"ضجر" لأيمن عيسى .. "خربشات" تقاوم الاستسلام للضجر !

تم نشره في الأحد 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 10:00 صباحاً
  • "ضجر" لأيمن عيسى .. "خربشات" تقاوم الاستسلام للضجر !

 وجوه على أوراق وكتابات رسمية

 

 

 يوسف الشايب

 رام الله -استطاع الفنان التشكيلي الفلسطيني الشاب، أيمن عيسى، وفي أول معرض شخصي له، أن يثير زوبعة من الأسئلة، عبر "خربشات" اتخذت من أوراق مروسة وقرارات وتقارير لوزارة الثقافة الفلسطينية، حيث يعمل، فضاءات "بيضاء وليست بيضاء" لها، منها سجلات الحضور والغياب القديمة، و"تنبيه" موجه له، وتكليفات له ولغيره، في محاولة للتغلب على حالة "الضجر"، وهو عنوان المعرض، التي يعيشها كموظف حكومي "ما في شغلة ولا عملة وراه، إلا يأكل ويشرب ويقرأ جريدة".

والمعرض، الذي تستضيفه مؤسسة عبد المحسن القطان برام الله، يحمل من البساطة والعمق، ما يؤهله ليكون معرضاً على درجة كبيرة من الأهمية، فعلى الجدار استكتشات أو خربشات لنساء، ورجال، وحيوانات، وغيرها، على ورق أبيض فارغ يحمل ترويسة وزارة الثقافة، أو على قرارات للوزارة، أو على أغلفة مجلات، أو نشرات، وجدها عيسى على مكتبه، الذي جسد بالمعرض، في محاولة لنقل الواقع الذي يعيشه .. المكتب وما عليه من رسومات مبعثرة، أضاف بعداً فنياً عميقاً للمعرض، كما هو حال "الخربشات"، التي اتخذت من غرفة بعض الموظفين في "القطان" مساحة لعرضها.

أيمن عيسى، وهو من مواليد غزة العام 1974، ويعمل في قسم الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة بغزة، يتحدث عن حكاية المعرض، فيقول: أعمل ولا أعمل في وزارة الثقافة، منذ أكثر من خمس سنوات، أي أنني ملتزم بدوام يومي من الثامنة صباحاً، وحتى الثانية والنصف بعد الظهر، دون القيام بأية مهام، أكثر من شرب فنجان أو اثنين أو ربما عشرة من القهوة، ومثلها من الشاي، وتناول طعام الإفطار مع الزملاء، وأحياناً قراءة الجريدة.. شعور قاتل أن تعمل ولا تعمل، فقررت التغلب على ذلك .. في بداية الأمر كنت أتغلب على ضجري برسم بورتريهات لزملائي زميلاتي في الوزارة، لكني سرعان ما مللت ذلك، فبدأت أخرج إلى البحر لاصطياد السمك، وهي الهواية التي أجد فيها متعة حقيقية، إلا أن الأمر تغير بعد التشديد على الدوام، ولكن أيضاً دون عمل، فصرت وبطريقة عفوية أرسم على كل ورقة أراها أمامي على المكتب، فخرجت بأكثر من 500 سكيتش، أرسلت بعضها لـ"القطان"، فراقت لهم الفكرة، واستضافوا المعرض، الذي أعتبره الخطوة الفنية الأهم بالنسبة لي.

ويضيف عيسى: كانت متعة أن أقدم، ودون وعي أو تخطيط، شيئاً مختلفاً، على الأقل بالنسبة لي، فهي المرة الأولى التي أستخدم فيها الريشة والحبر الصيني بدلاً من ألوان الزيت، كما هي المرة الأولى التي اتجهت فيها نحو التجريد، إن جاز لي التعبير .. باختصار أنا رسمت، وراقت لي الفكرة، فتركت الأمر بعد ذلك للجمهور، عبر هذا المعرض.

وبلغة أكثر عمقاً يقول عيسى، الحاصل على بكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة النجاح الوطنية، عن معرضه: كإنسان تعتريه مشاعر مختلفة بين صراع مع الذات تارة، ومع المحيطين تارة أخرى، وأحياناً ملل وضجر من الذات ومن الآخرين، حاولت في هذا العمل أن أخفف هذه الحدة، وأن أملأ المساحات الفارغة فيّ وحولي، علي أن أحقق معنى ما.

وترى ريم فضة، قيّم المعرض ( The Curator)، أن ما يميز المعرض هو "حجم الأسئلة التي يتركها لدى المتلقي، والمساحة الواسعة للتفسير التي أوجدتها هذه الخربشات، علاوة على طرحه تساؤلات هامة حول علاقة الفن بالحياة اليومية، وما يوفره المعرض من نقد للبيروقراطية، وآلية عمل المؤسسات الرسمية"، مشيرة إلى أنها حاولت ومن خلال طريقة العرض أن "تحافظ على هذا الكم من الأسئلة، وعلى ديناميكية المعرض، بما يكفل إيصال الشعور الذي كان ينتاب الفنان أثناء الرسم، أو "الخربشة".

وتقول فضة: أيمن عيسى، وعبر هذه الخربشات، "يدرك تماماً كيف يختزل الأنشاء"، عبر "رسم ما يمكن وصفه بصور نمطية لشخوص، ضاعت في متاهة الكتابات والشعارات الرسمية"، في محاولة "ليبرز موقعه من اللوحة، والعوامل المحيطة به، أو ما يمكن تسميته بالتناول الاجتماعي للوحة".

أما محمود أبو هشهش، مدير برنامج الثقافة والعلوم في مؤسسة عبد المحسن القطان، فيرى أن ما يميز المعرض، باختصار، هو قيام عيسى بـ"تحويل حالة الضجر والملل إلى فن"، فيما يمكن وصفه بـ"القيام بفعل بهدف عدم الاستسلام لحالة اللافعل".

التعليق