أرصفة تختزل كل مشاهد الحياة في القاهرة

تم نشره في الخميس 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 10:00 صباحاً
  • أرصفة تختزل كل مشاهد الحياة في القاهرة

 اعداد قسم المعلومات الصحافية

 

   زحام وأناس يتدفقون ليلحقوا بمصالحهم، وباعة يبيعون كل شيء من الإبرة، وحتى الصاروخ كما يقال، وباعة كتب، وجوارب وألعاب أطفال، وسيارات لم يكفها الطريق فقررت أن تصعد على الرصيف لتركن أو لتواصل سيرها، وشحاذون استوطنوا ظل البنايات العالية ومقاه (فرشت عدتها) في الشارع، وعاشقون، وأشياء أخرى كثيرة.

 

   ورغم كل هذا نعبر هذا العالم الغريب الصعب المزعج المحبوب، عالم أرصفة القاهرة حيث تختزل المدينة كلها في أرصفتها وتتحول بكل زخرفها وتراثها وقدرة المصريين على الاحتمال وعلى ابتكار الوسائل البديلة للتكيف مع ظروفهم الاقتصادية الصعبة، فهنا فوق أرصفة القاهرة يوجد كل شيء ربما لا يوجد في أي مكان آخر شبيه له، إلا في القاهرة.

   أول ملامح أرصفة القاهرة عابروها.. وعابرو أرصفة القاهرة يختلفون لأنهم في غالبيتهم غرباء، ربما لان القاهرة تحبهم فهم أيضا يحبونها، ويأتون اليها دائما.

   القاهرة مدينة بالمعنى الكامل لكلمة مدينة بكل ما تطرحه هذه الكلمة من قسوة وصرامة وحميمية في آن واحد، لكن أرصفة القاهرة اكثر حميمية منها، ربما لان ساكنيها استطاعوا ان يحولوا هذه الأرصفة الى جزء من الحياة، بل حياة كاملة متكاملة مستقلة بذاتها. فيها كل شيء: البيوت بعد ان اعتبر الشحاذون الأرصفة بيوتهم. والمقاهي بعد ان اصبح أصحاب المقاهي يعتبرون الأرصفة امتدادا طبيعيا لمقاهيهم.

   عندما غزت الصين السوق المصري غزته من السلم الخلفي الاسرع انتشارا فاتجهت مباشرة للطبقة الاكثر انتشارا والاكثر فقرا والتي تفضل ان تشتري احتياجاتها من على الارصفة لانها الاقرب لها، والاكثر التصاقا بها وان تكتفي فقط بالفرجة على الملابس اللامعة المغسولة جيدا، والمغرية جدا والتي تقف وراء فاترينات وزجاج المحلات الكبرى تغريهم بالدخول لكن جيوبهم لا تساعدهم على ذلك، ثم يذهبون الى الارصفة بحثا عن التقليد.

   العابرون يعتبرون الأرصفة بيتهم الثاني، ولاسيما في الصيف حين تضيق الشقق الضيقة بمن فيها فيقررون البحث عن نسمة من الهواء على الأرصفة التي تحتويهم جميعا رغم الضغط الشديد عليها. لكن العابرين أيضا ينقسمون إلى أنواع؛ أولهم الغرباء الذين يجدون في أرصفة القاهرة ملاذا من وحشة المدينة ومن غضبتها وقسوتها على ريفيتهم التي لم يلوثها بعد زعيق السيارات، لذا يسيرون على الأرصفة ويستندون الى الحوائط وهم ينظرون بدهشة الى هذه الحياة.

   ففي قراهم الشوارع متسعة فارغة لا يمر بها احد الا لماما لذا هم يسيرون هناك كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، اما هنا، على ارصفة العاصمة فليس من المجدي اطلاقا ان يمروا هكذا. الأرصفة تتيح للغرباء أيضا فرصة رؤية القاهرة السفلية وكيف يعيش أهلها ويأكلون: عربات الفول والكشري تنتشر على أرصفة كثيرة في القاهرة، ولا سيما في أحيائها الشعبية، وعربات البسبوسة والبسيمة «التشكيلة» وبلح الشام موجودة ايضا.

   وماذا يشرب ساكنو الأرصفة؟: هنا ستجد أن باعة العرقسوس الذين لا يكفون عن النداء «شفا وخمير ياعرقسوس» لا يكفون ايضا عن التجوال على الارصفة حيث جمهورهم الاوحد، فهنا ستجد باعة الخروب والتمر هندي والسوبيا ومحلات عصير القصب القادم من اقصى الصعيد على عربات ربع نقل قطعت عشرات الكيلومترات إلى العاصمة.

   الارصفة تتيح للغرباء ايضا ان يشاهدوا عيون القاهرة المفتوحة؛ محلاتها ودكاكينها وحلاقيها وعطاريها ومكتباتها وخردواتها التي اصبح الرصيف جزءا مكملا لها. الرصيف كما هو مهم تماما في حياة القاهريين هو مهم ايضا في حياة الغرباء عنها كونه يضع ايديهم على ما يبحثون عنه.. تاريخ القاهرة.

   هنالك جزء من أغنية مغمورة لعمرو دياب تحكي جزءا عن تاريخ  رصيف نمرة 5 ، وهي تقول: «رصيف نمرة خمسة والشارع زحام، وساكت كلامنا ما لاقي كلام، تسالي يا خال تدخن يا عم، تتوه المعاني في لساني لجام». لكن جمال الغيطاني يرى انه في الأزمنة الصعبة يصبح الرصيف مكانا للإقامة، ومن يقيم فوق الرصيف يصبح مثل المقيم فوق جسر، فالجسور للعبور وكذلك الأرصفة، ولأن الرصيف كشف وليس سترا تصبح حياة الإنسان مكشوفة ولا خصوصية فيها.

 

باب الحديد

   أشهر أرصفة القاهرة رصيف باب الحديد، محطة مصر، يعرفه كل من جاء مسافرا من محافظات القاهرة إليها، لم يأت إليها احد إلا ومر من خلاله ووقف عليه وانتظر قطارا، وودع أحبة، ذرف دموعا عليهم، ولوح لهم بمنديله.

   وحديثا نشأ رصيف المترو لكنه لا يملك كنزا من التجارب والخبرة مثل رصيف باب الحديد، ربما لأن قطاراته تمر كل فترة وجيزة أما رصيف او أرصفة باب الحديد فإنها عقدت فيما يبدو علاقة اتفاقية مع أهل مصر الذين يبيت الكثير منهم عليها خاصة جنودها الذين ينتظرون (القطار الحربي) الذي سيصحبهم إلى معسكراتهم او الى اهلهم في اماكنهم البعيدة، ان كانوا قد خرجوا في إجازة. تعرفهم من وجوهم التي لوحتها الشمس من ملابسهم المموهة من انتظارهم الدائم على رصيفي 9 و11 من خوفهم من الشرطة العسكرية من تجمعهم حول كوب الشاي وسيجارة ومن فرحتهم بالعودة ومن احتفاء الرصيف بهم.

   أما رصيف المترو فأهم ظواهره احتفاؤه بالعشاق الصغار لأن عينك ستقع حتما على ولد وبنت في سنواتهما الاولى يجلسان متجاورين على رصيف محطات المترو.. يمر القطار تلو القطار ولا ينصرفان، فقط يتحدثان ولا يأبهان كثيرا بالمترو ولا بالعيون المتطلعة اليهما.

   رصيف المترو خلق مكانا جديدا للحب يختلف كثيرا عن رصيف الكورنيش في انه مغلق كما انه يمكن وصفه بالحب «المقنع»، أما رصيف الكورنيش فهو غني عن التعريف يعرفه كل عاشقي النيل. خاصة العشاق الذين لا يملكون ثمن الدخول الي الأماكن المغلقة، الأماكن التي بها نادل يبتسم ابتسامة دبلوماسية وهو يمرر في آخر الجلسة ورقة بها مبلغ قد يفزع منه العاشق، وقد يفرق بينه وبين حبيبته، لذا فهو يحتمل ضجيج باعة اللب والفول السوداني وباعة الورد الذي يصرون «وردة للهانم يا بيه» وباعة الياسمين وباعة الكوكا الساخنة.

لكن رصيف الكورنيش لا يقتصر فقط على العاشقين فبه أيضا الأسر التي تخرج لتشم الهواء، أب وأم وطفل رضيع. إضافة إلى المهمشين الذين يبحثون عن موطئ قدم لهم في هذه العاصمة، هنا باعة لا أماكن لهم يبيعون فيها بضاعتهم سوى هذا المكان؛ باعة الذرة الشامية ومؤجرو المراكب وباعة الياسمين والفل والترمس.

   ومن اهم ارصفة القاهرة رصيف التحرير الذي شهد تجمهرات كثيرة ومظاهرات عدة طوال نصف القرن الماضي، والذي يمتد بطول وعرض ودائرية ميدان التحرير، وهو من اشهر ارصفة مصر.

   ولكن رصيف الليل يختلف عن رصيف النهار، فرصيف النهار مزدحم قاتل، قد يصيبك باليأس، أناس تتدافع، من أجل أن تعود إلى بيتها لتنام قليلا، ولتهبط ليلا مرة أخرى الى نفس الرصيف لكن وهم اكثر هدوءا للتمشية وللجلوس على المقهى. ويمثل رصيف الليل في كثير من الأحيان لدى البعض كسرا للرقابة، فعليه يوجد كل شيء فمثلا عندما تمنع الرقابة فيلما، ستجده يباع في اليوم التالي على الرصيف بعد ان تم تصويره ونسخه، وعندما يتم منع كتاب يتم تصويره ونسخه ونشره بسرعة.

التعليق