عائلات العاملين المصابين في "حياة عمان": حسبنا الله ونعم الوكيل

تم نشره في الاثنين 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • عائلات العاملين المصابين في "حياة عمان": حسبنا الله ونعم الوكيل

نسرين منصور

عمان - لم يكن أنور عقل يعلم أن يوم الأربعاء الماضي سيكون مختلفا عما سبقه من أيام في عمله الذي اندرج به منذ سنتين، والذي توجه إليه حاملا معه أحلاما كبيرة.

ومثل أي موظف مجتهد رتب نفسه والتحق بعمله في مطعم (أوريكس) بفندق (حياة عمان). ينضم إلى رفاق آخرين من دون أن يعلم أحد أنهم سيكونون ضحايا لتفجير إرهابي استهدف الفندق إضافة إلى (راديسون ساس) و(ديز إن).

وفي لحظة قتل التفجير الإرهابي ستة من زملاء عقل، وتركه معلقا بين جراحه الكثيرة التي يتداوى منها الآن في أحد المستشفيات.

 ولم يستطع الشاب المصدوم (21 عاماً) وغير القادر على المشي في الوقت الراهن بعد إصابته في ظهره أن يروي ما حدث بالضبط. إلا أن الدموع التي ذرفتها عيناه كانت كافية للتعبير عن حجم المأساة التي تحيط به بعد أن فقد ستة من زملائه وكان هو من الناجين القلائل.

وتقول والدة أنور عقل الذي يستلقي على سريره في مستشفى الأردن إن "الصدمة كانت قوية عليه، توفي غالبية الشباب الذي كانوا يعملون معه".

وفي إحدى غرف قسم العناية المركزة في مستشفى عمان الجراحي يرقد زميل أنور مدير مطعم(أوريكس) الشاب طارق القدسي بلا حراك تلتف حول عنقه ووجهه أجهزة التنفس الاصطناعي وغيرها من الأجهزة الطبية.

وبمرارة الأم تروي إلهام القدسي حكاية ابنها (23 عاماً) الذي أخفت الشظايا ملامح وجهه الحقيقية وجعلته غير قادر على الحراك أو الكلام.

تقول "الله يلوّع قلوبهم مثل ما لوعوا قلوب الأمهات، الله لا يسامحهم".

وتعيش القدسي لحظات حزن كبيرة بسبب حالة ابنها. فهي لا تغادر المستشفى لا ليلاً ولا نهاراً منتظرة بفارغ الصبر اللحظة التي يفيق فيها طارق ويعود إلى الواقع من جديد.

وكانت عائلة طارق انتقلت قبل أيام قليلة من الانفجار إلى السكن في بيت جديد لم يدخله طارق بعد ولم يشاهد غرفته الجديدة، بل انتقل إلى عالم آخر كان يفترض به أن يكون حلماً وليس كابوساً خلّف عشرات الشهداء .

ويعاني طارق من حروق من الدرجة الثانية في الوجه واليدين وعدة شظايا متناثرة في الجسم وريح صدرية دموية في الرئة اليمنى بحسب رئيس قسم العناية المركزة في مستشفى عمان الجراحي د. زياد أبو طالب.

ويقول أبو طالب بأن "حالة طارق حرجة"، فهو موجود حالياً على الجهاز التنفسي الاصطناعي وتحت تأثير المسكنات والمهدئات. ولم تسلم أيضاً عينا طارق من شظايا التفجير حيث يشير أبو طالب إلى "وجود شظايا خلف السائل الزجاجي في عينه اليمنى". ويحتاج إلى عدة عمليات من أجل عينه اليمنى، إضافة إلى استئصال بعض الشظايا في الورك الأيسر، فضلا عن أنه يحتاج إلى عمليات تجميل بعد استقرار حالته.

 المواقع مختلفة ولكن المشاهد واحدة في أروقة المستشفيات. دموع جارية على خدود أمهات بسبب فقدان أو إصابة أبنائهن وبناتهن. تنهدات تتردد في زوايا الممرات. أصدقاء وعائلات وزملاء يتواجدون لمؤازرة أحبائهم والتخفيف من معاناتهم.

وفي إحدى غرف العناية المركزة في مستشفى الشميساني يرقد الشاب العشريني عمار جودة الذي طالته أيدي المجرمين وسببت له إصابة في الدماغ أجريت له على أثرها عملية جراحية.

أشقاؤه ووالده ووالدته وزملاؤه وأصدقاؤه يقفون أمام غرفته في قسم العناية المركزة لا يفارقونه. يبتهلون إلى الله بالدعاء له بالشفاء ويدعون على من فعلوا ذلك بأن يأخذوا جزاءهم.

وفي زواية صغيرة من ممر العناية المركزة تجلس أم عمار التي ما تزال غير مصدقة ما حدث لابنها الأصغر عمار الذي يعمل موظفاً في فندق حياة عمان. تدخل غرفته بين الفينة والأخرى فتراه من جديد ممدداً على سريره لا يقوى على فعل شيء.

"الله لا يباركلهم". بتلك الكلمات القليلة تصف أم عمار الذين قاموا بتنفيذ العملية الإجرامية التي أصابت ولدها وغيره المئات وأودت بحياة العشرات.

 

وتستنكر أم عمار ما حدث لابنها وغيره من الشباب العاملين في فندق حياة عمان قائلة "ما ذنب الشباب الصغار الذين يبحثون عن رزقتهم".

 أما والد عمار محمد شاكر جودة فقد اكتفى بقوله "مجرمون قتلوا الرجال والنساء والأطفال بدم بارد ومع سبق الإصرار". ويلوذ في صمته وهو يقول"حسبي الله ونعم الوكيل".

ولم تخلُ ممرات المستشفيات وردهاتها من زملاء طارق وعمار الذين يعملون معهم في الفندق نفسه. أحدهم صديق عمار وزميله أحمد الحايك

(19 عاماً) الذي لا يتمنى سوى رؤية صديقه يعود للحياة من جديد.

"لا أحد يريد أن يصدق ما حدث فهو أشبه بالكابوس الذي حدث في لمح البصر". على حد قول أحد الموظفين في قسم الحفلات محمد خليل ( 22 عاماً). ويضيف "كنت في الطابق السفلي في إحدى القاعات نعد التجهيزات لمؤتمر طبي حين حدث الانفجار".

أشلاء مكومة فوق بعضها البعض.. جثث متراكمة ومتكدسة لزملاء وأصدقاء وزبائن في بهو الفندق. هذا ما شاهده محمد حين هرع راكضاً نحو الطابق العلوي.

 يقول"صرنا نبحث عنهم ونحاول إسعافهم". ولكن من دون جدوى فمعظمهم لفظ أنفاسه الأخيرة قبل قدوم الإسعاف.

ستة شباب وفتاة لقوا مصرعهم في الحادث الإجرامي بفندق (جراند حياة عمان)، خاطفا أحلامهم وطموحاتهم. بعضهم كان يعد لتجهيزات عرسه الذي كان من المفترض أن يقام الشهر المقبل. آخرون لم يشاهدوا غرفهم الجديدة بعد. وقصص أخرى لم يكشف عنها حتى الآن.

أحلام وطموحات عادية لشباب في عمر الورود ذهبت أدراج الرياح في ليلة لن ينساها أحد، مخلفة وراءها جروحا عميقة في الأنفس. وأخرى على أجساد ناجين سيحملونها طويلا شاهدة على المذبحة.

التعليق