مؤنس الرزاز وضع "فاصلة في آخر السطر" ثم خلد إلى "سلطان النوم"

تم نشره في الخميس 9 شباط / فبراير 2006. 10:00 صباحاً
  • مؤنس الرزاز وضع "فاصلة في آخر السطر" ثم خلد إلى "سلطان النوم"

في الذكرى الرابعة لرحيل صاحب "متاهة الأعراب في ناطحات السحاب"
 

 

زياد العناني

 عمان-   كلما تعاظم الغياب يزداد اسم الروائي مؤنس الرزاز حضورا وتألقا سواء في المدونة النقدية او بين متلقي ابداعه الروائي منذ روايته الاولى "احياء في البحر الميت"  مرورا  بـ "اعترافات كاتم صوت وانتهاء بمسيرته الجوانية التي ضمت سيرته الذاتية وتشكلت منها".

   امس حلت الذكرى الرابعة لغيابه مذكرة بفاجعة الرحيل المفاجئ لهذا الروائي الذي ولد في العام 1951 وغادر الدنيا اثر عارض صحي بعد ان ناهز الخمسين بعام واحد فقط غير انه انجز احد عشر عملا روائيا اضافة الى مجموعتين قصصيتين وعدد من الترجمات الاجنبية.

يسجل لمؤنس الرزاز انه اول من وضع الرواية في الاردن على خارطة الكتابة الروائية العربية حسبما قال الناقد فخري صالح الذي لفت الى اصرار مؤنس على انجاز الرواية تلو الرواية في مشروعه الممتلك لناصية التنوع الروائي وحرارة التجربة الشخصية التي وزعها على اعماله كلها.

   كما يسجل له انه كان الاكثر كتابة وتحريضا واستقلالية وشجاعة وهو الذي كان من اولئك الذين يبكرون في الرحيل ليخلفوا اختلالا في التوازن بين من يدعو الى الحرية ويدافع عنها وبين من ينكرها ويلجم حنجرتها.

ويرى د. خالد الكركي في مقدمته لـ "كتاب في جريدة- الذاكرة المستباحة- الذي صدر تكريما لمؤنس الرزاز واعترافا بجهوده الابداعية ان الراحل كان صوتا متميزا في الرواية العربية الحديثة منذ الثمانينيات لافتا الى ان هذا التميز ينبع من التكوين المركب لمؤنس الذي جمع بين ثقافة دار الفلسفة والكاتب الصحافي والمترجم وبين خبرات المسافر وراء الحلم القومي في عواصمه الكبرى وتجربة المقاتل اضافة الى ممارسة العمل السياسي والحزبي.

   ويتطرق د. الكركي الى رواية الرزاز الاولى (احياء في البحر الميت) مبينا انها شكلت انتقالا في رؤية الواقع العربي ونضجا في التشكيل الروائي حيث شكل الرزاز الضلع الثالث للمثلث الذي دخل بالرواية الاردنية فضاء الحداثة لافتا الى ان تشكل المثلث قد بدأ بتيسير سبول عندما نشر روايته "انت منذ الآن" بعد نكسة 1967 ثم غالب هلسا الذي نشرت رواياته منذ اوائل السبعينيات "الضحك" و "السؤال" و "البكاء على الاطلال".

   اما الناقد العراقي ماجد السامرائي فلفت الى تميز مؤنس على مستوى الفن الروائي مشيرا الى امتلاكه خصوصية روائية ولافتا الى انه غير مقلد ولا متأثر بمن سبقوه من حيث استطاعته تمثل الواقع العربي المعاصر وانكساراته ، مؤكدا انه وعلى مستوى الموضوع الروائي قد استأثر بموضوعات تغنينا جميعا وتتواشج مع حياتنا وهزائمنا وانكساراتنا واحلامنا.

   ويجمع نقاد عرب واردنيون على ان مؤنس الرزاز قد انتصر للرواية التجريبية دون غلو او ذهاب الى المناطق البيضاء التي تمحى فيها كل الحدود وينصرم فيها الحبل الرابط بين النص الروائي ومتلقيه لافتين الى انه لم يفرط او يضحي بالميثاق التواصلي بين الكاتب والقارئ او بين النص ومرجعه.

ويؤكد اخرون على انه كتب الرواية عن موقعين: موقع المجايلة- التزام الكاتب بالمرحلة التي نشأ فيها- وموقع الكاتب المنخرط في قضايا وطنه ومصير امته خصوصا وان رواياته حملت دواخل اشخاص التفاهم واخرين اقام معهم صداقات عميقة طوال حياته ، لافتين الى انه قد دمج البعد الشخصي في تجربته الروائية بطريقة تغريبية وتذوبية مبينين ان التجريبية لديه قامت على اختبار السرد وقدرته على تصوير الواقع في روايته التي شككت في مادتها على الدوام.

   ويشير الروائي الياس فركوح الى ان الموت في حياة مؤنس يشكل موضوعة تستحق الدراسة لانها موجودة في كل نصوصه.

اما الشاعر عبدو وازن فرى ان الرزاز بنى عالما روائيا بامتياز واسس لغة خاصة هي لغته بامتياز عطفا على القضايا التي عالجها بجرأة وسخرية فاضحا آلية "الماكنة" السياسية التي تحكم العالم العربي.

فيما رأى الشاعر سميح القاسم ان مؤنس الرزاز كان منفتحا على الاخر مقتديا بروح الحضارة العربية الاسلامية وبعبقرية الاخذ والعطاء البعيدة عن الشتنج والتعصب والانغلاق.

   ويقول الرزاز في مقدمة أعماله الكاملة الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2003: "هذه الاوراق التي قر قراري على ان ادفع بها الى المطبعة هي اوراق كتبها صديقي "عناد الشاهد" وهو يعبر في حالات من التحولات والتنافر والانقلابات النفسية والروحية والمادية لا تنتهي الا بموته".

ويشير الرزاز الى ان هذه الاوراق فيها رواية تتشكل ولا تتشكل... تتقمص سيرة ذاتية وضد السيرة الذاتية لافتا الى ان اللغة فيها تتضارب وايقاع نبضها يتضارب والوجوه تتحد لتنفصل وتتحلل لتعود فتتحد ثم تشظى.

كما يشير الرزاز الى ان هذا التشظي يعود الى عدة اسباب اولها الفوضى ثم عناد النفس فقد كان "عناد" يصف امامه على الطاولة اوراقا بيضاء واحدة تلو الاخرى فيكتب بضعة اسطر من مشروع روايته التي كان يسميها "عرب" تارة ويسميها "اعراب" طورا اخر تيمنا بـ "جويس" ثم ينقلب على نحو مفاجئ الى الورقة الثانية المحاذية فيكتب فيها ضربا من السيرة الذاتية ثم ينتقل بغتة الى الورقة الثالثة فيسجل كلمات الآخرين التي تشمل اقول صديق "ابو الموت".

   يذكر ان الروائي مؤنس الرزاز بدأ حياته الروائية بثلاثيته الشهيرة "احياء في البحر الميت" واعترافات كاتم صوت ومتاهة الاعراب في ناطحات السحاب ثم "سلطان النوم وزرقاء اليمامة" و"ليلة عسل" و"فاصلة في سطر اخر" و"مذكرات ديناصور" والذاكرة المستباحة والشظايا والفسيفساء اضافة الى اعماله الكاملة التي جاءت في جزئين وصدرت في العام 2003.

التعليق