مسرحيون اردنيون : فرج كان رمزا عربيا يحمل فكرا انسانيا

تم نشره في الأربعاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2005. 10:00 صباحاً

في تأبين الكاتب المسرحي المصري

 

محمد جميل خضر

 

   عمان- غيب الموت قبل ايام الكاتب المسرحي المصري ألفرد فرج بعد معاناة مع مرض السرطان.

وبانتصار خلايا الموت اخيرا على خلايا الحياة تكون قد انطوت سيرة كاتب مر بتقلبات عديدة وتنقل خلالها بين الموقعين الازليين للمثقفين والمبدعين العرب موقع المعارضة للسلطة, وموقع التقرب منها والالتقاء معها على قواسم مشتركة.

   ففي نهاية خمسينيات القرن الماضي كان الراحل الفرد فرج من بين الشيوعيين واليساريين الذين زج بهم عبد الناصر الى السجن, وفي نهاية ستينيات القرن الماضي بدأ فرج التبشير لمرحلة الثورة عبر نصوص مثل "حلاق بغداد" او "الزير سالم" وغيرهما.

واعتبر المخرج المسرحي الاردني حاتم السيد ان رحيل فرج هو خسارة حقيقية للمسرح العربي "الذي فقد بموته احد اعمدته في الكتابة المسرحية" واوضح السيد كيف كان الراحل يوظف التراث والتاريخ ويسقطه على حاضر الامة.

   ورأى الكاتب والمخرج والممثل المسرحي غنام غنام ان فرج كان يمثل علامة فارقة في الحراك المسرحي العربي خصوصا في الاشتغال على الموروث واستنطاقه بشكل معاصر.

واعتبره مدير مديرية الفنون المسرح المخرج نبيل نجم من المسرحيين العرب الكبار الذين اسهموا مساهمة اساسية فيما وصل اليه المسرح المصري خصوصا والعربي على وجه العموم.

   والى جوار سعد الدين وهبة ونعمان عاشور وسواهما اعتبر فرج من رواد الحركة المسرحية العربية عموما والمصرية على وجه الخصوص. وتتلخص مفردات تميز الراحل في كتاباته المسرحية التي بلغت زهاء 25 نصا مسرحيا بدأها العام 1975 بـ "سقوط فرعون" باحتفائه بالتراث واقتباسه كثيرا من مقولاته الشائعة خصوصا عبارات السخرية من التراث والثقافة الشفوية المصرية.

وبين فترات السجن ومراحل النفي (اقام في لندن منفيا عددا من السنوات) وجد الفكر العربي الرسمي مساحة لتكريم الراحل الذي ولد في 14 حزيران من العام 1929. ومن اهم ما ناله مصريا وعربيا: جائزة الدولة التقديرية, وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولى, جائزة الدولة التشجيعية للتأليف المسرحي, جائزة الامارات للادب, جائزة القدس من الاتحاد العام للادباء والكتاب العرب وميداليات ودروع تكريم من قرطاج بتونس ومسرح الخليج بالكويت.

   وتداخلت في اعماله المسرحية ودراساته الجوانب الموضوعية مع الذاتية, وعكس بعضها خصوصا ما كتب في النص الثاني من ستينيات القرن الماضي نفسا تصالحيا مع السلطة وتسامحيا شموليا نحو الناس والشعوب على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم حتى ان بعض النقاد رأى في نهجه وكتاباته تطبيقا لمقولة "اذا ضربك احد على خدك الايمن فأدر له الايسر".

وبغض النظر عن الرؤية الايدلوجية والفكرية المؤسسة لنصوصه المسرحية الا ان فرج قدم خلال مسيرته الممتدة على مساحة نصف قرن من الابداع والكتابة اعمالا تحمل نكهة خاصة تفوح منها حرارة الحي الشعبي, وتتناثر في ثناياها اوجه عديدة للسخرية بألوانها المختلفة ومخرجاتها المتعددة.

   ومن الاعمال التي كتبها وتحولت الى اعمال مسرحية وبأكثر من وجهة نظر اخراجية: "النار والزيتون"، "القريب"، "العين السحرية"، "حلاق اشبيلية"، "غراميات عطوى ابو مطوة"، "الاميرة والصعلوك"، "عسكر وحرامية"، "رسائل قاضي اشبيلية". وترجمت "علي جناح التبريزي وتابعه قفه" الى الالمانية والانجليزية.

وهو استلهم التراث في معظم اعماله خصوصا "الزير سالم" التي رأى فيها بعض النقاد قراءة مبكرة استشرافية للواقع العربي الممزق ولعوامل الفرقة والتناحر الثاوية فيه.

   وتحدث حاتم السيد عن العلاقة القوية التي كانت تربطه بالراحل منذ اواسط ستينييات القرن الماضي عندما كان السيد حينها طالبا في المعهد العالي للفنون المسرحية في اكاديمية الفنون بالقاهرة. وذكر ان بدايات تعرفه على فرج كانت من خلال الدراسات والابحاث التي كان يجريها طلبة المعهد على نصوص واعمال جيل الرواد في المسرح العربي والمصري, ومن خلال مشاهدة نصوصهم التي تتحول الى عروض.

واكد السيد ان الفترة التي برز فيها فرج تعتبر فترة الذروة في الحراك المسرحي المصري. وقال "ما عزز علاقتي بالراحل في تلك الفترة الصداقة الحميمة التي قامت بيني وبين شقيقه الراحل ايضا مجدي الذي كان من دفعتي وتخصص بعد التخرج بالكتابة النقدية المسرحية".

   ولم يستبعد السيد بعض اوجه الاختلاف بين ما كان يطرحه الراحل من افكار ورؤى في كتاباته وبين ما كان يتبناه في تلك الفترة خصوصا انه كان وقتها في فورة الشباب والحماس.

وذكر كيف انه اختار ان يكون اول عمل مسرحي يخرجه العام 1973 بعد عودته من القاهرة وحصوله على الشهادة الجامعية في الاخراج والتمثيل "الزير سالم" الذي كتب الفرد فرج نصه, ووصف كيف لاقت المسرحية نجاحا كبيرا.

واشار إلى ان نجاح "الزير سالم" شجع مخرجين آخرين على تقديم نصوص اخرى لفرج ومنهم المخرج احمد القوادري (من نفس دفعة السيد ايضا) الذي اخرج في العام الذي تلاه "حلاق بغداد" ولاقت هي الاخرى نجاحا كبيرا.

وذكر انه كان ينوي الى ذلك اخراج "علي جناح التبريزي وتابعه قفة" بعد ان اختار الراحل اسامة المشيني لتأدية دور التبريزي فيما اختار الفنان زهير النوباني لتأدية دور التابع قفه, الا ان وفاة اسامة المفاجأة والمفجعة اجهضت المشروع.

   واكد ان "حلاق اشبيلية" كتبها فرج بتكليف منه بينما كان يقيم الراحل في لندن, ليصار الى تقديمها في عمان, الا ان الكلفة الانتاجية التي تبين انها تحتاجها بعد ان انهى فرج كتابة نصها حالت كما اوضح السيد دون تقديمها محليا فيما سارع كثير من المخرجين العرب في دول عربية وضعها الانتاجي افضل من وضعنا الى تقديمها وتحويلها الى عمل مسرحي.

   وقال غنام "افاد الراحل من تقنيات الفنون الشعبية في صياغة فنون النص المسرحي خصوصا فن السخرية او المسخرة".

وأكد بأن فرج اثرى المكتبة المسرحية العربية بنصوصه التي عرضت على معظم مسارح العالم العربي، مبينا إن فرج كان يحتفظ بمنظومة علاقات مع الكتاب والمسرحيين العرب جعلته اكثر تفاعلا وتأثيرا في رسم صورة المسرح العربي.

وذكر غنام انه كان له شخصيا شرف اللقاء بالراحل في العام 1994 من خلال مشاركته في الملتقى العالمي لعروض المسرح العربي وتقديمه مع فريقه مسرحية "الزير سالم" التي تفاجأ فرج كما تفاجأ غيره بأنها "لا تستند للنص الذي كتبه في الستينيات بل تستند على نص كتبته انا من وجهة نظر مغايرة وعلق يومها على العمل قائلا "كتبت هذا النص قبل 25 عاما ولم اتوقع ان يدخل احد هذه الحكاية من الباب الثاني" .وكان ذلك حسب غنام في سياق التعليق الايجابي على الصيغة التي قدم غنام فيها العمل.

وقال غنام "وفاة الفرد تذكرني بوفاة اخيه الاصغر الراحل مجدي فرج قبل اعوام, ذلك الناقد الحصيف الذي كان يتابع بدقة كل نتاجاتنا وآخر مقال كتبه قبل موته كان حول عملنا "حياة... حياة" التي قدمتها بين ما بين 2001/2002".

   وذكر نجم أن الراحل استطاع ان يقدم المسرح العربي الى العالم عبر اعماله التي قدرها نجم بـ 45 عملا متنوعا ومتعدد الموضوعات والدلالات.

وقال "كان مبدعا يتصف بإنسانية عالية ورمزا من رموز الابداع العربي ورسولا للفكر الحر على المستوى الانساني".

واكد بأن عطاءات فرج واعماله لا يمكن ان تنسى متسائلا فمن ينسى "سليمان الحلبي" و "النار والزيتون" و "الزير سالم" و "علي جناح التبريزي وتابعه قفة". وزاد "من ينسى ريادته واهتمامه المسؤول بالتراث والفولكلور من خلال اعماله".

واشار نجم إلى ان كتابات فرج المسرحية تعكس فكرا راقيا وهادفا وأنها حركت الدافع الابداعي عند كثير من المخرجين العرب الذين قدموها من زوايا ووجهات نظر مختلفة, وفيها حسب نجم دعوة مفتوحة للحوار الخلاق والتأمل العميق.

التعليق