شاهين‏:‏ الترجمة سبب تعثر الشعر الحديث

تم نشره في السبت 11 آذار / مارس 2006. 09:00 صباحاً
  • شاهين‏:‏ الترجمة سبب تعثر الشعر الحديث

‏أستاذ الأدب الإنجليزي المقارن في"الأردنية‏" يرى أن النقد العربي متراجع جدا عن مواكبة الإبداع‏

  عمّان-الغد- يقف د‏.‏محمد شاهين‏ ‏أستاذ الأدب الإنجليزي المقارن في الجامعة الأردنية‏,‏أمام ثلاث قضايا مهمة في الثقافة العربية الحديثة وهي‏:‏ تأثير الترجمة على تطور الشعر الحديث سلبا وإيجابا‏,‏وجهود إدوارد سعيد في تطوير النظرية النقدية الحديثة‏,‏وأسباب أزدهار الرواية العربية الحديثة‏. وفي كل قضية منها يملك د‏.‏شاهين وجهة نظر لابد من الاستماع إليها‏,‏فهو بالإضافة إلى ذلك أحد المحكمين في المجلس الأعلى للثقافة لجائزة الرواية العربية التي يمنحها المجلس في مصر كل عامين‏.‏

وفي كل ما يقول يلتزم شاهين المنطق العلمي وينحي عواطفه جانبا‏.‏

   حول الترجمة وإشكالاتها والنقد العربي وراهنه المتردي‏,‏أجرت مجلة "الأهرام العربي" معه حوارا‏ نعيد نشره في "الغد" لأهميته.

‏*‏ هل الترجمة موهبة أم علم له قواعد؟

-إنها موهبة في الدرجة الأولى‏,‏لكنها لا تستغني عن العلم‏,‏وأنا شخصيا أعرف عددا قليلا جدا من المترجمين الأكفاء‏,‏وصلوا إلى هذه الكفاءة بسبب موهبتهم أولا‏,‏والمترجم كما يقولون يخلق ولا يصنع‏,‏ولا يمكن لشخص ما أن يصبح مترجما وهو غير موهوب‏,‏أي لا يمكن أن تصنع الثقافة أو التحصيل العلمي مترجما‏,‏لأن الترجمة سليقة في اللغة واستعداد لغوي فطري‏,‏بعد ذلك يأتي دور الثقافة بالاطلاع على أمور كثيرة تتعلق باللغة واللغويات بشكل عام وبالثقافة التي تحيط باللغات المترجم إليها وعنها ليتمكن من ضبط الأمور‏.‏

أضرب لك مثلا من ترجمة الشعر الغربي الذي ينقل إلى العربية‏,‏فمنذ أسابيع قليلة قرأت في أسبوعية مصرية عددا من قصائد إزرا باوند مترجمة عن الإنجليزية‏,‏ولم أفهم منها شيئا‏,‏وحملتها معي إلى المحاضرة التي تضم‏25‏ طالبا من كلية الدراسات العليا في الترجمة‏,‏وطلبت من الطلاب أن يترجموا إحدى هذه القصائد وأن يعلقوا على الترجمة‏,‏بعد أن زودتهم بالأصل‏,‏ولا أبالغ إذا قلت إن الترجمات الـ‏25‏ جاءت أفضل من تلك الترجمة التي نشرت في مصر‏,‏ونشرت أيضا سابقا في الصفحات الأولى من مجلة "الكرمل" الفلسطينية‏,‏الأمر الذي يستدعي وقفة لتأمل المشهد المتعلق بالترجمة‏,‏وهنا يحضرني ما قاله هاني طلبة في المائدة المستديرة التي رأستها في اليوم الأول لمؤتمر الترجمة الأخير‏,‏وهو محق في قوله‏:‏ إن هناك مترجمين قديرين لكننا لا نبحث عنهم‏,‏وهم لا يقدمون أنفسهم‏,‏وأضيف إلى قوله أن هناك عددا لا بأس به من الذين يتصدون لأعباء الترجمة قد روجوا لأنفسهم بمهنة الترجمة وأصبحوا يظنون أنهم فعلا هم القادرون حتى على ترجمة أصعب النصوص‏,‏والمعروف أن ترجمة النصوص الأدبية ووبخاصة الشعرية من أصعب الأمور‏,‏وإحدى المشكلات التي نواجهها هي أننا لا نفرق ولا نميز بين الترجمة بشكل عام وترجمة النصوص الأدبية والإنسانية‏,‏والتي فيها يكمن أكبر تحد للمترجم‏,‏ لهذا نجد أن هذه النصوص المترجمة لا تقدم شيئا للقارئ‏,‏ومن المؤسف حقا عندما نقرأ مثل تلك الترجمات نتأكد من أن المترجم أقدم عليها من دون أن يتعرف على ما يحيط بالنص من ظروف داخلية وخارجية‏.‏

‏*‏ هل هذا يعود إلى أن الترجمة تحولت إلى مهنة يتكسب منها بعضهم؟

- نعم‏,‏ هذا صحيح‏,‏وجزء كبير من الترجمة يتم من هذا المنطلق لذلك أصبح على المترجم أن يقوم بالدعاية لنفسه‏.‏

‏*‏ وما مسؤولية القارئ هنا؟

- بالطبع القارئ مسؤول مسؤولية مباشرة‏,‏لأن عليه أن يحاسب المترجم‏,‏ ويعزف عن الترجمات الرديئة‏,‏لكن في كثير من الأحيان يكتفي القارئ بأن يسمع عن عمل مترجم مهم هنا أو هناك‏,‏فيتقزم الهدف المنشود إلى مجرد تعرف القارئ على هذا العمل‏. ‏وسبب مهم من أسباب تعثر الشعر الحديث هو رداءة الترجمة من الشعر الغربي إلى العربية‏,‏فالقصيدة التي ذكرتها سابقا وهي كما قال عنها كبار الشعراء ومنهم ييتس تعد أعظم نموذج للشعر الحر‏,‏إذ أن باوند جعلها تمثل أهم مكونات الشعر الحديث بالموسيقي الداخلية والصور الرائعة التي تتكاتف لتخرج قصيدة جميلة وصفها باوند نفسه بأنها شكل موسيقي منحوت في الزمن علاوة على أنها شكل منحوت في المكان‏,‏أعني بها قصيدة العودة التي نشرت في مصر في "أخبار الأدب" وفي مجلة "الكرمل" الفلسطينية في ترجمة بعيدة تماما عن روحها وشكلها‏.‏

‏*‏ أنت مهتم بإليوت ولك أكثر من كتاب عنه‏,‏لماذا في رأيك هو أكثر الشعراء الغربيين استلهاما في شعرنا الحديث؟

- هناك أسباب خارجية نبدأ بها وهي أن إليوت كان محظوظا ببعض أساتذة قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة في الخمسينيات من القرن الماضي الذين ترجموا إليوت وشهروه ،وعلى رأسهم رشاد رشدي‏ الذي كتب رسالته في جامعة ليدز عن إليوت‏,وعندما عاد إلى القاهرة قدمه إلى القارئ العربي‏,‏بعد أن كان قد قدمه بشكل أو بآخر لويس عوض‏,‏ثم توالى الاهتمام بإليوت من طلبة هؤلاء‏,‏وهناك سبب آخر وهو أن الشاعر العربي وكذلك القارئ وجد نفسه في قصيدة إليوت الشهيرة "الأرض الخراب" ومع أن هذه القصيدة عصية على الفهم‏,‏إلا أن عنوانها وبعض عباراتها المشوقة تركت أثرها وسلطانها على القارئ العربي‏,‏إذ أن إحدى القراءات التي راجت عن هذه القصيدة هي أنها تمثل سخط الشاعر الإنجليزي الحديث على الحضارة الغربية‏,‏وأنه رأى حضارة الغرب بعد الحرب الأولى خاوية تحتاج إلى بعث روحي‏,‏وهذا الأمر صادف هوى عند العرب بسبب الموقف العدائي الغربي لهم‏,‏وبسبب الخواء الذي يعاني منه الوطن العربي بشكل عام‏,‏وقد اشتكى كثير من قراء هذه القصيدة من أن هذا التماهي الحاصل على حساب فنية القصيدة التي تكاد تضيع وسط العموميات المسبقة عليها‏,‏المهم أن هذه القصيدة استقرت في وعي الشاعر العربي والقارئ على السواء وكأنها تعبير عن حاله وأحزانه‏.‏

أما الأسباب الداخلية فهي أن الشاعر العربي وجد في إليوت خروجا على الشعر القديم التقليدي‏,‏وكان الشعر العربي أيضا يحاول هذا الخروج‏,‏وما من شك أنهم تعلموا من إليوت أن الشعر غير النثر‏,‏لا يهدف إلى التعبير عن معنى جاهز بل إنه ينتج من إيحاء العلاقات الجديدة التي يخلقها الشاعر من جراء موتيفات وأساطير ورموز لم تستخدم من قبل‏,‏بمعنى أن إليوت كان مجددا رائعا‏,‏وهو بالنسبة لغيره أسهل استيعابا خاصة من باوند‏,‏علاوة على ذلك فإن النقد الذي كتبه إليوت كان نقدا جديدا يسهل على القارئ العربي استيعابه‏,‏وأشير هنا إلى مقالته الشهيرة جدا التراث والموهبة الفردية‏,‏وغيرها من النقد الذي ترجمه رشاد رشدي وصلاح عبدالصبور ولويس عوض وغيرهم‏.‏

*كانت المنطقة تمر بفترة تحرر وطني ومع ذلك استلهم الشعراء العرب إليوت وهو محافظ فكريا‏(‏ كان ملكيا‏)‏؟ كيف تفسر هذا التناقض؟

- هذا سؤال وجيه‏,‏لكنه غير صحيح كليا‏,‏لأن فيه خلطا بين معتقد إليوت الديني‏,‏وقد صرح بأنه كاثوليكي‏,‏ومعتقده السياسي الذي صرح به وهو ملكي‏,‏هذا من جهة‏,‏ومن جهة أخرى لا توجد علاقة على الإطلاق بين الإثنين‏,‏وقد استطاع إليوت أن يفصل بين الشخص والشخصية وهي نقطة وضحها في مقالته الشهيرة التراث والموهبة الفردية‏,‏إذ بين أن أهم متطلبات الشعر‏,‏هو الفصل بين الشاعر والشخص وقال كلاما كثيرا في هذا الموضوع‏,‏وسبب هذا الفهم هوما أشاعه لويس عوض من أن إليوت شاعر عظيم لكنه رجعي جدا‏.‏

‏*‏ وهل يمكن حقا أن يكون الشاعر تقدميا في الشعر ومحافظا في الفكر؟

- هذا ممكن جدا في الشعر‏,بل وبخاصة في الشعر‏,لأن الفن العظيم لا يعرض مقولة أو رسالة بوضوح‏,‏وعلينا أن نستوحي من الفن الرسالة الغائبة‏,‏ماذا يمكن أن يقول إليوت عن الغرب أكثر مما قاله في الأرض الخراب بطريقة فنية‏,‏وخذ مثلا بداية القصيدة‏:‏إبريل أقسى الشهور بمعنى أن الغرب اعتدى على الطبيعة وحولها إلى دمار‏,‏ ولم يترك فيها إلا إبريل الذي يذكر بالموتى‏.‏

وفكرة اليساريين العرب هي التي خلقت هذا التناقض في إليوت‏,‏ولم ينج من ذلك إلا السياب وصلاح عبدالصبور‏,‏وقد حاول اليساريون أن يؤثروا بذلك على الشعراء‏,‏لكن الشعراء الكبار رفضوا هذا التناقض ولم يلتفتوا إليه‏,‏وبكل أسف إليوت لم يأخذ حقه في ترجمة مرموقة لقصائده‏,‏باستثناء الترجمة الوحيدة الجيدة التي قام بها يوسف الصائغ‏.‏

‏*‏ سؤال أخير عن الترجمة‏,‏لماذا تركز في أغلبها على الغرب الأوروبي وتتجاهل الأداب الشرقية؟

- طبيعي أن تكون علاقتنا بالغرب ثقافيا أقوى‏,‏وهذه مصادفة تاريخية غير جيدة‏,‏فوقعنا في الشرك‏,‏وكان الاستعمار ذكيا،وبخاصة الإنجليزي والفرنسي في أن يؤسس دعامة قوية لثقافته ولغته في شرقنا العربي‏,‏ وهنا أود أن أشيد بإدوارد سعيد الذي تشرب علوم وآداب وتراث الغرب ولكنه لم يشعر بفوقية هذه الثقافة‏,‏بل على العكس خلق لها منظورا جديدا‏,‏ وبين أن الغرب استثمر ثقافته في بسط هيمنته‏,‏ولم يسبق لأحد أن استطاع أن يبين للغرب في عقر داره أن ثقافته كانت مغرضة وأنها كانت في خدمة الاستعمار‏,‏وكانت هذه الفكرة نواة نظرية ما بعد الكولونيالية التي خرجت من عباءة إدوارد سعيد‏.‏

‏*‏ كنت محكما في مؤتمر الرواية بمصر في دورتين‏,‏لماذا حازت الرواية العربية كل هذا الانتشار في السنوات الأخيرة؟

- أولا‏,‏الرواية العربية جزء من الرواية العالمية‏,‏ومع الاحترام الشديد للشعر والشعراء العرب‏,‏ولا أريد هنا الانتقاص من قدرهم‏,‏ فإن الرواية هي التي تستطيع أن تمثل الهم الإنساني والعالمي الكبير‏,‏فلذلك لابد أن تتأثر الرواية العربية بمقروئية الرواية في العالم وهي كبيرة‏,‏ولا نستطيع أن نتأخر عن ركبها وإلا بقينا متقوقعين في عالم الشعر الجميل الذي لا يفي بالغرض كاملا‏.‏

بالإضافة إلى أن الجوائز الكثيرة في العالم موجهة إلى الرواية مثل‏:‏ بوليتزر والبوكر ونوبل إلى حد كبير‏.‏

‏*‏ هل هي مؤامرة على الشعر؟

- لا‏,‏هي ظاهرة أفرزتها ظروف الحياة الاجتماعية‏,‏ونذكر مثلا أن الرواية ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر بظهور الطبقة الوسطى التي أصبحت في حاجة إلى تعبير عن واقع حياتها‏,‏والرواية مرتبطة أكثر بالواقع الجديد‏,‏ولهذا نجد أن قضية الواقعية هي من أهم القضايا النقدية‏.‏

‏*‏ مع ذلك فإن النقد بشكل عام ونقد الرواية بشكل خاص قد تراجع كثيرا‏,‏ لماذا؟

- النقد لا ينشأ من فراغ‏,‏ بل ينشأ من تقاليد وأعراف أدبية‏,‏فإذا كانت الرواية والشعر الحديث حديثين عندنا‏,‏فمن الطبيعي ألا يكون النقد مزدهرا‏,‏أضف إلى ذلك غياب الترابط عندنا بين سائر المعارف الإنسانية‏,‏ فما نزال نخلط بين الواقع المعاش‏,‏والفن المتخيل‏,‏وقد وضح ذلك كثيرا خاصة في الحديث المثار حاليا في مصر عن أولاد حارتنا لنجيب محفوظ‏,‏كذلك فإن المبدع في الوطن العربي مظلوم جدا لأن النقد متراجع جدا عن مواكبة الإبداع‏.‏

‏*‏ النقد الموجود‏,‏على قلته‏,‏يركز على الحديث عن النظرية الأدبية ويبتعد عن التطبيق‏,‏ما سبب ذلك؟

- لأن النظرية أسهل ارتيادا‏,‏مع أن هذا لا يعني أنها أيسر فعلا‏,‏لأن الوظيفة الرئيسية للنظرية هي التطبيق‏,‏والتطبيق أصعب من مجرد التنظير والتعلق به‏,‏والوحيد الذي نجح في فهم النظرية وتطبيقها هو إدوارد سعيد في كتابه‏:‏ الناقد‏,‏ النص العالم‏.‏

التعليق