الفقر والحاجة ترمي بملايين الأطفال إلى الشوارع

تم نشره في الأحد 4 كانون الأول / ديسمبر 2005. 09:00 صباحاً

    عمان- اغتالتهم مخالب الفقر والتشرد، حُرِمُوا من أبسط حقوقهم في اللعب واللهو، وقذفتهم الأمواج لبئر الرذيلة .. هذه باختصار مأساة أكثر من 100 مليون طفل حول العالم؟ ليسوا أيتامًا فيسكنوا الملاجئ، ورغم وجود أهاليهم أحياءً فهم لا يعيشون معهم .. بل وجدوا ضالتهم في الشوارع ووجد الشارع ضالته بهم فعصف بهم في تيارات الانحراف والإجرام والاستغلال الجسدي، إنهم أطفال الشوارع.

   فقد ذكر موقع  منظمة هيومان رايتس ووتش في تقرير نشرته في التاسع عشر من شهر فبراير "شباط" عام 2003 أن الحكومة المصرية تجري حملات قنص جماعية على أطفال "جريمتهم" أنهم بحاجة للحماية.

دراسة

   وفي دراسة جريئة للدكتورة فوقية رضوان استاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة الزقازيق تبين أن إجمالي اطفال الشوارع في العالم بلغ 100 مليون طفل منهم 40 مليون طفل في اميركا اللاتينية ومن 25-30 مليون طفل في آسيا و20 مليون طفل في افريقيا و25 مليون طفل في باقي انحاء العالم .

   كنا نظن أنها مشكلة تضم بضع مئات من الأطفال نراهم دائمًا يتخذون من أرصفة مصر المحروسة مأوى لهم ومن ترابها غطاءً ومن فتات الخبز طعامًا... ولكن فاجعتنا تضاعفت حين علمنا أن التشرد لم يقتل أبناء مصر فحسب؟ ولكن هذا الوباء اللعين استشرى في بقاع العالم حتى أكل أضلعه وباتت الكلمات أضعف من أن تصف صورة أطفالنا الذين لا ذنب لهم سوى أنهم لم يجدوا من يقدِّر قيمة الإنسان !!

   بأي مستقبل نحلم حين يعيش أكثر من 100 مليون طفل في العالم في الشوارع، ويستغل نحو 60 مليون منهم في الدعارة؟!!

   هذه بعض الإحصائيات المفزعة التي يرصدها كتاب "الآمال والتحديات أمام طفولة الغد" الذي يبين أن هناك أكثر من 250 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 14 و 15 سنة يستغلون في أعمال مختلفة، وأغلب هذا العدد يعيش في آسيا وأفريقيا، وأميركا الجنوبية، وكذلك أوروبا التي يبلغ عدد الأطفال الذين يستغلون في العمل فيها نحو 2 مليون طفل.

   كما يوضح الكتاب الصادر عن (مركز خدمات المنظمات غير الحكومية، وجمعية كاريتاس مصر) أن ظاهرة التبني وبيع الأطفال وإجبارهم على العمل، والتسول والإتجار في المخدرات يتسع مجالها خاصة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، كما أن هناك مواقع أميركية تقدم عرضًا لبيع الطفل بمبلغ 27440 يورو وفي بعض الأحيان يأخذ أسلوب البيع شكل المزاد التجاري.

   ويرصد كتاب "الأطفال بلا مأوى أو المعرضون للخطر" العدد المخيف لموتى الأطفال في العالم الذي يتجاوز عشرة ملايين طفل كل عام رغم أنه من الممكن التدخل والعمل على منع هذا العدد من الوفيات، هذا غير أنه لا يزال هناك 100 مليون طفل غير ملتحقين بالمدارس و60% منهم من البنات، بالإضافة إلى أن هناك 150 طفلا يعانون من سوء التغذية، ويرصد الكتاب تفشي فيروس نقص المناعة المكتسبة الإيدز، بسبب الفقر والاستعباد والتمييز العنصري، كما يشير الكتاب إلى أنه مازال هناك ملايين الأطفال يتم تدميرهم بسبب أعمال تتسم بالخطورة وتتصف بالاستغلال، كما يتم بيع الأطفال والإتجار بهم.

   ومن أخطر المشكلات التي تواجه الطفولة في المجتمع العربي مشكلات الطفل الذي يطلق عليه "الطفل بلا مأوى" أو "طفل الشارع" وهو بتعريف الكتاب "الطفل الذي عجزت أسرته عن إشباع حاجاته الأساسية الجسمية والنفسية والثقافية كناتج لواقع اجتماعي اقتصادي تعايشه الأسرة في إطار نظام اجتماعي أشمل دفع به إلى واقع آخر تُمارس فيه أنواعً من النشاطات لإشباع حاجاته من أجل البقاء مما قد يعرضه للمساءلة القانونية بهدف حفظ النظام العام ".

في مصر .. تجارة الرصيف

   وإذا اقتربنا من الصورة في العالم وتحديدا في مصر نجد الصورة اتخذت قالبًا اقتصاديًا خفيًا يسمى"تجارة الرصيف" وهو اقتصاد خفي كأنشطة المخدرات والدعارة وتجارة السلاح، إلا أنه شرعي.. يُطلَق عليه رجال الأعمال كما ذكر موقع "إسلام أون لاين" اسم تجارة الرصيف أو "بيزنس الرصيف".

   ففي الشوارع المصرية تجد أطفال الشوارع (وهم الأطفال دون الثامنة عشرة كما عرفتهم تقارير الأمم المتحدة) في كل مكان وفي كل موقع يبيعون أي شيء من أجل رغيف الخبز، بداية من قطع غيار السيارات، مرورًا بالأجهزة الكهربائية المنزلية، والحاصلات الزراعية، وانتهاءً بالمناديل الورقية وأوراق الأدعية والأذكار الدينية، وكل ذلك يتم في الخفاء، ورغم مطاردة جهاز شرطة المرافق، الذي أنشئ خصيصًا لهذا الغرض في مصر.

   ويتسع هذا النشاط نتيجة للأوضاع الاقتصادية العثرة التي تعاني منها مصر، فهو المصدر الوحيد للدخل لدى أكثر من نحو 5 ملايين نسمة حسب تقديرات الخبراء، تدفعهم الحاجة والبطالة والفقر إلى آخر ما تعاني منه الأسرة المصرية.

   وغير مجهول ما تتعرض له الفتيات في هذا الكابوس من محاولات التحرش والاعتداء الجنسي التي يأتي معظمها من قبل أبناء "الذوات" وقائدي السيارات الضخمة، كما يساق كثير من أطفال الشارع إلى أوكار الدعارة ليضاف عدو جديد إلى قائمة أعدائهم من فقر وجوع ومطاردة وخوف .

   وذكرت الباحثة انه بالرغم من عدم وجود احصائيات دقيقة الا انه يمكن الاشارة ان اطفال الشوارع في مصر وصل الى 93 ألف طفل اما في اليمن طبقاً لتقدير اتحاد الجمعيات غير الحكومية بـ 7000 طفل بينما وصل في السودان الى 36931 طفل عدا الولايات الجنوبية في حين استدل على عددهم في الأردن من عدد المتسولين والمتشردين الى 673 عام 1998م .

   هذا بالاضافة الى ان 96% من الأطفال المتسولين في شوارع الرياض من السعوديين و68% من الاطفال الباعة في الشوارع غير سعوديين ونسبة 6.56 % من الأطفال المتسولين إناث، وأن معظم الاطفال تمتد أعمارهم ما بين 6-8 سنوات .

أسباب ونتائج

   وتتلخص الأسباب الرئيسية لهذه المشكلة في الفقر وعدم قدرة كثير من الأنظمة الاقتصادية في البلدان المذكورة على توفير الحدود الدنيا من التأمين الاجتماعي، أما العامل الأكبر وراء هذه الفاجعة التي تحرق الحاضر والمستقبل فهي انفراط عقد الأسرة التي تفككت إما بالطلاق أو الخلافات أو العنف ضد الطفل مما أدى بالطفل إلى الهروب من حطام الأسرة إلى براثن الشارع.

   وإلى جانب ذلك تأتي أسباب أخرى كأفلام العنف والأفلام الإباحية التي توغلت سمومها حتى في المجتمعات المحافظة، وكذلك الهجرة المتدافعة من الريف والمدن بالإضافة إلى الحروب الداخلية.

   أما ثمار هذه الأسباب فتبدأ من الانحراف خصوصًا أمام عدم وجود رادع، ثم إدمان السجائر والكحول والمخدرات، بالإضافة إلى ما يخلفه المبيت في الشارع من أمراض مختلفة ليس السل والسرطان بأولها ولا آخرها.

   وفي هذه البيئة الفاسدة يسهل صعود سلم الإجرام فنحن لا ننتظر من طفل أن يدرك الصواب من الخطأ وهو محروم من التربية ومحروم من المأكل والملبس، ولكن يبدأ طفل الشارع في التوجه للسرقة وقطع الطريق على المارة بوسائل مختلفة، ويلجأ في أفضل الحالات إلى التسول.

   أما الطامة الكبرى فهي الاستغلال الجسدي والجنسي للأطفال حيث توجد بعض المافيات، تقوم باستغلال هؤلاء الأطفال إما عن طريق تشغيلهم بأثمان بخسة أو استغلالهم جنسيًا، ويكفي أن نعلم أنه تم إلقاء القبض على فرنسي مقيم بالمغرب كان يستغل حاجة هؤلاء الأطفال، ويوظف ذلك للاعتداء عليهم جنسيا بمدينة الدار البيضاء خصوصًا والتي تضم أكثر من 5300 طفل متشرد.

زورق النجاة

   تتمثل أول الحلول في القضاء على الأسباب السابقة التي يتآزر في حلها الأسرة، والمجتمع، والدولة، فليس الفقر أول ولا آخر المشكلات التي تعاني منها البلاد النامية، ولكن أن يموت الطفل جوعًا في حضن أمه خيرًا من أن يموت في نيران جريمة، أو في شبكة دعارة، أو وكر للمخدرات.

   ويأتي دور المجتمع متجسدًا في المؤسسات والجمعيات الأهلية التي تحاول انتشال الطفل من الشارع وإعادته إلى المجتمع ليتعلم ويعمل ويشارك، ففي سابقة هي الأولى من نوعها، قام المخرج المغربي " نبيل عيوش" باختيار الطفل "هشام موسون" وهو طفل شارع، للقيام ببطولة فيلمه " علي زاوا ".

التعليق