كشف النقاب عن خبايا المجتمع المصري واسراره

تم نشره في الاثنين 9 كانون الثاني / يناير 2006. 10:00 صباحاً
  • كشف النقاب عن خبايا المجتمع المصري واسراره

 احسان عبدالقدوس في ذكراه الخامسة عشرة

 

عمان- الغد-   مع مطلع العام الجديد تضيء في ذاكرة الأدب العربي ومضة ، تعيد إلينا صورة ذلك الأديب الذي سطر فى قصصه ورواياته وكتاباته الصحفية صورة المجتمع المصري في ارتفاعه وهبوطه.. في كبواته وانتصاراته.. وكشفت النقاب عن كثير من عيوبه.. إنه الأديب المصري إحسان عبد القدوس.

ولد عبد القدوس بالقاهرة في العام 1919، ووالدته هى فاطمة اليوسف ، عملت ممثلة على مسارح شارع محمد علي وشارع عماد الدين في عقدي العشرينيات والثلاثينيات، وتزوجت من ممثل مسرحي من الدرجة الثالثة هو محمد عبدالقدوس، ولم يدم زواجهما سوى ثلاثة أشهر ثم انفصلا ، وهي حامل بإحسان، ثم قررت فاطمة فجأةً أن تدخل معترك السياسة، من خلال إصدارها لمجلة حملت اسم (روز اليوسف) وهى من أوائل المجلات السياسية العربية.

   وأصبحت روز اليوسف مؤسسة صحافية كبرى. أصدرت مطلع الستينيات مجلة أسبوعية أخرى باسم (صباح الخير) ولعل أغرب ما في قصة السيدة فاطمة اليوسف ــ التي ولدت في مدينة طرابلس اللبنانية في لعام 1897 وتوفيت في العام عام 1958- أنها لم تكن تعرف كيف تكتب وكانت توقع بصعوبة، وكان خطها أشبه بخط طفل صغير، ومع ذلك فقد كانت قارئة ممتازة وذواقة رائعة.

  وفي مقال لإحسان بـ "روز اليوسف" يقول: "ولدت لأبي محمد عبدالقدوس ولأمي فاطمة اليوسف التي عرفت باسم ‏"روز اليوسف‏"‏ وكلاهما فنان ‏,‏ أبي كان مهندسا في الحكومة‏,‏ ثم تركها وتفرغ للفن كلية‏,‏ كان كاتبا يكتب المسرحيات والشعر والزجل ويمثل على مسرح ويلقي مونولوجات ويضع كلماتها وألحانها‏.‏ وأمي كانت ممثلة‏..‏ وقد رباني جدي لأبي وكان أزهريا ومتحفظا إلى حد التزمت في كل ما يفرضه الإسلام‏,‏ ورغم ذلك كان متميزا بتقدير الفن والفنانين‏.‏ لذلك عانيت التمزق بين مجتمعين‏ أثرا في تكوين شخصيتي وعقليتي‏.

   بدأ إحسان كتابة نصوص أفلام وقصص قصيرة وروايات وبعد ذلك ترك مهنة المحاماة ووهب نفسه للصحافة والأدب واصبح بعد اقل من بضعة سنوات صحافيا متميزا ومشهورا، وروائيا وكاتبا سياسيا، وبعد العمل في روز اليوسف تهيأت له كل الفرص والظروف للعمل في جريدة الأخبار لمدة ‏8‏ سنوات ثم عمل بجريدة الأهرام وعين رئيسا لتحريرها‏.

   ‏‏وكان موقف إحسان السياسي هو رفض النظام الملكي والأحزاب التقليدية كان أيضا يتمسك بآرائه حتى أنه ترك رئاسة مؤسسة ‏(أخبار اليوم‏)‏ لخلاف مع‏ الرئيس أنور السادات وقيل بسبب نشر مقالات لمصطفى أمين بعد خروجه من السجن دون علم إحسان واصبح كاتبا متفرغا بالأهرام,‏ ثم اصبح في العام  ‏1975‏رئيسا لمؤسسة وتحرير الأهرام ثم تركها فجأة بعد شهور‏ ،وقيل بسبب رفض إحسان نقل بعض من كتاب وصحافيين يساريين‏,‏ كذلك رفض إغلاق (مجلة الطليعة‏)‏ التي كان يرأسها لطفي الخولي‏ وسافر إلى الخارج فترة ثم عاد كاتبا متفرغا في الأهرام,‏ ولاحظ القارئ حينها انه صمت عن الكتابة في السياسة وانفجرت موهبته القصصية والروائية فأبدع كما غزيرا من الأعمال بعد قراره ألا يتولى مناصب صحافية أو رسمية، ‏فقد عرض عليه السادات أن يصبح وزيرا فاعتذر‏‏.

   ومن القضايا الهامة التي فجرها إحسان بقلمه الحر وكان لها صدى كبير قضية الأسلحة الفاسدة عقب حرب فلسطين عام1948 وقد اتهم الملك بتقاضي عمولات ورشاوى في صفقة الأسلحة الغربية مما تسبب في نكبة فلسطين وكانت تلك الفضيحة أحد أسباب اندلاع ثورة 23يوليو والتي قادها ضباط الجيش ضد النظام الملكي في مصر.

   توقفت عدسة إحسان الروائية عند نوعيات من البنات والنساء غالبيتهن من شرائح المجتمع العليا‏,‏ أو يمكن أن نسميهن بنات البورجوازية الكبيرة‏,‏ لذلك أعطي اهتماما لإشكاليات وأحلام وحياة البنت من الطبقة المتوسطة الصغيرة‏ - سكان المدن‏,‏ وركز على عواطفهن وأحلامهن حول الرجل‏.‏ وقد اكتسبت الرواية على يديه صبغة ديمقراطية بمعنى أنها جعلت جمهور القراء كله على مستوى واحد تقريبا‏,‏ يتلصص من خلال تجاربه القصصية المتعددة البانورامية‏,‏ على جراح وأزمات المجتمع المصري‏,‏ خاصة الطبقات المتوسطة والبيئة الأرستقراطية,‏ وخبايا وأسرار مجتمع السادة وأصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي قبل وبعد ثورة‏1952‏ العسكرية‏.‏

   وعرى إحسان في قصصه العديدة هذه العيوب في المجتمع والتي تشكل خطا رئيسيا في كلية أعماله في تتابعاتها منذ الخمسينيات في ‏(النظارة السوداء‏),‏ و‏(‏ شيء في صدري‏),‏ و‏(‏ لا أنام‏)‏ حتى التسعينيات في قصص روز اليوسف والأهرام تحت باب ‏(أمس واليوم وغدا‏),‏ كذلك روايات ‏(يا عزيزي كلنا لصوص‏).‏ يكتب‏(‏ إحسان‏)‏ في مقدمة قصة‏ (‏الساعات الأخيرة قبل الغروب‏) : "كثير من القصص التي كتبتها ترسم شخصيات من المجتمع الذي كنا نطلق عليه قديما لقب ‏(أولاد الذوات‏)‏ وهو مجتمع يمثل طبقة الرأسمالية والإقطاع‏,‏ ولكن هذه الطبقة لم تنقرض ولم تنته أبدا خلال الثورة وإلي اليوم وإن كانت قد تغيرت أسماؤها وألقابها‏,‏ وقد مرت مرحلة انتقلت فيها هذه الطبقة إلى داخل النظام البيروقراطي‏,‏ وتغيرت بالتالي الألقاب التي يحملها أفرادها‏,‏ فلم تعد ‏(باشا‏)‏ و‏(بيه‏)‏ و‏(صاحب الرفعة‏)‏ ولكنها أصبحت‏(سي السيد‏) (‏الوكيل الأول‏)‏ و‏(‏المدير العام‏)‏ و‏(الوزير‏)‏ و‏(رئيس مجلس الإدارة‏)‏ و‏(العضو المنتدب‏),‏ ثم انتقل المجتمع إلى مرحلة أخرى اتسعت فيها هذه الطبقة‏,‏ فأصبحت أغلبيتها من رجال الأعمال وهي التي نعيش بينها أو التي استطاعت أن تبرز أخبارها في الصحافة وتبرز شخصياتها في القصص‏ " المهم أني عندما أعرض هذه القصص فإني لا أقول رأيا ولكني أسجل ربما للوحة ‏(اجتماعية‏)".‏ وبأسلوب التعرية النقدية للمجتمع تأتي قصة ‏(خيوط على مسرح العرائس‏)‏ و‏(الصيد في بحر الأسرار‏),‏ وعلى الدرب نفسه يكشف عبدالقدوس عن ملامح مجتمعية ونفسية غائبة في رواية " لا أنام"..

   وعلى العكس تماما يصف الأديب الراحل عباس العقاد لأدب إحسان بأنه "أدب فراش وأدب جنس" الأمر الذي ما يزال صداه يتردد في آذان النقاد، ومن جهة أخرى كان إحسان متهما بأنه استبعد الدين تماماً من قصصه" وأنه برر للخيانة الزوجية، وجعل علاجها في إحدى قصصه بأن تقوم الزوجة بالخيانة أيضا وان تكون لها علاقات برجال آخرين، وبذلك تتساوى شخصيتها مع شخصه، وعندما رفضت الزوجة فكرة الخيانة، اتهمها طبيبها بأنها تسير وفق تقاليد متحفظة، مهملاً الجانب الديني. واتهم بأنه جعل "الحب فوق الحلال والحرام، وهاجم الحجاب والفصل بين الجنسين".

التعليق