تغير السلوك الصحي يقلل من الأمراض ويزيد من الإنتاجية

تم نشره في السبت 17 كانون الأول / ديسمبر 2005. 10:00 صباحاً

 عمان- فكرة التثقيف الصحي فكرة موجودة منذ القدم فقد وجد الحكماء والأطباء في مخلتف العصور أن المطلوب هو حفظ الصحة والرقي بها وليس فقط مداواة المرضى.

وقد حفل القرآن الكريم والسنة المطهرة بالكثير من الهدي المرتبطة بصحة الإنسان والأمثلة على ذلك كثيرة قال الله تعالى (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا حل بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها).

ما هو التثقيف الصحي؟

- قد يخطئ من يظن التثقيف الصحي عملية سهلة وبسيطة تهدف إلى نشر المعلومات الصحية عن طريق المنشورات ووسائل الإعلام، ولكن التثقيف الصحي من أصعب الأشياء لأنه يهدف إلى تغيير السلوك.

فالهدف الأساسي هو التأثير على السلوكيات وليس فقط نشر المعلومات إذ إن المعرفة لا تؤدي بالضرورة إلى تغير السلوك والدليل على ذلك أن الأطباء يعرفون ضرر التدخين ولكن يبلغ نسبة المدخنين بينهم حوالي 40- 60?.

إذن فالتثقيف الصحي هو ذلك الجزء من الرعاية الصحية الذي يعنى بتحسين السلوك وهو مجموعة من الخبرات المنظمة والمصممة لتسهيل التبني اللا إرادي للسلوكيات المعززة لصحة الأفراد والجماعات والمجتمع.

وتعرف عملية تغير السلوك على أنها تحسين أو تعديل لعدة سلوكيات غير صحية كنتيجة لتدخل خارجي سواء كان تثقيفياً أو غيره.

ومثال على ذلك في حالة مرض تليف الكبد الذي تتم معالجته طبياً وعن طريق تغيير سلوك المريض، فكما سمعنا في الآونة الأخيرة عن وفاة لاعب الكرة الانجليزي المشهور(جورج بست) الذي كان مدمناً على الكحول وتَلِفَتْ كبده، وقام الأطباء بزراعة كبد جديدة له ومنعوه من شرب الكحول ولكنه عاد لعادته القديمة وكانت النتيجة أنه فقد حياته بسبب سلوك غير صحي.

من السهل أن يكتب الطبيب الدواء ومن السهل للمريض أن يتناوله ولكن من الصعب أن تغير سلوك إنسان أدمن على التدخين أو المشروبات الغازية وقلة الحركة.

ولذلك جاء دور المثقف الصحي ليساعد الناس في التعرف على مشاكلهم الصحية وحلها وممارسة قدر أكبر من السيطرة عليها وذلك بتمكينهم من اكتساب المهارات اللازمة لاتخاذ القرار المناسب بشأن صحتهم.

مع تذليل المعوقات البيئية والاجتماعية التي تحول دون اتباعهم السلوك المناسب, وهذا ما يسمى بمصطلح تعزيز الصحة, فعلى سبيل المثال لا أستطيع أن أنصح الناس وأدعوهم لتطعيم أطفالهم ضد مرض معين ولا أوفر لهم هذا اللقاح في أقرب مستوصف لمنطقتهم أو أن يكون سعره غير مناسب لهم.

وقد أثبتت عدة دراسات أن عملية تغير السلوك الصحي تقلل من حدوث الأمراض وحدوث المضاعفات الناتجة من الأمراض, وتزيد من الإنتاجية في العمل عن طريق تقليل معدل الغياب في العمل بسبب المرض.

وتوصلت دراسة أخرى إلى أن نمط حياة الإنسان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحدوث المرض والوفاة كما بينت أيضاً أن عدد الوفيات المبكرة تعود في المقام الأول إلى حوادث السيارات, وثانياً أمراض القلب, وثالثاً حوادث أخرى(منزلية- حوادث رياضية..) ورابعاً الأمراض التنفسية وسرطان الرئة.

وهذه كلها يمكن تجنبها بتغيير سلوك المجتمع عن طريق التثقيف الصحي فعلى سبيل المثال يمكننا التقليل من حالات سرطان الرئة عن طريق زيادة التوعية بأضرار التدخين حيث أثبت أنه المسؤول عن حوالي 90? من حالات السرطان.

في دراسة أخرى أجريت في جامعة كاليفورنيا على سبعة آلاف شخص وجدت أن هنالك سلوكيات صحية إذا اتبعها الإنسان فإنها تحافظ على صحته, وهذه السلوكيات هي:

1- ثلاث وجبات منتظمة خلال اليوم.

2- إفطار صباحي صحي.

3- تمارين رياضية منتظمة عدة مرات في الأسبوع (تقريباً ثلاث مرات).

4- سبع إلى ثماني ساعات نوم.

5- المحافظة على وزن مثالي .

6- الامتناع عن التدخين والكحول.

ويتقدم العلم, ويتطور الطب والأدوية واللقاحات تكتشف وكل يوم نسمع عن دراسة جديدة وعلاج جديد.. ولكن رغم هذا تزداد الأمراض والمشاكل الصحية... إذاً ما هي الحلقة المفقودة في ذلك؟؟

يعتقد العلماء أنه التثقيف الصحي، فبإمكاننا تجنب الكثير من المشاكل الصحية عن طريق التوعية.

أثبتت الدراسات أثر التثقيف الصحي الفعال في زيادة وعي المجتمع بأهم المشكلات الصحية ما يساعد على الوقاية منها والتحكم أكثر بها.

فإذا علم مريض السكري وعائلته بكيفية التحكم في معدل السكر في الدم وكيفية التعامل مع أعراض الانخفاض والارتفاع فإننا نضمن أن يعيش حياة طبيعية وأن يتجنب المضاعفات مستقبلاً من الفشل الكلوي إلى بتر الأطراف الذي يكلف الدولة تكاليف إضافية لعلاجه ويرهق طاقة المستشفيات.

وكما هو الحال مع مريض الربو فمع تثقيفه بمرضه وكيفية التعامل معه والبعد عن المثيرات فإننا بذلك سنقلل عدد مرات ذهابه للطوارئ عندما تفاجئه أزمة الربو التي قد ينجو منها وقد يفقد حياته أثناء ذهابه للمستشفى بسبب عدم علمه بكيفية معالجة نفسه.

هذا ولم يعد التثقيف الصحي نوعاً من الترف أو موجهاً كما يقال للفئة المخملية للوصول إلى حالة اللياقة الصحية.. كما في تعريف لمنظمة الصحة العالمية ظهر قبل خمسين عاماً وهو أن الصحة حالة المعافاة الكاملة جسدياً ونفسياً واجتماعياً وليست مجرد الخلو من المرض أو العجز.

ويتناول التثقيف الصحي جميع المواضيع المتعلقة بالسلوك الصحي أو التي يمكن تجنبها عن طريق التوعية أو حتى تحسين جودة الحياة

والارتقاء بالصحة ورفع مستوى الفرد إلى أعلى مستوى ممكن.

ومن هذه المواضيع: الأمراض المزمنة(كالسكر والضغط والربو)، والأمراض المعدية، وصحة الأم والطفل وصحة الأسنان، والتغذية، والرياضة واللياقة البدنية، والصحة المدرسية، والصحة المهنية، وصحة البيئة، والتدخين والمخدرات، والوقاية من الحوادث والإصابات، والصحة النفسية، ومكافحة العنف والإرهاب، والإسعافات الأولية وغيرها.

وأخيراً يجب علينا التذكير بأن مسؤولية التثقيف الصحي هي مسؤولية كل شخص مؤهل يعمل في الرعاية الصحية بدءاً من الطبيب واختصاصي التثقيف الصحي مروراً بالممرضة إلى الاختصاصي النفسي.

ومن حق كل مريض يحصل على التشخيص والدواء أن يجد شخصاً يحاوره ويعطيه جزءاً من وقته ليجيبه عن جميع تساؤلاته ويساعده على اتخاذ القرار المناسب.

التعليق