عشا: الإبداع لا بد أن ينطلق من خصوصية تحمل في أعماقها بعدا كونيا

تم نشره في الجمعة 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 10:00 صباحاً
  • عشا: الإبداع لا بد أن ينطلق من خصوصية تحمل في أعماقها بعدا كونيا

روائي وناقد يرى أن "الذاكرة تحمي مشروعها عبر اتصالها الدائم بمنابعها الوجودية"

 

 

حاورته: عزيزة علي

   عمان - يؤكد أستاذ الأدب الجاهلي في الجامعة الهاشمية الروائي علي عشا بأن "الذات المبدعة تلجأ إلى الذاكرة من أجل أن تحمي مشروعها الثقافي والإنساني عبر اتصالها الدائم بمنابعها الوجودية الحقيقية وعناصر هويتها التاريخية".

وعشا المولود في أريحا العام 1959، حاصل على دكتوراه في (الأدب ونقد) من جامعة اليرموك يرى ان "الأدب كما الأفكار والأديان والمذاهب، يهاجر عندما يستغلق الواقع ويستحوذ التشابه والقتام على العالم".

واصدر عشا حتى اليوم ثلاث روايات هي "الهجرة إلى الضفة الأخرى" في العام1997، "ضد من" في العام 2000، و"اعترافات الأيام الأخيرة" في العام 2004، بالإضافة إلى الكثير من الأبحاث في مجال الفلسفة والشعر الجاهلي.

وفي الحوار التالي مع (الغد) نحاول استكشاف رؤية الناقد لمنجزه الإبداعي، ومعنى الذاكرة، إضافة إلى الهاجس الإبداعي.

*كيف تنظر الآن إلى منجزك الإبداعي الأول "الهجرة إلى الضفة الأخرى"، وماذا تقول عن تداعيات كتابته؟

-الهجرة إلى الضفة الأخرى" كانت الانطلاقة الأولى نحو الفضاء الروائي، وصوت الانبعاث الأول من تحت الركام، ودخول الذات في عملية تاريخية على وهج الإبداع، وثقافة الحساسية والحزن والشعور بالزمن والأبدية، وكسر قيود الضرورة والحتمية.

كما إنها إعلان الحرية عبر ولوج زمن البوح، والظفر بالذات من خلال إعادتها إلى سياق قدرها التاريخي ومصيرها الكوني بعيداً عن المصير الجماعي الذي وجدت الذات ذاتها غارقة فيه عبر الهزائم المتلاحقة وانهيار المشروع القومي، وما أعقبه من تداعٍ لمفاهيم الجغرافيا والتاريخ والحياة والثقافة واللغة والمصير والجسد والحب والمقاومة والوحدة والمرأة والزمن والذاكرة والحياة.

حصار بيروت (1982) العاصمة العربية العتيدة، شكل صدمة للوعي حدّ البكاء والألم، ومنعطفاً فظيعاً في تاريخ الأمة العربيّة، وجرحاً غائراً في الكبرياء العربي، وإيذاناً بدخول هذه الأمة في عملية لا تاريخية تفقد فيها هويتها وشعورها الوحدوي وحساسيتها، وأقانيم وجودها الثلاثة: الجغرافيا والذاكرة والثقافة.

كان تحولا جذرياً  في سيرة "الذات" التي وجدت نفسها غارقة  في الأوحال عارية من كل شيء، وحيدة معزولة تحيا قلقلها وألمها الدموي وحزنها الأبدي،وسط أفق  جغرافيّ بلا  مأوى أو  ملجأ، ولا معنى ولا قيمة ولا أرض أو سماء.

فكانت "الهجرة إلى الضفة الأخرى" إعلاناً وجوديّاً عن هجرة "الذات" نحو الجغرافيا والذاكرة، وبياناً ثورياً يعيد للروح توازنها الأخلاقي والتاريخي، واشتهاء عنيداً لعودة "الذات" إلى ملامحها التي غرقت في رمال بيروت وسيناء.

*ولماذا الذاكرة في الكتابة الروائية؟

-كان انبثاق فجر الفلسفة الوجودية عبر الفيلسوف" كييركغارد (1855) إيذاناً بالثورة على ذوبان الذات والذاكرة في بوتقة التصور الكلي للوجود الذي جاء به هيغل (1831)، فجاءت الفلسفة الوجودية لتمثل شيئاً قائماً بذاته. هو تحقق الوجود والوجود الذاتي مقابل الفلسفة التي تعالج شيئاً خارجياً؛ أي تعالج العالم الموضوعي.  والذاكرة متصلة "بالأنا الوجوديّة"، فكلما كانت الرواية أكثر إيغالاً في الذاكرة، كانت الذات المبدعة أكثر حضوراً في العمل الروائي وأكثر تحقيقاً لذاتها، باعتبارها تعيش داخل العالم، وتحيا بالهجرة عنه -عبر الرؤية الخلاقة والحلم- إلى عالم  تتحقق فيه الحرية والعدالة.

وتستطيع الذات المبدعة –عبر الذاكرة– أن تكون أكثر ميلاً إلى الشعور بذاتها وعزلتها الوجودية، عندما يتداعى العالم، وتتداعى نظمه السياسية والأخلاقية والإنسانية، ومن ثم يختل التوازن بين الذات والعالم، تأتي الذاكرة لتحقق نوعاً من التوازن الحقيقي لتضمن استمرار سيرتها ومسيرتها في هذا العالم.

والذاكرة تمنح" الذات " قاعدة صلبة من أجل البوح، من أجل فضح كتاب الأسرار الذي تعيش فيه عبر عزلتها الوجودية، وهي تعيش لحظاتها المليئة بالعشق والثورة، بالزمان والأبدية، وتحفظ لها عالمها الخاص، وهي تقاوم العدم والقتام، وذوبان العالم وخصائصه وملامحه في ظل جنون القوة.

*إذا ماذا تعني لك الذاكرة وماذا تريد أن تقول من خلالها ؟

-تعني كل شيء، فالذات لا تمتلك إلا اللحظة الزمنية الآنية التي تحياها، وهذا "الآن" ما هو إلا لحظة عبور نحو هاوية الماضي. الذاكرة تعني هذا الماضي المستمر، هذا الزمن الوجودي الذي تنتزعه الذات المبدعة عبر سيرتها التاريخية من الزمن الفيزيائي الذي يعيشه العالم غارقاً في الأشياء، وهي تعاني  قلقها الوجودي، وأزمات هويتها، ومصيرها الفردي والجماعي.

والذات -من خلال الذاكرة- تستطيع الاحتفاظ بشخصيتها وفرادتها رغم تغيرها الدائم وتغير العالم من حولها، فكل تفكير خلاق وفن خلاق هو بالضرورة شخصي، وكل فن لا يضمن هذا لا يحمل أصالة مبدعه كما يرى "برديائف".

وتلجأ الذات المبدعة إلى الذاكرة من أجل أن تحمي مشروعها الثقافي والإنساني عبر اتصالها الدائم بمنابعها الوجودية الحقيقية وعناصر هويتها التاريخية، تمتح منها وهي تقي ذاتها من زحف العالم عليها.

وفي الكتابة الروائية، ثمة امتداد وتشجير لغوي أفقي يتغلغل في الزمان والمكان والأحداث والشخصيات ويتخذ صورة عمودية من خلال ذاكرة الفنان التي تتسع عبر الحساسية والشعور بالقدر التاريخي والمسؤولية التاريخية والحرية، فتتحول هذه الذاكرة إلى ذاكرة تاريخية تستخلص من الواقع والهوية العناصر الحية وتدمجها في بنية درامية تحقق البعد الجمالي الظاهر والبعد الجلالي الباطن، والرؤية التي تجسد جوهر الخطاب الروائي.

*هاجسك الإبداعي هو الهم الفلسطيني عبر محطاته المختلفة، ألا ترى أن التخصص في اتجاه واحد يحدّ من إبداعك؟

-مشكلة الذات المبدعة في صميمها وجودية، يغذّيها شرخان: شرخ  في كينونتها بعد أن ألقي بها من رحم الأبدية إلى هذا العالم، فأصبحت التضاد المجسد للفردي والاجتماعي، للصورة والمادة، للمتناهي واللامتناهي للحرية والضرورة، على حد تعبير "برديائف".

وهنالك شرخ آخر في واقعها الإنساني، ويتداخل الشرخان عبر البناء الروائي ليحققا وعياً استعلائياً وبوحاً أعلى، وتكثيفاً لمشهد الحزن الأبدي، وتصعيدا للرفض، وانحيازاً أعظم للكتابة باعتبارها السبيل الوحيد للذات المبدعة للصمود أمام حالة الانهيار والتداعي.

وفي سياق الهم الفلسطيني ثمة شرخ في الواقع وخلل بنيوي أحدثته المأساة الفلسطينية. هناك شعب اقتلع من الأرض والخارطة والتاريخ وحل مكانه شعب آخر، عبر ثقافة الاستئصال والذبح والتشريد والقهر.

ثمة شعب ينزف منذ مائة عام على الأقل له أحلام ورؤى، وله بيوت وشوارع ومقاه وأزقة ومدن وقرى وساحل يمتد كالنشيد من رفح إلى الناقورة، وله ثقافة وأغانٍ وأعراس وملامح ومكان وزمان.

فالهم الفلسطيني هم كوني ولم يكن بالإمكان أن يحدث كل هذا لو كان العالم يمتلك أدنى حدود التوازن الأخلاقي.

كان وقوع الحربين العالميتين الأولى والثانية إيذاناً بانهيار النظم الأخلاقية والاجتماعية في العالم، ومن ثَمّ دخوله حقبة الرأسمالية المتوحشة والإمبريالية الكونيّة، وكان إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين تتويجاً لهذه المرحلة.

إن الإبداع لا بد أن ينطلق من خصوصية، وهذه الخصوصية بالذات تحمل في أعماقها بعداً كونياً، ولا بد أن تنتهي حقبة الفن والأدب والثقافة التي تؤرّخ للدم الفلسطيني بحياد تام؛ إذ لا يمكن لأية ذات على وجه الأرض أن يعود إليها بعض من توازنها الأخلاقي مع ذاتها من دون الالتحام بهذا الحزن الأبدي الفلسطيني.

*لديك الكثير من البحوث والدراسات في الشعر، لماذا لم تكتب شعراً؟

-الفن كما العشق لا يقبل القسمة إلا على نفسه. لا يمكن أن تكون شاعراً أولاً وروائياً ثانياً كما لا يمكن العكس، ففي عالم الإبداع يمكن أن تكون شاعراً أولاً وأخيراً أو روائياً أولاً وأخيراً ولا شيء غير ذلك.

وطبيعة الإبداع تأبى إلا أن تبدأ من الذروة وأن تموت فيها. الموت في الذروة شهادة للمبدع عبر الكلمة لا تقل أهمية عن الشهادة عبر الدم.

والذروة تقتضي أن يكون لك هوية وحدودية في الإبداع فالفن لا يمنحك كتاب أسراره كاملاً، إلا إذا أعطيته ذاتك كاملة، وهنا تفتتح العالم عبر هوية إبداعية واحدة، وإذا تعددت الهوية الإبداعية وتلونت يتحول الفتح إلى غزو، والعالم لم يعد بحاجة إلى مزيد من الغزاة.

كان الشعر قديماً ديوان العرب وأصبح محدداً للفن الآخر الذي يشاطره مفهوم الأدبية، فيقال شعر ونثر، أي ما ليس شعراً فهو نثر. ونتيجة لاستحواذه على مسيرة الإبداع الأدبي –إلى الدرجة التي يمكن أن توصف بمرض الشعر- وقابليته للردة عن شاعريته مع الاحتفاظ  بشكله الظاهري، حدث تصدّع مبكر في هويته، فظهر لدى النقّاد مصطلحي الشعر والنظم، فأصبح لدينا شعر ونظم ونثر.

وهذه الحالة أوجدت مناطق وسطى في هوية الإبداع أحدثت شقوقاً في بنية الإبداع وفراغات وشروخاً؛ فخشيت أن أقع في هاوية المناطق الوسطى: أن أقع في هذه الشقوق أو الفراغات أو الشروخ، وكان الأصل أن يكون الأمر حاسماً على المستوى الإبداعي والنقدي: فثمّة شعر أو لا شعر، رواية أو لا رواية، فن أو لا فن.

*استعملت الكثير من الأزمان في رواية "اعترافات الأيام الأخيرة "، بالإضافة إلى زخم المعلومات التي قدمتها، ألا ترى أن هذا يرهق المتلقي ويشتته؟

-هذا نابع من طبيعة الاعترافات والشعور بالأيام الأخيرة؛ ففي الرواية انحسار شديد في المكان واتساع حد الاشتهاء في الذاكرة.

والاعترافات تمثل أعلى عتبات البوح، والذات تحيا مصيرها الأبد، ويتماهى الشاهد والمشهود والشهادة، ولم يعد لديها سوى أيام أخيرة للبوح والسقوط في الهاوية نتيجة تيارات الوعي التي تجتاح عالمها بلا رحمة.

الاعترافات حالة من اليقظة لكنها متأخرة قليلاً وشهوة عنيدة لاستعادة الزمن كاملاً، والذات تتأمل ذاتها في مراياها الوجودية، وقد وقفت على آخر عتبات الوجود، وجسدت أسطورة العوْد الأبدي عبر الذاكرة، إلى وطن كان فردوساً مفقوداً وقد اكتملت دائرتها الوجودية بالحب والثقافة الثورية ولم تكتمل بالعودة.

الاعترافات تحاول أن تستعيد زمناً مبعثراً، فالزمن الفلسطيني كما الوطن مقطع الأوصال؛ لذا كانت هذه الكثافة في تجليات الأزمان المختلفة، والذات تسعى لأن تلحمه بدمها ولحمها وعشقها ومصيرها الفاجع واشتهائها العنيد للعودة بلا جدوى.

"رواية الاعترافات"-من أجل قراءتها – تتطلب شعوراً رواقيّاً ووجداناً صوفيّاً وثقافة الحساسيّة، وهي تسعى لتأسيس حزن كونيّ.. الحزن من أجل كلّ شيء.

*كيف ترى حال الأدب والرواية بشكل خاص في ظل الفضائيات والإنترنت ؟

-التقدم الهائل في الفضائيات والإنترنت كان يمكن أن يحدث ثورة ثقافية في العالم، لكن هذا لم يحدث إلى الآن، بل جعل العالم أكثر قرباً، لم يعد ثمّة مسافات.

وعبر الفضاء التخيلي كل شيء يبدو قريباً، متشابهاً ومزدحماً، وبدأ الاقتصاد الرأسمالي الإمبريالي يحل محل الثقافة والفلسفة والفن عبر شيوع أنماط الاستهلاك والنهم.

وخطاب الأدب يستند إلى هوية ثقافية، ويعتمد على الحساسية والشعور، وانحسار المتلقي يعود إلى تردي قيم الحياة، ولا يؤدي بالضرورة إلى موت الأدب وإنما إلى هجرته.

التعليق