليوم فعاليات الملتقى بثلاث جلسات تنعقد الأولى في العاشرة صباحا، والجلسة الثانية في الثانية عشرة ظهرا، والثالثة في الخامسة والنصف مساء. وتبحث الجلسات الثلاث للملتقى، الذي يختتم غدا، في التوظيف السياسي لنظريات علم الاجتماع، وصراع الأنا والآخر، وتقييم الفنون الشرقية، وحركة الاستشراق، وسواها.

التعليق