كتاب جديد يميط اللثام عن رجل الاعتدال والتسويات الأخلاقية

تم نشره في الثلاثاء 17 كانون الثاني / يناير 2006. 10:00 صباحاً
  • كتاب جديد يميط اللثام عن رجل الاعتدال والتسويات الأخلاقية

تجربتي مع الحريري

 

زياد العناني

  عمان - يسرد الكاتب الفضل شلق في كتابة "تجربتي مع الحريري" الصادر عن الدار العربية للعلوم تجربة خمسة وعشرين عاما من العمل مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري بدءا من آواخر العام 1978.

   وتعود تجربة شلق مع الحريري الى معاصرة الحرب اللبنانية ومن ثم اتفاق الطائف وما بعده اضافة الى تعاطيها مع الشأن العام في القطاعين الخاص والعام انطلاقا من عمليات التنظيف والاعمار خلال وبعد الغزو الاسرائيلي لبيروت مرورا بجمع النفيات واصلاح انابيب الماء والصرف الصحي وترميم الطرق والارصفة عندما كانت بلدية بيروت معطلة عن العمل اضافة الى المجال الانساني وما واكبته هذه التجربة من عمليات توزيع المساعدات الغذائية وغيرها عندما انسدت في وجه كثير من اللبنانيين في مختلف المناطق سبل العيش.

   ويلفت شلق كيف ان هذه التجربة اسهمت في تعليم اكثر من ثلاثين الف طالب جامعي في لبنان والخارج عندما لم يبق امام الشباب وسيلة للعمل سوى الانضمام الى الميليشيات كما يلفت الى انجاز هذه التجربة لاتفاق الطائف عندما يئس معظم اللبنانيين من امكانية انتهاء الحرب ثم كان الاعمار انجازا ضخما في مرحلة السلم بتحريك وتحفيز من قيادة رفيق الحريري الذي تنافست في شخصه القدرة على العطاء بسخاء يندر مثله مع الرؤية والمغامرة.

   واختار الكاتب شلق اسلوب السؤال والجواب في صياغة الكتاب لتقديم قراءة سهلة مستساغة اضافة الى ملحق بعنوان كيف اغتيل رفيق الحريري على مدى اعوام قبل ان يقتل في 14 شباط, يقول فيه: "نادرا ما يكون لحادثة اغتيال فردي الاثر على مجتمع بمقدار ما كان لجريمة قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن عرفه عن قرب يدرك لماذا, لكن الشعور بالخسارة كان عاما والمسألة تتجاوز الشأن الفردي وتتعلق بتحولات جذرية تصيب لبنان والمنطقة".

   ويستذكر شلق عندما اعطى الحريري في العام 1982 أوامره بالشروع بتنظيف بيروت من اثار الحصار الاسرائيلي واعادة البسمة الى وجهها ولم يسأل عن الكلفة ولم يطلب موازنة.

كما يستذكر شلق كيف انطلقت مؤسسة الحريري في العام 1984 وكيف ان الراحل كان يعرف ما يريد ويفرض التركيز على التعليم الجامعي وعلى مساعدة كل لبناني يطلب العلم.

ويتطرق شلق الى الدور السياسي للحريري مؤكدا على انه كان في السياسة رجل الاعتدال والتسويات لأن مزاجه الاخلاقي والديني كان كذلك ولأنه كان يدرك في اعماق الوعي واللاوعي ان السياسة بمعناها الاشمل والارحب يجب ان تكون تراكما للتسويات وقرارات الاعتدال لافتا الى ان الحريري كان يعطي للجميع من مختلف المناطق والمذاهب وما كان ينتظر مكافأة من احد على العطاء والاهم من ذلك كله انه لم يحاول يوما الثأر ممن حاولوا النيل منه وعرقلة مشاريعه مذكرا بارتكابات "شرق صيدا" وكيف ان الحريري لم يتخذ اي اجراء بحق العاملين معه من الطوائف الاخرى والبالغ عددهم في حينه بضعة الاف انتقاما لما اصب مدينته واهلها?

   كما يتطرق شلق الى ايمان الحريري بالنظام وكيف انه كان وقبل وصوله الى السلطة يحيط الدولة بكل ما من شأنه ان يجعلها تقف على قدميها لتمارس مهامها كدولة وكنظما وكيف انه مول الخطة من ماله الخاص وكذلك الحال في ترميمه وتجهيزه لمبنى العدلية الذي صار لاحقا مركزا لمجلس الانماء والاعمار اضافة الى تمويله لتجهيزات الجيش وقوى الامن الداخلي.

   ويعود شلق الى العام 1992 يوم جاء الحريري الى السلطة حاملا معه حلما ورؤية لمشروع الدولة مبينا ان هذا المشروع تحطم على صخور النظام اللبناني وعلى اقدام الطبقة السياسية التي استطاعت تجديد نفسها بعد اتفاق الطائف والتي استوعبت نتائج وتداعيات الحرب الاهلية بكفاءة عالية كما استوعبت الدور السوري في لبنان والتي وازنت بينه وبين خصومه في محاولة لاستيعابه واستيعاب الدولة ومشروعها في ثنايا النظام.

   ويفصل شلق فكرة استيعاب الدولة ومشروعها في بتأكيده على ان النظام اللبناني جزء من منظومة سياسية عربية تتكامل فيها الانظمة وتتشابه رغم الفروق بين خطاب ثوري ومحافظ وبين خطاب ديمقراطي وتسلطي وبين خطاب رجعي وتقدمي مشيرا الى انه وفي جميع هذه الانظمة يطغى القطاع العام ويشكل القطاع الخاص جملة نشاطات تدور حول القطاع العام وتفتقد ما يسمى المبادرة الفردية او روح المغامرة او الاستقلالية التي تعبر عن الحرية والاعتداد بالانجاز وكل ما لا يكون القطاع العام طرفا فيها او متفضلا به, مبينا انه كان غريبا على المنظومة العربية ان تتشكل في لبنان بعد اتفاق الطائف نظام جديد مؤسس على المشاركة ليس فقط بمعنى مشاركة الطوائف في النظام حسب حصص مقررة سلفا بل مشاركة الناس كمواطنين في الدولة منوها الى انه بمقدار ما كان رفيق الحريري رمزا لاتفاق الطائف وهو الذي كان دوره في الوصول الى هذا الاتفاق يتعدى الرمزية بكثير فقد قدر له ان يبقى خارج السياق العربي وسواء اكان مقبولا لدى بعض الانظمة كشخص او كفرد فإنه بقي مرفوضا لديهم جميعا كمشروع يحمل بذور التغيير.

التعليق