صالح: تقاعس المؤلف عن حماية حقوقه يساهم في انتشار القرصنة

تم نشره في الجمعة 20 كانون الثاني / يناير 2006. 10:00 صباحاً
  • صالح: تقاعس المؤلف عن حماية حقوقه يساهم في انتشار القرصنة

ناقد يؤكد أن نجيب محفوظ لا يوزع من كتابه أكثر من 5 آلاف نسخة 
 
 

 

  عمّان - الغد- دعا الناقد فخري صالح إلى أن تقوم دور النشر بتوزيع طبعات شعبية (زهيدة الثمن) الأمر الذي يمكن أصحاب الدخل المحدود من الحصول عليها، كخطوة في سبيل ترويج القراءة وإتاحتها للجميع.

   ويرى صالح أن حقوق الطبع في العالم العربي حقوق مهضومة، والذي يهضم هذه الحقوق جهات متعددة منها الناشر والموزع وطبيعة تشريعات الملكية الفكرية ومدى تفعيلها والالتزام بها.

   وحصل فخري صالح على جائزة فلسطين للنقد الأدبي (1997)، وعلى جائزة غالب هلسا للإبداع الثقافي (2004)، كما نشر عددا كبيرا من الكتب حول الثقافة العربية: القصة القصيرة الفلسطينية في الأرض المحتلة (1982)، في الرواية الفلسطينية (1985)، وهم البدايات: الخطاب الروائي في الأردن (1993)، أفول المعنى في الرواية العربية الجديدة (2000)، دفاعا عن إدوارد سعيد (2000). وقد ترجم عن الإنجليزية عددا من الكتب في النقد والنظرية الأدبية: "النقد والأيديولوجية" لتيري إيجلتون (1992)، و"المبدأ الحواري: ميخائيل باختين" لتزفيتان تودوروف (1996).  

   هنا حوار مع صالح يتصدى للتحديات التي يواجها المؤلف والمثقف العربي اليوم وعلاقتها بالوضع العام لحقوق الطبع وصناعة النشر في العالم العربي. 

 

هل هناك مشكلة فعلية يواجهها المؤلف العربي اليوم فيما يتعلق بحقوقه؟   

اعتقد أن هناك مشكلة فعلية فيما يتعلق بحقوق المؤلف في العالم العربي وأنا أريد أن أتحدث في هذا السياق عن حقوق المؤلف الكاتب الذي يقوم بعمل مصنف ثقافي أو إبداعي أو كل ما يتصف بما هو مطبوع من الأعمال الكتابية. حقوق الطبع في العالم العربي حقوق مهضومة، والذي يهضم هذه الحقوق جهات متعددة منها الناشر والموزع وطبيعة تشريعات الملكية الفكرية ومدى تفعيلها والالتزام بها.

حماية حقوق المؤلف

هل لحماية حقوق الطبع أثر في عملية النشر والتوزيع؟

نعم، فهذه المسائل مرتبطة ببعضها البعض أكثر مما نعتقد. فعدم حماية حقوق المؤلف يعني أن فرصة نسخ كتبه واردة، وهو ما يدفع دور النشر إلى خفض عدد الكتب الموزعة لأنها تدرك بأن نسبة معينة من الكتاب المطلوب ستلبى عن طريق النسخ والتصوير. علينا أن ندرك أن عدم حماية حقوق المؤلف وعدم منع توزيع كتبه وتصويرها بصورة غير شرعية يؤثر في صناعة النشر ويكبدها خسائر كبيرة.

ولكن ألا ترى أن السماح بتصوير الكتب قد يشجع الناس على القراءة مثلاً؟

بالتأكيد لا، فالسماح بنسخ كتاب ما يقرر إلى درجة معينة الكميات التي سيتم توزيعها منه.  وإذا كانت عدد الكتب الموزعة من كتاب ما قليلة فهذا يعني أن سعرها سيكون مرتفعاً والعكس صحيح،  كلما زاد توزيع الكتاب، انخفض سعره. إذن، إذا تمكنا من منع تصوير الكتب بشكل تام فهذا سيزيد من توزيع الكتب الأصلية مما سيساهم في خفض سعرها ويشجع على القراءة!

ضعف القراءة في الوطن العربي ليس بأمر بسيط، ما هي مسببات ذلك برأيك؟

المشكلة ليست بهذه البساطة فهناك عوامل كثيرة تؤثر في ضعف القراءة في الوطن العربي وارتفاع سعر الكتاب هو أحدى هذه المشاكل. والحل هو أن تقوم دور النشر بتوزيع طبعات شعبية (زهيدة الثمن) الأمر الذي يمكن أصحاب الدخل المحدود من الحصول عليها.

بيئة النشر والقراءة في الأردن

دعنا نعود إلى مسألة تفريط الكاتب بحماية حقوقه، ما هي الأسباب برأيكم؟

أعتقد أن بيئة النشر والقراءة في الأردن ليست بالمستوى الذي يدفع الكاتب للاهتمام بتسجيل وحماية مؤلفاته، فنرى أن معظم الكتاب اليوم يقومون بنشر وتوزيع أعمالهم عبر لبنان ومصر لتوفر أدوات النشر والتوزيع وشريحة كبيرة من القراء، لذا فإن مستوى صناعة النشر والتوزيع في الأردن وطبيعة القارئ المحلي تؤثر في درجة اهتمام المؤلف بحماية حقوقه.

كيف يمكن معالجة هذه المشكلة برأيك؟

أعتقد أن وجود قوانين ملزمة للمؤلف أو لدور النشر بتسجيل المؤلفات في المكتبة الوطنية هو أمر بالغ الأهمية حيث أن حماية حق المؤلف تؤثر على عملية توزيع ونشر كتبه في نظري. كما ذكرت سابقاً، هذه المسائل مرتبطة ببعضها بعضا وأعتقد أن التأكيد على حماية حقوق المؤلف هو الحلقة الأولى لحل هذه المشكلة.  

بالمقابل، فإن عملية تسهيل إجراءات التسجيل لدى المكتبة سيكون في مصلحة الجميع أيضاً. بالإضافة إلى ذلك يجب أن تكون لدينا في العالم العربي هيئات أو مؤسسات صغيرة لترويج الكتاب تعمل كوكلاء للكاتب، تعرف باسم  Literary Agents.

 

كيف تساهم هذه الهيئات في حماية حق المؤلف؟ 

إن من مصلحة الوكيل (Literary Agent) أن يحصل على أفضل عرض من قبل دور النشر المختلفة للمؤلفين الذين يمثلهم، وبالتالي يأخذ نسبته من الكتاب الذي ينشره لمؤلف معين ويوقع عقداً مع الناشر في إطار قانوني. لكن هناك نقطة أساسية وهي أن الدولة أو المؤسسات المسؤولة عن حقوق التأليف والنشر لا تستطيع ان تحمي حقوق المؤلف إذا لم يحم المؤلف حقوقه بنفسه. 

وماذا عن طبيعة العقد ما بين الناشر والمؤلف؟

هناك عقود ما بين الطرفين، لكن عندما يطالب الكاتب بحقه في نسبة الربح المتفق عليها يأتي الناشر ويحرمه منها بحجة أنه لم يبع عددا كافيا من النسخ، وكيف لي كمؤلف أن أتأكد أن الناشر قد طبع 1000 نسخه وليس 3000. الجهات المخولة بحماية حقوق المؤلف قادرة على إحصاء النسخ المطبوعة من كل كتاب، وهذا يساهم في ضمان بعض من حقوق المؤلف.

وما دور المؤسسات التعليمية والمكتبات العامة في حماية حق المؤلف؟

في الحقيقة أن كثيرا منها يعتدي على حق المؤلف، وقد شاركت في مؤتمر قبل عدة أشهر يتعلق بحرية حقوق التعبير عقدته مكتبة الاسكندرية واستعرضت خلاله الإجراءات التي تقوم بها بعض المكتبات في أوروبا لحماية المؤلف من ضمنها مبلغ صغير يرصد للمؤلف كلما قرئ كتابه في المكتبة وتعطى هذه للمؤلف، فحتى قراءة الكتاب عندهم لها مردود مادي على المؤلف.

وأود أن انوه هنا إلى مسألة أخرى تتعلق بالمؤسسات التعليمية وهي تصوير الكتب الأكاديمية وأعتقد أن هذه الظاهرة والتي انتشرت بكثرة في قطاع التعليم العالي تتأصل في أن أغلبية الطلاب لا يستطيعون توفير ثمن المادة الأصلية. أضف إلى ذلك قيام مؤسسات التربية والتعليم في بعض الدول العربية بطباعة ونشر مؤلفات بصورة غير قانونية. ولدي تجربة في هذه القضية حيث تم إدراج بعض من أعمالي في منهاج ثقافي لطلاب البكالوريا في إحدى الدول العربية، ناهيك عن قيام بعض من دور النشر العربية بطباعة وتوزيع مؤلفاتي بصورة غير قانونية ومن دون إذني.

هناك قضية أخرى لا نستطيع التغاضي عنها وهي النشر الإلكتروني، فعدد كبير من مقالاتي ينشر في الكثير من المواقع من دون علمي ومن دون أن أتقاضى أجراً على ذلك. توجد قوانين اليوم توفر الحماية للمادة المنشورة الكترونياً من شأنها أن تحفظ حقوق المؤلف ولكن تحتاج تلك القوانين إلى وقت حتى يتم تبنيها وتفعيلها في العالم العربي.

تحديات النشر

لنتحدث بتفصيل أكثر عن دور النشر وتحديات النشر في العالم العربي.  

دور النشر في مصر ولبنان هي الأقوى بين الدول العربية ومصر تكتفي بالتوزيع محلياً نظراً لعدد سكانها الهائل (ما يزيد عن السبعين مليون نسمة) والموزع في لبنان لديه الخبرة والقدرة على تسويق الكتاب إقليمياً وعالمياً وإيصاله لأكبر عدد من القراء. والدليل أن بعض مؤلفاتي الصادرة عن دور نشر لبنانية قد بيعت لمكتبة الكونغرس وبعض الجامعات الأميركية في ولاية فرجينيا.

 

وللأسف فإن قطاع النشر والتوزيع في العالم العربي اليوم في حالة من الهوان، فنسبة توزيع الكتاب قد انخفضت بصورة كبيرة بالإضافة إلى عدد قرائه. سكان العالم العربي 300 مليون نسمة، لنفرض أن 150 مليونا من هؤلاء قراء، كيف لهم الإطلاع على المؤلفات العربية التي توزع بالآلاف بل بالمئات في بعض الأحيان؟

يقال بأن نجيب محفوظ لا يوزع من كتابه أكثر من خمسة آلاف نسخة في العالم العربي، هذه كارثة! يقال أيضاً أن محمود درويش أشهر شاعر في الوطن العربي وأكثر شاعر مقروء، يطبع طبعتين من دواوينه، تنفد هذه النسخ في اقل من عام ثم يقوم بطبع خمسة أو عشرة آلاف نسخة، أعمال كاتب كدرويش يجب أن يوزع منها مائة ألف نسخة في الوطن العربي على الأقل!

في إسرائيل (6 مليون نسمة) طُبع من رواية "المتشائل" على سبيل المثال خمسون ألف نسخة بالعبرية ووزعت كلها. وربما طبعت طبعات أخرى، تصور أنه عندما يترجم محمود درويش إلى العبرية ربما يوزع أكثر مما يوزع في الوطن العربي، أليست هذه مأساة؟

عندما اعلم أنني لا أوزع ولا أقرأ بشكل جيد أبدأ بالتنازل عن حقوقي وأفقد الاهتمام بها شيئا فشيئا. الحقيقة أنه كلما زاد عدد النسخ الموزعة أصبح المؤلف حريصاً على حقوقه وسلك القنوات القانونية لحماية مؤلفاته.

التعليق