أبوحمدان: الحزن محفز للخروج من "الطريق الوعر"

تم نشره في السبت 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • أبوحمدان: الحزن محفز للخروج من "الطريق الوعر"

كاتب درامي يرى أن أحداث الأربعاء الأسود نموذج لما يحدث في أقطار عربية 

 

   عمان-الغد- ضمن سلسلة حواراتها مع المبدعين والمثقفين العرب  التقت الزميلة هيام الحموي من موقع السي ان ان العربي مع الروائي والكاتب الدرامي الاردني جمال ابوحمدان والذي عرضت له القنوات التلفزيونية في رمضان الماضي عددا من الاعمال من بينها "الطريق الوعر" والمرابطون والاندلس .

   وفي مقدمتها للحوار ترى الحموي انه في حين يلجأ العديد من الكتاب الدراميين إلى التاريخ، هربا من الحديث عن أوجاع الحاضر، فان الكاتب الأردني جمال أبوحمدان يستنطق التاريخ من أكثر زواياه حساسية، تلك التي يستطيع أن ينفذ عبرها إلى الحاضر، مستعينا بعبرة الأمس، لتسليط مزيد من الضوء على مَواطن الضعف، في ما آلت إليه أوضاع اليوم.

   والكاتب جمال أبوحمدان، أسهم ومنذ انطلاقته الكتابية الأولى، عام 1969 مع "أحزان كثيرة وثلاثة غزلان"، في التأسيس الإبداعي لمرحلة أرقى للقصة القصيرة الأردنية، حيث قدم بعدها: "مكان أمام البحر" و"مملكة النمل" و"البحث عن زيزيا" و"نصوص البتراء". ثم انتقل إلى الكتابة الدرامية، مسرحيا وتلفزيونيا وحتى سينمائيا، فنال العديد من الجوائز التقديرية لإبداعه في كل هذه المجالات.

   من أبرز الأعمال التاريخية المميزة التي شدت إليها الجمهور، على سبيل المثال، مسلسلات "ذي قار"،" امرؤ القيس"، "الحجاج"، "شهرزاد"، وغيرها، إلا أن جمال أبوحمدان، لجأ في الآونة الأخيرة لمسلسلات مستوحاة من تاريخنا الأقرب الذي لا يزال طازجا في الذاكرة، فكان مسلسل "الطريق إلى كابول"، الذي عرضته جزئيا بعض المحطات العربية، العام الماضي، ثم أوقف عرضه بعد ضغوط سياسية من مختلف الجهات، غير أن المؤلف عاد مجددا لموضوع التطرف الذي يؤدي إلى تفجر الإرهاب في مسلسل "الطريق الوعر"، حيث أمكن عرضه كاملا هذا العام، بالرغم من بروز بعض الأصوات المحتجة التي تعالت هنا وهناك.

   الأحداث  الارهابية التي وقعت مؤخرا في عمان كانت جزءا من الحوار الذي اجرته (cnn) مع ابوحمدان وتاليا نص الحوار:

* ماذا كان أول رد فعل لجمال أبوحمدان، عند سماعه بتفجيرات عمان؟

-بالطبع أحسست بحزن عميق وفاجع، لكن هذا الحزن لا يجب أن يكون حزنا محبطا أو مقعدا، بل محفزا للخروج من هذا الواقع المأساوي الظلامي إلى حياة مستقبلية نورانية فضلى، المفروض أن لا نتوقف عند ما حدث، بل نتبصر ونعمل للخروج من هذا الواقع المر الذي نعيشه... من هذا "الطريق الوعر" إن صح التعبير.

   وفيما يتعلق بمسلسل "الطريق الوعر"، بمناسبة الحديث عنه، أنا في هذا العمل لا أرى أنني تنبأت، بل تبصرت في واقعنا، وتمكنت عبر الرؤية الفنية الموضوعية من إقامة جدل مع هذا الواقع، فأنا لا أميّز الآن إن كان ما حدث في عمان تمثيلا في الواقع لما ورد في هذا العمل، أم أن العمل ككل تمثيل وانعكاس لما نتلمسه ونتبصره في واقعنا، هذا كله يندرج ضمن الجدل الفكري والفني مع الواقع، أنا شخصيا أعتبر أن العمل الفني، وخاصة الدرامي، يجب أن يشكل انعكاسا حيا للواقع، وفي الوقت ذاته، يحمل رؤية وتبصر لما ينتجه هذا الواقع من تأثيرات على المستقبل. أرجو أن يكون هذا العمل الدرامي وغيره قد ساهم مساهمة متواضعة في حركة التبصر والوعي.

*من خلال معايشتك للموضوع عن طريق البحث والكتابات، إذا كان هنالك حل لهذه الظاهرة، من أين يجب أن يبدأ هذا الحل؟

-لأبدأ هنا مما حدث مؤخرا، أي المعايشة القريبة للحدث، ما حدث في عمان، وهو نموذج لما يحدث في أقطار عربية ودولية كثيرة، أنا لا أقول إنها المفاجأة لكنها الصدمة مع التوقع، ذلك أن انفلات هذا الجنون الظلامي الإجرامي من عقاله، لم يعد يستثني أحدا أو منطقة... يخيّل إليّ إنه يحمل نذر خراب شامل، لكن لا بد أن يعقب هذا الخراب البناء الحي والجميل والحقيقي، كما يحدث في دورات التاريخ أو في دورات الطبيعة، وكما يقوم التاريخ على مبدأ التحدي والاستجابة، اليوم هنالك تحدٍ يواجهنا جميعا، ولابد من الرد عليه، باستجابة إيجابية لدرء مخاطره وهزيمته.

وهنا أريد أن أستذكر مقولة للإمام الشيخ التنويري محمد عبده، حيث قال "الإسلام محجوب بالمسلمين، ولا بد من حركة وعي تنويري لإزالة هذا الحجاب بين الإسلام الحقيقي النوراني وبين بعض المسلمين الغارقين في ظلامية ساجية".

   لا بد من أن نذكر في هذا السياق، أن ما يحدث هو، دون شك، رد فعل لفقدان العدالة الإنسانية في عالمنا على جميع الأصعدة، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ورد فعل على محاولة الدول الكبرى في الهيمنة على مصائر هذا العالم، ولا يمكن هزيمة ما نسميه اصطلاحا بالإرهاب إلا بكف الإرهاب الآخر والأكبر، ربما هنالك إرهاب دول أو إرهاب مجتمات كاملة يمارس على عالمنا أو مجتمعاتنا الصغرى، هنالك الإرهاب الأكبر الذي يستلب من عالمنا حقوقه المشروعة ويبقي قضاياه عالقة ونستذكر هنا تحديدا القضية الفلسطينية، أساسا، والتي تشكل الجرح الحقيقي النازف في ضمير الانسانية.

   إذا.. من أجل هزيمة ما يحدث من دمار وخراب وإرهاب، لابد من تحقيق عدالة إنسانية نزيهة وشاملة لنخرج عالمنا العربي والإسلامي من وهدة الإحباط والقنوط واليأس التي تتفجر في مثل هذه الأعمال. هنالك حقيقة لا بد من الانتباه إليها وهي أن الإرهاب ليس نتاج مجتمعنا في الأصل، بل هو رد فعل لقهر وإذلال مورس على مجتمعاتنا الشرقية خلال قرون، لذا لا بد من إيجاد حركة تنويرية إنسانية شاملة تملأ الفراغ الظلامي الخاوي الذي تعشعش فيه الأفكار التي تؤدي إلى حالات القتل والتدمير، وهذا يجب أن يتم على جانبي المعادلة العرجاء والمعوجة، في عالمنا كله، أي يجب أن تكف القوى المهيمنة التي تريد فرض السيطرة وإذلال الشعوب الأخرى عن هذه الهيمنة، وتحقق موقفا عادلا ونزيها من قضايا العالم، وبالمقابل أيضا يجب أن تكون هنالك حركة تنوير وإيقاظ للوعي ضمن الجماعات أو الحالات الفردية أو الجماعات الصغيرة التي تكون ردود فعلها لا تتجه إلى الهدف الحقيقي مباشرة بل تتفجر في أعمال عشوائية ضد مشروعية الحياة الإنسانية.

* أنظار كثيرة التفت إليك بعد أحداث عمان الأليمة، كيف تعاملت مع الأمر؟

-نعم.. أقول إنه تصادف أنني كنت واحدا من مواطني هذا البلد ومواطني عالمنا العربي، ومواطني العالم الإنساني، وتصادف أنني تناولت هذا الموضوع عبر جهد متواضع في العمل الثقافي أو الفني أو الفكري، وما يحدث بالنسبة لي هو موقف من هذه الأعمال، مساهمة ولو متواضعة في إيقاظ هذا الوعي... تصادف أن يكون هنالك تطابق بين ما تحقق على أرض الواقع، مما شوهد على الشاشات.

*أنت اخترت الطريق الوعر في الكتابة الدرامية، ما الذي يستفزك في هذه المواضيع لكي تغامر بكتابتها؟

-أولا أنا لا اعتبر أن هذه مغامرة بل أعتبر أن هنالك واقعا، وعلينا أن نواجه هذا الواقع للخروج إلى ما هو أفضل، هذه القضية قضية ساخنة وتؤثر بشكل واضح على مجتمعنا وعلى إنساننا، وعلى قضايانا، فأستبعد هنا كلمة "مغامرة"، هنالك موقف ورسالة يجب أن يتخذها كل من يتصدى لمواضيع جادة في الكتابة، سواء الكتابة المقروءة أم المسموعة أم المرئية، فمن هنا جاءت أهمية هذه المواضيع التي تصديت لها وأرجو أن أكون قد قدمت جهدا ولو متواضعا في حركة التوعية والتنوير التي يجب أن تقود إلى مواجهة الظلامية المنتشرة في عالمنا اليوم.

*التاريخ يُكتب اليوم من خلال الفضائيات، كيف تتوقع أن تكون كتابة التاريخ من بعد عصر الفضائيات؟

-فيما يتعلق بالتصدي للمواضيع التاريخية، لا بد من وجود فسحة زمنية، وفسحة فكرية، بيننا وبين الواقعة التاريخية، أعتقد أنه لا توجد هنالك حقيقة تاريخية بمعنى حقيقة مطلقة يتفق عليها الجميع، هنالك واقعة تاريخية ينظر إليها من زوايا مختلفة، عندما أتصدى أنا للكتابة التاريخية، من خلال عمل مرئي، أنتقي من التاريخ بؤرة ما أستطيع أن أستشف من خلالها ما يحدث معنا في الحاضر، وعند اختياري لشخصية تاريخية، أحاول أن أستحضرها وأطل من خلالها على عالمنا اليوم، للاستفادة من التجربة التاريخية في المحاورة مع الزمن الحالي، وما قد يحدث أيضا في زمن آت.

*هل لك أن تختار شخصية محببة إليك من التاريخ، وتقول لها شيئا؟

-حاليا إذا أردت أن أخاطب أو أستحضر شخصية من الشخصيات التي تناولتها في الماضي، فمثلا يمكن أن أقول لامرئ القيس : "عندما أضعت حقك من خلال تنازعك مع أهلك ومع الممالك العربية الأخرى، فلا تذهب وتطلبه من قوى كبرى أيضا طامعة فيك وفي بلادك، الأحرى بك أن تحاول استرداد حقك بقواك الذاتية".

*رأينا مؤخرا أحد المفكرين، وهو سيد القمني، تراجع عن كلامه تحت وطأة التهديد، هل ممكن أنك في يوم من الأيام تتراجع عن كلامك وأفكارك تحت الضغط؟

-حتى الآن لا أعتقد، أنا لن أتراجع، ولن أتوب، وأنا لا أتنكر لأي كلمة قلتها، سواء أكانت مكتوبة أم مقروءة أوحتى مرئية، ولا أتنكر لأي تجربة مررت بها، ولا لأي دمعة سفحتها أو بسمة ابتسمتها، ولا حتى لقبلة قبلتها في حياتي، كل هذا شكّل قوام حياتي التي أنا سعيد بها وأعتز بأني عشتها، ولو أتيحت لي الفرصة مرة أخرى لكررتها.

التعليق