النيل: نهر اسمه النهر

تم نشره في السبت 22 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 08:00 صباحاً

 عمان-الغد- خطئ من يعتقد أن النيل اسمٌ لنهر؛ فالكلمة "نيل"، مشتقةٌ من اللفظ اليوناني "نيلوس"، ومعناه: النهر؛ فإنك إذا قلت: نهر النيل، فكأنك تقول: نهر النهر.

ولقد خلع الجغرافيون والمستكشفون والشعراء على أنهار العالم صفاتٍ مميِّزة؛ فكان "الجانجا" هو "النهر الذي يُنزِل السكينة على قلوب من يعانون سكرة الموت"؛ والمسيسيبي هو "النهر الذي يتحدى قدرات البشر وذكاءهم"؛ والفولجا هو "الحصن المنيع في وجه الغزاة"؛ والأمازون "نهر يشق مساره شامخاً عنيفاً"؛ أما النيل، فقد وصفوه بأنه " النهر الذي يهب الحياة"؛ وهو وصفٌ مُستحَقٌ إلى أبعد الحدود؛ غير أننا نضيف صفة المتحضِّرة إلى كلمة الحياة، فالنيل لم يكن يرتضي لسكانه أيَّ حياة، ولكن حضارةً عظيمة، دامت لآلاف السنين.

والغريب، أن منطقة النهر، قبل أن يولد بها النيل، في العصر المطير (قبل 10 آلاف سنة) لم يكن بها ما يشير لاحتمال أن تنشأ بها حضارة؛ فمع نهاية العصر الجليدي الأخير، كان النهر عبارة عن مستنقع واسع؛ وكان سكان المنطقة يتحولون، ببطء شديد، من مجرد جامعي ثمار وبذور برِّية، إلى فلاحين بدائيين، يزرعون ما يتيسر لهم من حبوب على حواف ذلك المستنقع. وعلى مدى آلاف السنين التالية، اكتسب السكان بعض المهارات الزراعية، كما أخذ النهر، الضائع في المستنقع، يلملم نفسه، ويتماسك، ويتعلم أن يجري كما تجري الأنهار.

وكلما تأكدت هيئة النهر، ترسَّخت مظاهر الحضارة الوليدة؛ فقد تزايدت خبرات السكان، فاخترعوا المحراث، واستأنسوا الحيوانات، وعرفوا الأواني الفخارية، ودبغوا الجلود، ونسجوا القماش من خيوط الكتان، وصنعوا طوب البناء؛ وهي – كلها – خبرات لم تكن لتتوفر لهم بغير عونٍ من النهر.

غير أن النهر لم يكن طيباً طول الوقت؛ كان يقسو، فيفيض ليغرق الحرث والزرع؛ ويقسو، كرَّةً أخرى، فيغيض، وتغيض معه الحياة... فتعلَّموا أن ليس كل البقرات سمان.

وكان الرجال يواجهون غضب النهر متفرقين، فلم يلبثوا أن أدركوا حاجتهم للتعاون؛ كما تبينوا احتياجهم للعمل وفق خطة مدروسة، وأن تكون لهم قيادة تنظم العمل، فعرفت البشرية الحكومة، والدولة المركزية، والنظام الطبقي المتماسك، الذي يعتلي الفرعون قمته، يليه الكهنة، ثم الفنانون والمهنيون، ثم الفلاحون، وينتهي بالعبيد.

لقد لم يتوقف النيل عن إلهام سكانه الشماليين. كان الفيضان يداهمهم، فتعلموا أن يتوقعوا مداهماته.. حدَّقوا في السماء، وربطوا بين أوقات الخطر وصور النجوم؛ فوضعوا التقويم السنوي، الذي يعتمد على تكرار الفيضان كل 365 يوما وربع اليوم. وقد وصف يوليوس قيصر التقويم المصري بأنه أعظم وأذكى تقويم في العالم، وفرضه على الدولة الرومانية.

و حسب موقع الميدل ايست اون لاين فقد أدرك المصريون القدماء معنى الوقت، وشعروا بالحاجة إلى قياسه؛ وفطنوا إلى أن الزمن يعني "حوادث"، فكان أن سجلوا هذه الحوادث، فجاء الرسم؛ ثم اشتقوا من رسوماتهم وحداتٍ ذات دلالات ثابتة، كانت هي مبادئ الكتابة. ولكن، على أي شيء يكتبون؟

ذهب المصريون إلى النيل، ينشدون معونته، فأعطاهم نبات البردي. قطَّعوا عيدان البردي إلى أشرطة، وجدلوها معاً، متقاطعةً، ثم ضربوها وضغطوها، فصارت صفحات رقيقة.. صارت ورقاً صالحاً للكتابة. ومن الغاب صُنعت الأقلام؛ ومن أصباغ النباتات النيلية استخلصوا الحبر.

لم يتوقف النهر عن تعليم ناسه ودفعهم إلى استحداث الأفكار والوسائل الموطِّدة للحضارة. كان يفيض، فيكتسح الحواجز ويمسح ملامح الأرض.. كيف، إذن، يعرف الفلاح أين تنتهي أرضه لتبدأ أرض جاره؟ من هنا، عرف المصريون فن القياس، وقسَّموا المسافات، بدقة أدهشت العالم.

وأتاح النيل للمصريين ظهره، فركبوه. كان وسيلة نقل فريدة؛ فتياراته وأمواجه تأتي من الجنوب، تحمل المسافرين شمالاً؛ والرياح السائدة شمالية، تملأ أشرعة المبحرين جنوباً. وكان لحركة الملاحة النهرية النشطة مردودان هامان : نشَّطت التجارة؛ ووحَّدت الأمة.

الجدير بالذكر، أن النيل هو الوحيد بين أنهار العالم، الذي تجري مياهه من الجنوب للشمال. والطريف، أن تحتمس الأول أخذ يطارد الهكسوس، حتى وصل إلى نهر الفرات، فوجده يجري من الشمال إلى الجنوب؛ فأوقف عملياته العسكرية، ولم يفكر في ركوب هذا النهر (ذي المياه المعكوسة).

الفقيرة، يكمن في توجه عام لإخفائها، وتضليل من يتقصون عنها. لقد قُيِّض لكاتب هذه السطور أن يكتشف بنفسه غياب الاعتبارات البيئية والصحية عند اختيار المبيدات والتعامل معها؛ فقد نشرت الصحف إعلانات عن نجاح مبيد "البايلوسيد" في القضاء على قواقع البلهارسيا، في الترع والقنوات المتصلة بالنيل، في مصر؛ وأكدت الإعلانات على القدرة الانتقائية للمبيد، فهو "ذكي"، لا يصيب إلا القواقع .. وقد تزامن نشر هذه الإعلانات مع حضورنا حفل مناقشة رسالة جامعية، تناولت "التأثيرات السيتو وراثية، والتغيرات السُمِّية الجينية لمبيد البايلو سيد، في نباتي الفول والذرة". وتوصلت الرسالة إلى أن لهذا المبيد تأثيرات فادحة على هذين النباتين الاقتصاديين، فهو يثبِّط تخليق الحمض النووي (دنا) في البادرات؛ ويشوِّه كروموسومات خلايا النباتين؛ ويرفع نسبة العقم في حبوب اللقاح؛ بالإضافة إلى تأثيره الواضح على لون ونوعية الطبقات المختلفة لهذين النوعين من الحبوب الغذائية.

التعليق