سعد القرش: سرد جذاب يروي الماضي بنسج عناصر متعددة

تم نشره في الأربعاء 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 10:00 صباحاً

    بيروت  - في ذلك النسيج الروائي متعدد الالوان والخيوط الذي أعطاه الكاتب المصري سعد القرش عنوانا رمزيا استله من احداث التاريخ ليطل منه على الحاضر والآتي وهو "أول النهار" يبرز دائما خلال الرحلة الروائية المعقدة سرد جذاب مريح ودافئ.

   عمل القرش الجديد يجمع بين التاريخي والخرافي والمسرحي القديم والمعتقدات الدينية والقصص الديني الذي يحمل في أساسه بعضا مشابها من قصة نوح والطوفان. ويروي قصص أجيال في قصة كبرى وتطل منه سمات من عالم نجيب محفوظ في اولاد حارتنا والثلاثية ونلتقي فيه سوفوكليس في اوديب واساطير وخرافات واحداثا تاريخية يسوقها الكاتب على تنوعها وتعددها بمهارة وقدرة على التنسيق لا تتخلى عنه في معظم الرواية. وهو على رغم تعدد هذه العناصر والسمات يحتفظ بصوته وقدرته السردية فلا تغطيه عباءة غيره.

   الرواية تشكل قصة شعب من خلال مجتمع صغير في تعاقب اجياله وصولا الى الجيل الرابع. هو بلدة مصرية في زمن سبق حملة نابليون بونابرت على مصر سنة 1798. وتسير في الزمن الى ما بعدها.

   رواية القرش وهي عمله السادس بعد مجموعتين قصصيتين وروايتين ودراسة في مفهوم هوية السينما العربية صدرت في 303 صفحات متوسطة القطع عن "الدار المصرية اللبنانية" في القاهرة .

   تبدأ الرواية بما يبدو اجواء يتداخل فيها ظلان..الاول يذكر بمسرحية أوديب الملك لسوفوكليس من حيث النبوءة التراجيدية عن قدر قاس لا مفر منه وصولا في ما بعد الى شيء من "الالتباس" الذهني بين صورتي الام والزوجة. والثاني هو قصة نوح والطوفان لكن هذا الطوفان او الفيضان أهلك قرية وكثيرا من عائلة عمران وابقى على عدد قليل منها وبعد مدة أعيد اعمار القرية المنكوبة التي كانت قد تحولت الى مقبرة.

   تبدأ الرواية والحاج عمران ينظر الى فيضان النيل متذكرا الفيضان القاتل. "في يوم خريفي من شهر توت وقف الحاج عمران يتأمل النهر الثائر محتميا بصخرة... استعاد نبوءة عمرها خمسون عاما لاعنا اشباحا وقاذفا السماء بحجر..." فقبل خمسين عاما ادى وباء الى موت اهل داره جميعا في "اوزير" بمن فيهم والد حليمة البنت الصغيرة والذي كان خادما لديهم. قالت الغجرية للبنت "أنت أهله يا حليمة" واضافت تقول لها "ان هذا الولد من عائلة مشؤومة تحل بها كارثة كل خمسين عاما" واحست حليمة في تلك الليلة بانها كبرت وصارت اما لعمران. وكان هو يعتبرها كأم له.

   وبعد ان شب حكت له عن نبوءة الغجرية ولكن فتوة الشباب دفعته للاستهانة بكلام الغجرية وان بقي الخوف يزوره كلما حصد الطاعون ارواحا. وكانت الغجرية قد قالت ان هذا الولد "سيكبروحيدا ولن يعيش له ولدان معا." وبعد ان كبر تزوج مرتين ورزق بولد اعطاه اسم مبروك وببنتين. قال لها مرة مداعبا "لو كنت ام ابني يا حليمة." حليمة التي كانت تغار عليه كابنها ويداخل غيرتها ما يبدو شعورا خفيا آخر احيانا اجابته " تقوم القيامة لما الواحدة تخلّف من ابنها.. تخلف حفيدها مرة واحدة..."

مرة خرج مع ابنه الصغير وحليمة وابيها في قافلة الى بلدة مجاورة وبينما هم في طريق العودة "سمعوا من يهللون ويكبرون ويستغفرون الله...وسرت همسات عن بلاد دفنها موج طيني بلغ ارتفاعه ربع نخلة ..." وقابلهم في الطريق "من لا يعرفهم ودعاهم الى الهروب من وجه الفيضان مؤكدا ان قرى بأكملها غرقت تماما وآخرها اوزير... ثم افاقوا في المدينة على من ينادي في الناس طالبا الفرار من وجه البحر الثائر الى المحلة الكبرى حيث الارض أعلى." واستمر الموت مكتوبا على عائلته في ما يشبه السحر فابنه الذي احب فتاة تدعى هند تزوجها.. وبعد سعادة بالغة في الليلة الاولى قفز عن سطح المنزل الى حتفه. الا ان تلك الليلة كانت كافية لان تحبل هند وتلد لعمران حفيدين هما عامر وسالم. ورافقها شيء من الخلل العقلي طوال حياتها وبعض من الشؤم الذي يلحق بمن حولها مثل لعنة. وتتكرر القصة فيموت سالم ليلة زواجه وتنجب عروسه صبيين ايضا.

   يصف الكاتب مجتمع القرية التي اعيد بناؤها في مكان مرتفع وبمساعدة خبرة بعض الاوروبيين ممن اختاروا مصر وطنا لهم بعد ان جاءوها في مشاريع زراعية او تجارية فأحبوها واحبوا اهلها و"تمصروا."

   يستند القرش في روايته الى قراءات تاريخية منها ما أورده عبدالرحمن الجبرتي عن الحملة الفرنسية على مصر ومنها من "الضفة الاخرى" اي الفرنسية مذكرات الضابط الفرنسي النقيب جوزف ماري مواريه الذي كان من عسكريي نابليون في تلك الحملة.

   ويروي القرش من خلال شخصياته وابطاله التاريخ رواية ادبية تقوم على تآلف العناصر المختلفة دينيا وإثنيا المكونة للشعب المصري وبروح انسانية وتقدمية ونظرة الى الدين تبرز سماحته وترفض محاولات استغلاله. ومن خلال سلالة الحاج عمران كبير القرية تكر سبحة البطولات والمآسي من واحد الى اخر عبر الاجيال المختلفة ويبقى هو أمدا طويلا بسنواته التي قاربت المئة "مظلة " فوق الرؤوس.

   تتحدث الرواية عن الظلم والالم اللذين تحملهما الشعب المصري منذ قرون وتصف نضال هذا الشعب وآلامه. ظلم الباشا وممثليه وظلم المماليك ومقاومة القرية وسائر القرى لكل ذلك وصولا الى نزول الفرنسيين في مصر وتسلطهم وظلمهم للمصريين وقيام مقاومة شرسة يشترك فيها بطرق مختلفة اهل تلك القرية المصرية بكل فئاتهم.

   وفي ما يبدو معاني تتحول الى رموز كأنها تروي لنا تطورات عرفتها الحياة الوطنية والسياسية عبر الزمن تختم القصة بتصوير آخر قادة القرية من عائلة عمران اي عامر حفيد الحاج عمران وهو يعوض عن سنوات البعد والحزن بالانكباب على التمتع بعائلته بعد زواج بمن أحب تأخر نحو ربع قرن وبالاحتفال بعرسي ابنيه التوأمين ادريس ويحيى وسط احتشاد الناس حوله . هنا نشهد كيف تنتقل السلطة عمليا الى "بيت " آخر يمثله صديق ومعاون هو منصور القهوجي الذي اختاره عامر المتعب لتسيير الامور نيابة عنه .

   يصور لنا الكاتب عامرا المتعلق بحفيدته "زهور" ابنة ابنته "وحين تغيب زهور عن عينيه ينزعج ... ثم تشق العروسان طريقا الى باب الدار في زفة كبيرة وتصعد كل عروس مع عريسها... في حين لا تزال الطبول والغناء ...ويزعجه الضجيج والناس فرحون بحضوره بعد غياب ويسرعون الى رؤيته وتحيته وتهنئته فيبعدهم منصور ويأمر العبدين باعادته الى الدار. ويفتح عامر عينيه على صف من المهنئين العائدين والحفيدة "زهور" تلوذ بحجره وتنام."

التعليق