"دولة اسمها الأمل":عالم متخيل يصلح بديلا للواقع الحالي

تم نشره في السبت 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • "دولة اسمها الأمل":عالم متخيل يصلح بديلا للواقع الحالي

في الرواية الأولى لطلال غزال

 

 

   عمان-الغد-عن دار اليازوري للنشر والتوزيع صدر حديثاً للاديب  طلال غزال رواية " دولة اسمها الأمل "  وهي الرواية الاولى له بعد كتابيه غزال "الحق والخلق والفرق" ، و"قصة الخلق من التكوين إلى التكوير". 

   وتدور احداث الرواية حول دولة متخيلة اسمها جيطان وهي  بلاد صغيرة المساحة صحراوية جافة شديدة الحرارة صيفاً قليلة الموارد والمياه، والصحراء الشاسعة لا ينهي رمالها مياه البحر المالحة في الغرب وسلسلة جبال الربايا في الشرق، تلك كانت جغرافية وطننا سابقاً وما زالت .

   أما شعب جيطان بحسب رواية غزال، فهو متعدد الأعراق والأجناس، وبأن شعوبها أربعة شعوب مختلفة في كل شيء من الثقافة إلى الدين إلى اللغة ولم يجمعنا الاّ مظلة واحدة هي مظلة الدولة الجيطانية .

   يقول غزال في مقدمة روايته :" أجد من واجبي تجاه ابنائي وبناتي ان أحكي لكم حكاية كل شعب فأنتم اليوم أمة واحدة لا يفرق بينها شيء على الرغم من أنكم أحفاد ذلك العهد البائد .

   سكان هذه الصحراء الأصليون هم شعب اسمه الصبار، قبائل امتهنت الزراعة ورعاية الماشية بأنواعها ويحكمها نظام قبلي صارم، وعلى رأس الهرم شيخ القبيلة الاكبر ثم شيوخ الفروع الأقل شأناً .

   كان مركز ولاية الصبار مدينة البصيرة الصغيرة التي تقع في الجانب الشرقي وإلى ظهرها تشمخ جبال الربايا العالية التي فصلت دولة جيطان عن جارتها الكبرى دولة كرمان ، وإلى جنوب البصيرة يمر وادي السرداب مقتحماً الصحراء حتى ينتهي في البحر غرباً، وعلى ضفتي الوادي استوطن معظم الصبار فمنه يشربون وعلى أرضه يزرعون ويرعون ماشيتهم . كان شعب الصبار شجاعاً كريماً تخلى عن جذوره العرقية وانخرط بهمة في بناء دولة جيطان الحديثة، ولضعف التعليم بين أبنائه وعدم خبرته بالتجارة والصناعة استحوذ الصبار على معظم الوظائف العسكرية في الدولة أي الجيش والشرطة بالإضافة إلى وظائف الدولة الدنيا .

   أما القومية الثانية في جيطان فهي شعب اسمه الديار وهم سلالة التجار الذين استقروا في مدينة نويران، الميناء البحري والمركز التجاري".

   على الرغم من أن صحراء جيطان وسواحلها مرت بها الرسالات السماوية كلها، الاّ أن شعوبها اتبعت أدياناً بعيدة كل البعد عن أن تكون سماوية، فالنظار والحبار أحضروا معهم أوثانهم ومعتقداتهم البعيدة وطوروا وزادوا عليها من المجون والفجور لجذب الرواد إليها . أما الديار والصبار الأقرب معرفة بالله والبعث فقد نسوا دينهم وعبدوا أوثاناً سموها بأسماء من عندهم .

   تكوّنت لدى الشعوب طبقة كهنة قوية وغنية حافظت على المعابد الكثيرة وإدارتها بكفاءة عالية، ولقيت طبقة الكهنة هذه التأييد القوي من الساسة ورجال الأعمال، والحق يقال أن دولة جيطان ودستورها كفلا حرية الدين والعبادة لكل مواطن مهما كان مذهبه ومعتقده، ولم يحدث مطلقاً في تاريخ جيطان أن جرت صدامات دينية طائفية بين الشعوب، فكل طائفة احترمت معتقدات الأخرى، على الرغم من أن الدولة مارست الحياد التام حيال الدين الذي لا يدرس في مدارس الحكومة، فجيطان كانت بحق دولة لا دينية " علمانية " يمارس فيها كل فرد المعتقد الذي يريد . على هذه الأسس التاريخية والجغرافية والسكانية والسياسية قامت دولة جيطان التي ازدهرت وعظم شأنها.

   وتقول الرواية ان سكان جيطان من أربعة أعراق رئيسية: الصبّار والحبّار والديّار والنظّار. وإذا بدأنا من الصبّار فهم سكان الصحراء عامة وعاصمتهم البصيرة وهي مدينة تاريخية قديمة نشأت فيها حضارة مزدهرة منذ آلاف السنين. والصبّار أو الصبابرة أو الصبّارون كما يطلق عليهم الآخرون لا شك أن أصولهم وجذورهم عربية أتت من قلب الصحراء القابعة خلف جبال الربايا الشاهقة، وقد استوطنوا وادي السرداب الخصب حيث اعتاشوا من تربية الماشية خاصة الإبل والغنم وكذلك هجنوا أفضل الخيول العربية الأصيلة، ثم بدأوا ببعض أنواع الزراعة السهلة المستديمة مثل العنب والرمان واللوز والنخيل، وقد اشتهروا بين القبائل والمدن بأن لديهم أفضل أنواع النبيذ المخمر من تمور الوادي. وقد انتشر من بقي من الصبّار مع الوادي والمستوطنات الصغيرة في الصحراء شمال وجنوب جيطان.

   وعن الرواية كتب الناقد محمد عبدالله القواسمة على الغلاف الأخير:" يقيم الروائي طلال غزال في عمله الضخم "دولة اسمها الأمل" عالماً تخييلياً في بقعة جغرافية حقيقية معروفة، ويتمثل هذا العالم في دولة الإيمان التي يقيمها على أنقاض دولة جيطان التي تقع في الجزء الشمالي من البحر الأحمر، وعلى جانبه الشرقي ولعل في اختيار هذه المنطقة ما يشير إلى التاريخ حيث شهدت هذه المنطقة مولد أهم ديانات الشرق وهي الديانة الاسلامية وكأنما الأمل يتجدد وينبعث في هذه المنطقة من العالم .

   ويضيف القواسمة : " ودولة جيطان هذه من صنع الاستعمار البريطاني قد طغت في الأرض وأشركت بالله وعمها الفسق والانحلال على الرغم من أنها أخذت بالعلم الحديث، جانبه السيئ وسخرته للسيطرة على الإنسان وتتبع حركاته وسكناته، وجعلت على كتفه وحول رقبته مراقبين إلكترونيين كأنهما الملكان المعرفان في الميثولوجيا الدينية ".

   ويؤكد : " يتحقق لطلال غزال النجاح في رفض القيم التي تتبناها القبيلة، لا القبيلة بمعناها العشائري ولكن بمفهومها العولمي الحالي حيث القيمة الأولى للمال وتسخير العلم لقمع الانسان واستعباده، فشيوخ هذه القبيلة هم الزعماء والحكام وأما بقية الناس فهم العبيد المسخرون لخدمة الطبقة الأولى، ولن يكون الخلاص الاّ بالعودة إلى الدين التوحيدي السليم .

   وإذا كان الكاتب ينبت من الواقع عالمه الآنف الذكر فانه يؤكد من خلال ذلك ان الواقع يمكن التخلص منه واعتباره عالماً رمزياً يمنح العالم الأول تماسكه وواقعيته، وإذا كانت شخصية رمال قريبة من النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو يسوع فإنما ليطرح من خلالها حاجة العالم إلى رجل في أخلاق هذين النبيين وصلابتهما .

   ويضيف : " ولا شك في أن هذا العالم المهجن من العالم الواقعي والخيالي يصلح ليجسد في فيلم سينمائي عظيم، بخاصة أن رقاعاً كثيرة منه تستند إلى الحوار والمشاهد الشائقة واللقطات الطويلة دونما تدخل الأزمنة والأمكنة والمونتاج الزماني والمكاني. إنه عالم يمكن أن يصلح بديلاً عن عالمنا الحالي لأنه يمكن حدوثه، وهذا يجعله محط طموح الناس للوصول إليه وتحقيقه أو على الأقل انتظاره.

التعليق