معركة مفتوحة مع الرجل حول القيود والحريات القليلة

تم نشره في الأربعاء 18 كانون الثاني / يناير 2006. 10:00 صباحاً
  • معركة مفتوحة مع الرجل حول القيود والحريات القليلة

غادة السمان"امرأة عربية وحرة "

 

عمّان- الغد- يصدر للأديبة غادة السمان واحد من كتبها في مطلع كل عام وصار هذا التقليد السنوي واحداً من المواعيد التي تضربها السمان مع قرائها لاستكمال سلسلة"الأعمال غير الكاملة"، وصدر لها أمس العدد 16 من المجموعة بعنوان"امرأة عربية.. وحرة" ضم باقة من مشاريع العناوين التي فكرت بها قبل ان تختار الحالي والنهائي، حسبما أفادت صحيفة(المستقبل) اللبنانية أمس.

 لكن استعراض هذه العناوين وحدها يشير الى القارئ ويوحي بشيء من المضمون المتجه بالتأكيد الى فكرة مناصرة وتأييد المرأة او "الدفاع عن حقوق المرأة" حسب التعبير المتفق عليه منذ الستينيات وثورة الستينيات في القرن العشرين التي ادت الى مفاهيم مغايرة بخصوص المرأة وحياتها وحقوقها وفكرة "مساواتها" او "مساواة" حقوقها مع حقوق الرجل. ومن بين هذه العناوين المقترحة:"الاجنحة المتمردة" و"الجنية تغادر القمقم" و"سوبر وومن عربية"، "وحبر في حمام النساء" و"نهاية زمان شبيك لبيك" وغيرها من العناوين التي تصب جميعها في معركة"المرأة" او "تحرر المرأة" التي كان لها الأثر الكبير في الحقبة الماضية ما قبل نهاية القرن العشرين. وتعود هذه المعركة مع اصدائها ولكن مع عناوين ومقالات وتواريخ تعود الى زمن الستينيات والسبعينيات حين كانت المعركة في اوجها عبر مقالات للسمان ثم نشرها في حينه:"دستورنا.. نحن الفتيات المتحررات" بتاريخ 1961 او "جريمة ان تعشق الجارية اصفادها" من العام 1961 ايضا، او "يقظة المرأة.. قدر معاصر" من العام 1982 وصولاً الى مقالة بعنوان: "ماذا لو كنت رجلاً؟" كتبتها بتاريخ 2005 اي قبل صدور الكتاب بأيام قليلة، وكأنها تريد ان تؤكد بذلك ان المعركة ما زالت دائرة ومفتوحة على الجدل الواسع حول حياة وواقع المرأة العربية وفسحة الحرية القليلة المعطاة لها وصراعها لاتساع دائرة هذه الفسحة، فإذا بحثنا في كتاب"امرأة عربية.. وحرة" لا يمكن الحديث عن تأليف او كتابة جديدة للسمان ذلك ان فكرة الكتاب استجماع لمقالات قديمة لإرساء فكرة او قضية تحرير المرأة على امان او لتظهر الكاتبة لنفسها ولقرائها مدى مشاركتها في هذه المعركة المحتدمة حتى اليوم وان بأساليب مختلفة او بنبرة مغايرة على اثر بعض التغييرات التي حملها افول القرن الماضي.

وإذا الكتاب كناية عن مجموعة مقالات فلا شك في ان القارئ سيستمتع بطريقة ما بقراءة مقالات السمان وان كان عمر المقالة اطول من عمره وان كانت تواريخ المداخلات قد تسبق تاريخ ولادته، ذلك ان اسلوب السمان لا يخلو من متعة واثارة عبر افكارها وطريقتها في طرح هذه الافكار ومعالجتها ومناقشتها، فهي وان تطرح في الكتاب فكرة قديمة لكن من المؤكد ان القارئ سوف يقمع في سحر كتابتها لما تتمتع به من جمالية كبيرة في الوصف والتحليل والسرد. وهي جريئة كفاية هنا وهناك في انتقاءات توجهها ولا تتأخر عن نقد لاذع وبناء في الاجمال.

تقول في مقالة عنوانها:"الرجل العربي الجميل" كتبتها عام 1988: "حينما يتحدث الرجل الفرنسي عن كلبته، يقول اشياء افضل بكثير مما قاله توفيق الحكيم في المرأة كقوله:"الجمال هو العذر الوحيد الذي به نغفر للمرأة كل تفاهاتها وحماقاتها!! فالفرنسي يغفر للكلبة "تفاهاتها" نظرا لوفائها ودفء انسها، لا لجمال خارجي يصلح لمديح الدمى!!"

كذلك لا تخلو كتاباتها من سخرية وتهكم وروح دعابة ايضا في وصفها العديد من المواقف التي عاشتها او شاهدتها وراقبتها من موقعها وجملتها او زادتها رونقاً بأسلوبها الحي. ففي"شهريار يغسل الاطباق" تدعو القارئ إلى مسرحية صغيرة او الى مشهدية من الحياة اليومية تتحول بأسلوبها الى نكات متهكمة ساخرة ومضحكة مع انها تضرب على الاوتار الحساسة في مسائل حياتية وعائلية في مجتمعنا. كذلك في"السوبر وومن" او "السوبر حمقاء"؟ تدين المرأة التي تأخذ على عاتقها كل المسؤوليات لتغير في موقع حرج يجعل المجتمع يطرح السؤال بشكل جدي: "هل هي حقا سوبر وومن؟ أو انها سوبر حمقاء تصل بنفسها الى الهلاك الجسدي والنفسي من فرط المسؤوليات خارج البيت وداخله؟

في هذا الاطار، تعالج السمان الموضوع من كل جوانبه ولا تترك في كل هذا المجال لضرب معايير محددة في مسائل أخرى تتعلق بالحب وبالآخر اي الرجل، فللحب عندها مكانة مقدسة والرجل أو الحبيب بشكل خاص.

يطل هنا من نوافذ صغيرة ومن خلفيات الحكايا والقصص وهو بطل بنظرها، انما بطل من نوع آخر، بطل للمشاعر المجردة المطلة على المرأة من علياء المشاعر النبيلة التي تسعى اليها حين لا تعيدها تقاليد المجتمع الى واقع صعب وقبيح ومهين.

عناوين كثيرة في هذا الكتاب تثير القارئ وتحث على المتابعة: "المزاد العلني للتفاهة"، "فرنسية من نيس تصطاف في صيدا"، "تحرير الحمقاوات من حريتهن"، "القدر كاتب تقليدي ايضا"، وأخيراً: "الذكور: نريد المساواة مع المرأة" وغيرها من العناوين التي تضع اسلوب السمان التهكمي فوق كل اعتبار ليصير فعل الكتابة بحق فوق اعتبار القضية المطروحة او على أقله في مستواها.

التعليق