كنعان: أحاول التقريب بين مناخات اللوحة والنثرية

تم نشره في الأربعاء 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • كنعان: أحاول التقريب بين مناخات اللوحة والنثرية

تشكيلي وشاعر أردني يرى أن "الأدب تخلى عن فكرته الشمولية"

 

حاورته :عزيزة علي

 عمان- يؤكد التشكيلي والشاعر إياد كنعان:"ان الفن والأدب تخلى عن فكرتي الكليّة والشمولية التي صبغته ولفترة غير قصيرة، فأصبحت علاقة الإبداع بصاحبه أكثر خصوصية".

وإياد المولود في بنغازي- بليبيا، وحاصل على دبلوم الدراسات العليا في الرسم والتصوير من معهد الفنون الجميلة - الجامعة اللبنانية يعي عبر عمله الفني الى المقاربة بين الصورة اللوحة من جهة والقصيدة من جهة اخرى يقول :"حاولت التقريب بين مناخات اللوحة الفنية من جهة، وبين القصيدة أو النثرية من جهة أخرى".

 معتبرا ان الإبهام هو سمة العصر، لافتا الى انها حقيقة لا يمكن الهروب منها. وصدر لكنعان في العام 2005 نصوص نثرية تحت عنوان "المدينة نهر"، وبرر إياد فكرة الانزياح من الفن التشكيلي إلى النص الأدبي"هي فكرة مشروعة إلى حد كبير، إذا كان الهدف منه الإثراء والتخصيب"، حول الفن التشكيلي والنص الأدبي كان "للغد" هذا الحوار معه:

كتابك الأول"المدينة نهر" ماذا تقول عن هذه التجربة؟

ان(المدينة نهر) هي مغامرتي الأولى في الكتابة الشعرية، ربما انطوت على مجازفة ما، لكنني أعتبرها نتيجة طبيعية لولعي في الكتابة منذ سني مراهقتي الأولى، التي اتصفت بعدم الاستقرار إلى حد ما، منذ أخذت أعي وجودي ككائن مستقل في هذا العالم، مسؤول عن تقرير مصيره، وأخذت الأحداث تحفر نيرها في ذاكرتي، كنت أحس حينها بقلق شديد، فلجأت إلى الكتابة على شكل خواطر مشتتة غير مترابطة في البداية، لقد ساعدتني تلك الخواطر، التي كانت اقرب إلى المذكرات على الوصول إلى حالة توازن داخلية مع ذاتي الجموح، لكنها لم تأخذ أي طابع أدبي إلا بعد فترة من الزمن،حينما داومت على القراءة والكتابة بشكل شبه منتظم، أثناء دراستي وبعد تخرجي من معهد الفنون الجميلة، في الجامعة اللبنانية، وربما ساعدني بعد ذلك أيضا عملي في وظيفة مكتبية في جامعة اليرموك. لقد تأرجحت تلك الخواطر بين القصة القصيرة وبعض النثريات المتفرقة، ومحاولة لم تكتمل لكتابة الرواية، التي أتمنى تحقيقها يوما، ثم ما لبثت تلك الخواطر أن اتخذت صيغتها التي قرأتها في مجموعتي الشعرية الأولى(المدينة نهر) أي الصيغة المعروفة اليوم بقصيدة النثر، لقد كانت تحولا مفاجئا وحاسما بالنسبة لي، ولا اخفي عليك، أنني لم أتوقعه أبدا.

أما(المدينة نهر) كموضوع، فكان ثمرة بحث في مفردة المدينة وتجلياتها الإنسانية والوجودية، لم أحمل مشاعر العداء تجاه المدينة ومفرداتها كما صورها البعض، بل على العكس تماما، أردت التماهي في حالة المدينة كمكان، وزمان متطاول البنيان في اتجاهات شتى،ربما غفل الإنسان عن إنسانيته في زحمة الأحداث، وحمى الكسب، والمصالح المتضاربة، أنا لم أهرب من المواجهة، بل على العكس، كرست نصّي للبحث في تلك العلاقة التي تربط الإنسان بمحيطه، بمفردات عيشه اليومي، العلاقة بحاضره الذي يعيش، ومستقبله الذي يطمح، أمور كثيرة تتضافر لصياغة ذلك المشهد الفسيفسائي والدرامي إلى حد كبير. لقد أسعدني احتضان أمانة عمان لمعرضي الشخصي الذي حمل عنوان ذاته (المدينة نهر)، كذلك تبنيها لإصدار تلك المجموعة، لقد كان للمكان الذي أقيم فيه المعرض دلالة خاصة بالنسبة لي، حيث أقيم في منطقة رأس العين، البداية القديمة لمدينة عمان، على مقربة من نبع عمان القديم، التي اعتاد أهل المدينة الشرب منه، طالما حدثني والدي عن تلك الحقبة القديمة، إذ اعتادوا صبيةً السباحة في السيل، وصيد السمك أيضا، لقد حمل ذلك المكان دلالة أضفت بعدا جوهريّا، وقيميّا على تلك التجربة.

*من يقرأ نصك يلاحظ تسلل اللوحة الفنية داخل النص، كيف ترى الانزياح عن الفن التشكيلي إلى صالح النص الأدبي؟

أعتبر هذا إطراء جميلا، إذ نجحت في خلق مقاربة بين ما هو مكتوب وما هو مرئي، المعادلة جدا صعبة، لكنني ربما اقتربت، أو على الأقل حاولت التقريب بين مناخات اللوحة من جهة، والقصيدة أو النثرية من جهة أخرى، لكنني في كلا الحالتين تجنبت التعبير المباشر عن الفكرة، لا يعني هذا بالضرورة أنني افتعلت عوائق أمام المتلقي، في سبيل خلق حالة من الغموض والإبهام المفتعل، بل اعتقد أنني وظفت تلقائيتي إلى ابعد حد، ربما وفقت في إيصال الفكرة أحيانا، ولم أوفق في أحيان أخرى، سأدع الحكم للمتلقي في هذا الشأن.

إلا أن فكرة الانزياح هي فكرة مشروعة إلى حد كبير، إذا كان الهدف منه الإثراء والتخصيب، ذلك اننا لا نستطيع ان نوقف اللوحة عند حدود الشكل أو اللون أو الإطار الخارجي، كما اننا لا نستطيع ان نوقف النص الأدبي عند حدود الكلمة أو المفردة أو التركيب اللغوي، دون التورط في العلاقة الجدلية بين الشكلي او الصوري من جهة، وبين المفاهيمي أو اللغوي أو الأدبي من جهة أخرى. هذا بالنتيجة لا يمس اعترافنا بأن ثمة شكليا متمثلا في الفن، وان هناك مفاهيميا ولغويا متمثلا في الأدب، ولكل مفرداته وأدواته، لكنني واثق بأننا لا نستطيع خلق قطيعة بينهما مهما حاولنا، وربما حاول الكثيرون، وما زالوا.

*برأيك هل ترى أن الإبهام الذي أصاب النص الأدبي وصل إلى اللوحة الفنية أيضاً؟

إن الإبهام هو سمة العصر، هذه حقيقة لا يمكننا الهروب منها مهما حاولنا، الإبهام موجود في الأدب الحديث، مثلما هو موجود في الفن الحديث أيضا، لقد تخلص الأدب والفن من فكرة التعبير المباشر، والمحاكاة الأفلاطونية والأرسطية، باتجاه قضايا أكثر خلافيّة، باتجاه عوالم الفنان والمبدع الداخلية، إنها محاكاة من نوع آخر، محاكاة الداخل، انطلاقا من تجارب ذاتية، التي هي بالنتيجة تجربة إنسانية نستطيع الإحساس بها، ومعايشتها، لأنها تعبر عنا، عن مكنوناتنا الداخلية، من خلال اللون والشكل، أو من خلال الكلمة. لقد  تخلى الفن والأدب عن فكرتي الكليّة والشمولية التي صبغت الفن والأدب زمنا غير يسير، فأصبحت علاقة الإبداع بصاحبه أكثر خصوصية، لا يمكننا قراءة النص الآن بمعزل عن مبدعه، فالأوديسة والإلياذة، وقصص ألف ليلة وليلة بكليّتها وإطلاقها، تلك الأعمال مجهولة المصدر، ليس بدافع السرية بالطبع، بل لأنها ربما ظهرت في مرحلة لا تعترف بالفرد أو استقلاليته، وربما ألّفها مجموعة من المبدعين، لا أستطيع التكهن بذلك،لكننا نقرأها اليوم باندهاش عال، وبشغف شديدين، كما تخلى الفن والأدب عن الواقعية إلى حد كبير، رغم أن أعمال الكثيرين أمثال "شكسبير" و"ستوفسكي" و"مايكوفسكي" و"اتشيخوف" وغيرهم، ستبقى منهلا إبداعيا لا ينضب بواقعيتها وإنسانيتها، رغم عدم خلو هذه الأعمال من الإبهام في تقديري، وإذا استثنينا الأدب أو الفن الموجه للطفل، لا يكاد أي عمل إبداعي يخلو من الإبهام ،عبر العصور، حتى ولو كان نشيدا وطنيا يحفظه الجميع، فالإبهام صفة ملازمة للأدب والفن، وان اتخذ صيغا مختلفة، اننا نحتاج إلى جهد لفهم الأعمال الإبداعية، مهما بدت لنا بسيطة أو ساذجة، ان هذا الجهد هو الذي يدفعنا إلى قراءتها، ومحاولة سبر غورها.

*برأيك هل توجد علاقة بين الفن التشكيلي والنص الأدبي؟ وما شكل هذه العلاقة؟

  

طرحت في كثير من الأحيان على نفسي هذا التساؤل، لأخوض في بحث لم ينته بعد، حول العلاقة التي تربط الفن عموما، والفن التشكيلي خصوصا باللغة كمبحث سيميائي من جهة، ثم كوسيط إبداعي متمثلا بالأدب من جهة أخرى، ولي عدة مقالات منشورة حول تلك العلاقة، وآلية التذوق التي تميز كل منهما، كثيرون أيضا حاولوا البحث في تلك العلاقة، منهم "فرانكين روجرز" في كتابه (الشعر والرسم)، الذي يعتبر وثيقة مهمة جدا بحثت في تلك العلاقة بالتحديد، وهنالك عدة دراسات أخرى حول نفس الموضوع، لقد أدرك القدماء سر ذلك الترابط الوثيق بين الأدب والفن، بطريقة عجزنا عن إدراكها نحن، وأسوق مقولة جميلة لانطون كويبل، كما اشار روجرز، حول العلاقة بين الفن والشعر:

(على الرسام في اسلوبه الراقي ان يكون شاعرا، لا أقول إن عليه ان يكتب شعراً، اذ ربما يفعل المرء ذلك من غير ان يكون شاعرا، لكنني أقول إنه يجب ان لا يمتلئ بالروح ذاتها التي تحرك الحياة في الشعر فحسب، بل عليه أيضا ان يعرف بالضرورة قوانينه التي هي قوانين الرسم ذاتها...على الرسم ان يفعل بالعين ما يفعله الشعر بالاذن).

   

من ناحية أخرى وعلى صعيد تطور الحركات الفنية التي ارتبطت بشكل وثيق بالحركات الأدبية التي تطورت باطراد خلال المائة عام الماضية بشكل انقلابي ملحوظ، فنجد ان ثمة توافقا بين نشوء وتطور أي تيار فكري، بحيث نجد انعكاساته في الأدب مثلما نجده في الفن، ليس الفن التشكيلي فحسب، بل  في الفنون قاطبة. ومن الثابت ان الكثير من الحركات الأدبية كانت سببا في ظهور حركات فنية تبنت رؤيتها الجمالية، وجعلتها مرجعا نظريا وفلسفيا لها، لا انفصال بين الفن والأدب والفلسفة على الإطلاق، علينا أن نعي هذه الحقيقة بوضوح تام.

 إن الفنانين والأدباء والفلاسفة عاشوا سوية في الماضي، تقاسموا الأحلام نفسها، تبادلوا الأفكار وطوّرها وناضلوا من اجلها، فنجد ذلك التوافق كان ثمرة تلاقح فكري، وشغف معرفي، الذي ميّز النتاج الفكري والإبداعي الإنساني، أتمنى عودة تلك العلاقة الحميمة التي كانت تربط الشاعر والقاص والموسيقي والمسرحي بالفنان والمعماري والفيلسوف، حتى نحافظ على توهج شذوة الإبداع وتجددها.

التعليق