الحياة بعد الخمسين: بدايات جديدة للتأمل وتذوق ثمار ما كان احتماله صعبا

تم نشره في الثلاثاء 24 كانون الثاني / يناير 2006. 09:00 صباحاً
  • الحياة بعد الخمسين: بدايات جديدة للتأمل وتذوق ثمار ما كان احتماله صعبا

 جمانة مصطفى

عمّان- قال أحد الفلاسفة الإغريق "متى احتفظ الإنسان بقدرته على الاندهاش من أصغر الأشياء، فمعنى ذلك أنه ما يزال طفلا".

كثيرون هم الذين خبروا عدة حيوات داخل عمر واحدة، رغم الاعتقادات المغلوطة السائدة عن مرحلة الشيخوخة، إلا أن أصحاب القلوب الشابة والصدور المتسعة تجاهلوها واستمروا في صنع بدايات جديدة لحياة أجمل ما بعد الخمسين.

ولعل الأقوال الشائعة في هذا الصدد أن سعادة التقدم في العمر هي في رؤية الأبناء يكبرون، والأحفاد يولدون، ورغم صحتها فضل بعضهم صنع سعادته الخاصة غير المرتبطة بامتداده العائلي.

ويعتقد عضو مجلس الأعيان فالح الطويل(71 عاما) أن الإنسان يجني ثمار جهده وتعبه بعد الخمسين. إلا أن هذه المكافأة التي تتجلى عقب رحلة"البحث عن الجمال" كما سماها والتي لا تأتي دفعة واحدة، بل تعتمد على استعداد الإنسان وتركيبه الثقافي والعاطفي والفكري الذي بناه خلال عمره.

ويرى الطويل أن الهدوء الذي يتسم به العمر في العقد الخامس يسمح للإنسان بأن يتوج إنجازاته السابقة بالعمل التطوعي والتأثير في القرارات العامة من خلال الاندماج في نشاطات مؤسسات المجتمع المدني.

ويستذكر مقولة لأحد الكتاب الروس الذي قسم العمر إلى ثلاث مراحل، الثلاثين عاما الأولى للبناء، والثانية للاجترار والتمثل، أما الستين وما بعدها فهي لإعادة انتاج التجربة من خلال الكتابة والأدب.

ويختلف المعنى الذي تحمله هذه السن لكل من الرجل والمرأة، خصوصا لدى النساء اللواتي أولين جمال المظهر الخارجي أهمية كبرى، كذلك لارتباطه بالتغيرات الهرمونية المترتبة على انقطاع الطمث "سن الأمل"، الذي كان يسمى سن اليأس.

وترى الكاتبة اللبنانية سميرة المصري في مقالة لها بعنوان(الحياة تبدأ بعد الخمسين): "كثيرا ما تتناقل الألسن في مجال الحسرة على ما فات"ألا ليت الشباب يعود يوما"، وأتساءل مع من يرددها: هل غشيت أعينكم عن الإيجابيات الكثيرة لمرحلة ما بعد الشباب؟".

وتنظر سميرة التي تعدت عقدها الخامس إلى الوراء بغبطة الطفل. وتعتبر أنها تجاوزت مرحلة البناء، سواء أكان عملاً أم عائلة، إلى التمتع بقطف الثمار وحصاد العمر وتخطي الشباب الكادح.

وتقول بأنها تعيش حالة من الرضى والاستقرار النفسي يفتقدها سن الشباب اللاهث وراء تحقيق الأحلام، وتتربع على عرش أمومتها بعد فراغها من واجباتها الكثيرة، وتنعم بحرية لم تكن متاحة لها في سني الشباب الأولى.

وتعيش سهاد(51 عاما) الآن حياة آمنة. فبعد أن توفي زوجها الأول وهي في أواسط الثلاثين رفضت فكرة الزواج آنذاك للتفرغ لتربية ولديها وابنتيها. وبعد أن تزوج الأبناء، وخلت الحياة إلا من فرحة إنجاز الواجب، تعرفت سهاد إلى جار أرمل يبحث عمن تشاركه حياته، وتم الزواج بالفعل، وكلاهما يعيش اليوم حياة مستقرة وسعيدة كما وصفتها سهاد.

ويشرح الدكتور محمد الورداني طبيب النسائية والتوليد طبيعة هذا العمر للنساء وكيفية تجاوز الصعوبات المصاحبة له، بقوله: إن انخفاض هرمون الاستروجين الذي يلعب دوراً رئيساً في الحفاظ على حيوية المرأة ويحميها من الإصابة بأمراض القلب وهشاشة العظام، يشعر المرأة بنوبات من الحر، والأرق والشعور بالإرهاق والتعب والصداع وسرعة خفقان القلب. وهي أعراض مؤقتة لا تلبث أن تزول، لتبدأ المرأة بالاستمتاع بحياتها من جديد وضمن فترة أكثر استرخاء، كما يؤكد على مراجعة الطبيب الذي يصف للمرأة الحبوب البديلة التي تخفف من هذه الأعراض أو تزيلها تماما.

وأوضحت دراسة لمؤسسة نيو اينجلاند للأبحاث أن المرأة في هذه السن لا تكون أكثر اكتئاباً، وأنها فترة مؤقتة لن تلبث أن تزول لتكتشف في هذه المرحلة أنها تتمتع بحرية أكثر، كونها تخلصت من العديد من الأعباء، ما يتيح لها أن تزاول أنشطة جديدة عديدة ومفيدة.

إلى ذلك، يرى استشاري الطب النفسي الدكتور فوزي العبابنة الرئيس السابق لجمعية الأطباء النفسيين الأردنية أن البدايات بعد الخمسين وإن كانت متاحة لأي كان، إلا أنها ترتبط بقابلية الشخص لهذه البداية، ويتمتع الشخص بالقدرة على استغلالها تبعا لحصيلته الثقافية والاجتماعية أثناء فترة الطفولة والمدرسة والجامعة والعمل والزواج وكل ما سبق تلك المرحلة.

ويشجع العبابنة على هذه البدايات ومحاولات تخطي الماضي وعدم التعلق به، رغم تفاوت صعوبة هذا الأمر "فقد يصل الإنسان إلى الخمسين وهو مرهق أو مريض".

ويمر بعض الرجال كما يقول العبابنة بفترة حرجة في هذه السن، تدعى بالمراهقة المتأخرة، والتي تحدث لبعضهم كنوع من الرفض الداخلي للضعف الجنسي، وغياب الفحولة، فتكثر النزوات أو العلاقات العاطفية غير الجدية.

ويتناول الفنان السوري رفيق السبيعي(مواليد 1930)  جماليات الحياة بعد الخمسين، مقارنا بين شبابه والأيام التي يعيشها اليوم، فالنجاح لا يأتي بسهولة كما يقول، فهو محصلة سنوات من الجهد والإصرار والإيمان بالذات، وهو ما سيحصده الإنسان بعد المضي في العمر. ويشكر السبيعي السماء التي منحته من العمر ما يكفي لرؤية حياته وراءه، وهو الذي يعترف أن دولاب الزمن لا يعود إلى الوراء. يقول بأن العمر"كله جميل"، ولكل مرحلة خصوصيتها، ومع التقدم في السن نصل إلى متع لم يمنحنا إياها شبابنا، فنبلغ الحكمة والخبرة والنظرة الأعمق إلى الحياة،"وفي مثل سني يمسي التأمل في الأحداث والتجارب احدى متع الحياة".

ويعتقد السبيعي أن الإنسان عموما والمبدع بشكل خاص لا يتوقف عن العطاء مهما تقدم في العمر، لأنه يستثمر خبرته ورصيده من التجارب في خدمة إبداعه. وفي الحياة لا يوجد"تقاعد"، وفي اللحظة التي سيتوقف فيها الإنسان عن العطاء سيشعر أنه مات ولو كان ما يزال على قيد الحياة.

إن لكل مرحلة جمالياتها، كما يؤكد الطويل، وان قمة المتع الإنسانية تتمثل في تلك "الدهشات الفكرية في التحليل والتأمل التي تفوق متعة الجنس"، والتي لا يمتلك الإنسان ملكاتها إلا مع التقدم في السن.

ومن القصص الاستثنائية لحياة جديدة ما بعد الخمسين ما رواه البروفيسور جوزيف ميرفي عن والده في كتابه "قوة عقلك الباطن" وهو الذي يحرض على تغيير النظرة إلى الحياة من أجل تغيير أحداثها.

ويروي ميرفي كيف أن والده كان يحلم دائما بتعلم اللغة الفرنسية، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق هذا الحلم إلا وهو في الستين من عمره.

وبالفعل استمر الأب حتى حصل على الدكتوراة وهو حاليا يدرس اللغة الفرنسية في احدى الجامعات الأميركية.

التعليق