أبو أسعد: لم أتلق أي تمويل إسرائيلي في الأفلام التي صنعتها

تم نشره في السبت 3 كانون الأول / ديسمبر 2005. 10:00 صباحاً
  • أبو أسعد: لم أتلق أي تمويل إسرائيلي في الأفلام التي صنعتها

مخرج فلسطيني حائز على جائزة التحكيم في مهرجان برلين

 

حاوره يوسف الشايب

   رام الله- لم يكن فيلم "الجنة الآن"، الذي حقق شهرة عالمية، بحصوله على العديد من الجوائز أبرزها جائزة لجنة التحكيم في الدورة الأخيرة لمهرجان برلين السينمائي، حالة استثنائية للمخرج الفلسطيني هاني أبوأسعد، الذي كان أول أفلامه في العام 1992، وسبق أن قدم عدداً من الأفلام المهمة في مسيرة السينما الفلسطينية، وربما العربية، كـ"فورد ترانزيت"، و"زواج رنا"، وغيرها .. إلا أن الفيلم الأخير، وكونه يبحث في مناطق مسكوت عنها كظاهرة "الاستشهاديين"، أو "الفدائيين"، أو "الانتحارين"، بغض النظر عن التسميات، فإنه ومنذ "الإشكالات" التي رافقت عملية التصوير في نابلس ومخيمات اللاجئين القريبة منها، لا يزال يثير الجدل في فلسطين وخارجها .. مع هاني أبوأسعد، كانت هذه المكاشفة:

البعض تحدث عن نظرة استشراقية عليا في الفيلم، في حين تحدث آخرون عن أن "حيادية" الفيلم كانت ببساطة، للحصول على تمويل .. ماذا تقول؟

أنا أستغرب الحديث عن "حيادية" الفيلم، بينما هوجم في الخارج بسبب "عدم حياديته"، كما ادعوا .. هذه معادلة غريبة .. دعني أقول لك إن موضوعية الفيلم، إن جاز التعبير، تأتي من كونه يعبر عن وجهتي نظر فلسطينيتين حول هذه العمليات، ولا يوجد أي انعكاس لأية وجهة نظر أخرى من خارج المجتمع الفلسطيني .. الفيلم يعكس حالة الجدل الدائرة في الشارع الفلسطيني .. المهم بالنسبة لي أن الجمهور تعاطى مع الشخصيات، وأحبها إلى درجة ما، وحب الشخصيات ينفي كل ما يقال عن "حيادية سلبية"، أو "نظرة استشراقية" .. كل ما في الأمر أنني أعطيت مساحة متساوية لوجهتي النظر السائدتين لدى الفلسطينيين .. الموضوعية ليست حيادية هنا، وليست خوفاً.. لابد من الموضوعية ليبقى الفيلم على قيد الحياة طويلاً.

وماذا عن التمويل؟

هناك ضغوطات مستمرة من المنتج على المخرج، في أي مكان في العالم، ومهما كان موضوع الفيلم، لكني واضح بهذا الخصوص، ففي جميع أفلامي كانت العقود المبرمة مع جهات الإنتاج تنص على أن رؤية المخرج هي التي ستظهر في الفيلم، فلا يمكن أن أعطي أية جهة إنتاجية سلطة اتخاذ القرار الأعلى .. هناك ضغوطات كبيرة من الإنتاج، وهذا طبيعة العمل السينمائي، لكن المهم أنني لا أرضخ لهذه الضغوطات.

هناك من كتب في تقارير صحافية، بأن ثمة جهات إسرائيلية موّلت الفيلم؟

لم أتقاض أية مبالغ من أية جهات إسرائيلية، وبالتالي غير صحيح أن هناك جهات إنتاجية إسرائيلية شاركت في الفيلم، وهذا واضح في مقدمة ونهاية الفيلم .. كان هناك مساعدات غير مالية من قبل المنتج المشارك الإسرائيلي، عمير هارائيل، الذي لولاه لما تمكنا من التصوير في المدن والمناطق داخل الخط الأخضر .. عموماًَ أنا أرفض التمويل الإسرائيلي، رغم أن أية جهة إسرائيلية لم توافق على تمويل الفيلم، حين توجنا لها طالبي التمويل .. كنت، من خلال ذلك، أريد أن أقول للعالم إن إسرائيل لا تمول أي فيلم يخدم خطها السياسي.. الملفت أن هارائيل تعرض لمضايقات عدة، ولتهديدات من قبل أعضاء في الكنيست الإسرائيلي، ما حدث أيضاً مع مسؤول في صندوق الفيلم الإسرائيلي، بمجرد إعلانه في برلين عن استعداده للمساعدة في عرض الفيلم داخل إسرائيل.

هناك جدل بين المخرجين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر حول قضية التمويل الإسرائيلي، البعض يرفض لأسباب أيديولوجية هذا التمويل، في حين يرى آخرون أن هذا التمويل من حقهم، ما دامت إسرائيل تحتل أراضيهم، كما قال البعض، أو ما داموا يدفعون الضرائب لها، كما قال آخرون .. أين أنت من كل هذا؟

حتى اللحظة لم أتلقى أي تمويل إسرائيلي، في أي من الأفلام التي صنعتها على مدار أكثر من 15 عاماً .. حتى اليوم أنا أتجنب هذه الإشكالية الكبيرة، فلكل وجهة نظر مؤيدوها، والغريب أن التبريرات، رغم تناقضها، تبدو جميعاً منطقية .. أنا أرى أن هذا التمويل من حقنا، لكني أرفض أن يكون بقرار إسرائيلي، وأن تحكم الأجندة الإسرائيلية آلية توزيع المبالغ المخصصة لدعم الأفلام .. ما أسعى إليه اليوم، وأطالب بالنضال من أجله، هو أن تحول بعض الأموال، ما دمنا ملتزمين بدفع الضرائب لإسرائيل، لصندوق مستقل لدعم السينما، يديره عدد من المختصين من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، مع أني لست متفائلاً.

جدل ونقاش

تعرضت لهجوم شديد خلال تصوير الفيلم، لدرجة أن بعض الفصائل الفلسطينية المسلحة هددتك بطريقة أو بأخرى، وأصدرت بيانات ضد الفيلم، في حين أيدته فصائل مسلحة أخرى، بحيث تحول الفيلم إلى قضية تتصارع عليها الجهات الفلسطينية المختلفة فكرياً وربما مصلحياً؟

الشارع الفلسطيني حساس للغاية، ومتخوف، وهذا طبيعي بسبب حجم الغدر الذي تعرض له على مدار العقود الماضية .. النقاش والجدل الذي دار قبل الانتهاء من تصوير الفيلم ساعد في انتشار الفيلم، وفي تحسين الصورة التي خرج بها .. في الكثير من الأحيان كان النقد بناء، واستفدت منه كثيراً، وفي حالات قليلة لم يكن بناء على الإطلاق .. البعض تحدث عن "شوشرة فارغة"، وأنا ضد هذا الوصف، فما خرج يختلف بدرجة ما عن النص الأول لسيناريو الفيلم .. ما حدث جدل ساعدني كي أكون أكثر دقة في التعبير.

كان التصوير يتم في ظروف صعبة، حيث كانت نابلس ومحيطها تعاني من اجتياحات متكررة من قبل قوات الاحتلال، ومن حصار مشدد أيضاً؟

عشنا الظروف التي يعيشها سائر الفلسطينيين، من قصف، وحصار، ومنع تجول، ورعب مستمر .. عشناها فقط لأربعة أو خمسة شهور في نابلس، لكن سكان الضفة والقطاع يعانون من ذلك منذ عشرات السنوات .. هنا كان التحدي، فقد أصررت على أن يكون التصوير في نابلس، كي أقول لنفسي وللعالم وللجميع، أن الفلسطينيين بإمكانهم خلق فن راق وجميل، رغم الاحتلال، ورغم القصف، ومنع التجول، والاعتقالات، والحصار .. كان بإمكاني أن أصور في أي موقع آخر، وأصنع ديكورات شبيهة بما أردته في نابلس، لكني أردت أن أكون متصالحاً مع نفسي، قبل أي شيء آخر.. الرسالة كانت هي أنه ورغم كل سياسات الاحتلال فإننا في فلسطين قادرون على الحياة، وعلى الإبداع.

وماذا عن الهجوم الكبير من اللوبي اليهودي في ألمانيا وأوروبا ضد الفيلم؟

كان هناك بعض المظاهرات ضد الفيلم، رغم عدم عرضه وقتها تجارياً .. بعض العروض التجارية للفيلم كانت هناك اتهامات عدة باللاسامية، هذا إضافة إلى ما تعرض له المنتج المشارك الإسرائيلي من مضايقات وتهديدات.

أفلام سابقة

"فورد ترانزيت" محطة مهمة لدى هاني أبوأسعد سبقت "الجنة الآن"، واعتبره النقاد العالميون أحد أهم الأفلام في السنوات العشر الأخيرة حول البلبلة في الهوية الفيلمية، وحصل على الكثير من الجوائز .. عموماً أنا أحب هذا الفيلم كثيراً، ماذا تقول عنه؟

أعتقد أن أهمية الفيلم تكمن في نجاحه بتصوير البلبلة الحاصلة في الشارع الفلسطيني، عبر بلبلة مشابهة في اللغة السينمائية في الفيلم، ففي الوقت الذي لم نحسم فيه كفلسطينيين أمرنا حول من يحكمنا بوجود الاحتلال والسلطة معاً، ما انعكس على هوية الفيلم التي لم تحسم فيما إذا كان وثائقياً أم روائياً.. فالخطوط المبهمة والفاصلة في البلبلتين كانت سر تميزه ربما.

فيلم "زواج رنا"، والذي حصل على عدة جوائز أيضاً، ترك ردود فعل متفاوتة، فالبعض عبر عن إعجابه الشديد بالفيلم، وباللغة السينمائية والحبكة الدرامية التي استند إليها، في حين وصفه آخرون بالركيك، خاصة ما يتعلق بالنص، حتى أن بعض الممثلين أعلن "براءته" من الفيلم، قبل عدة أشهر ..؟

كان من الصعب أن تصنع فيلماً عن القدس من خلال حكاية عادية، ومن هنا كانت حساسية النص ربما .. عموماً حساسية النص، والتي ربما لم ترق للكثيرين، هي ما لفتتني إليه .. أنا أستغرب تبرؤ بعض الممثلين من الفيلم، رغم قناعتي بأن الجميع قدم ما عليه.

التعليق