الجمعية الدورية: تكافل اجتماعي في مواجهة الضغوط الاقتصادية المتسارعة

تم نشره في الخميس 20 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 09:00 صباحاً

"قرض بدون فائدة والكفيل هو الثقة"

 

جمانة مصطفى

   عمان-الحصول على قرض بدون فوائد، وفي الوقت الذي ترغبه، هو ببساطة الفكرة التي تمثلها "الجمعية".

والمبلغ المضمون هو ما يتبادر إلى الذهن حين تعلن احدى الجارات أو يقول أحد الموظفين "لدينا جمعية بألف دينار، هل تود الانضمام؟".

كعادتها؛ تفرز المجتمعات النسائية أفكارها الاقتصادية المبتكرة منذ القدم، كالمخللات واستصلاح الملابس القديمة، ولعل أحد ث ما توصلت إليه النساء هو (الجمعية) بشكلها المتداول بين الجارات والموظفين.

ويرى أكاديميون أن هذه المشاريع الصغيرة انتقلت لاحقا إلى المؤسسات والشركات مع دخول النساء إلى سوق العمل.

   هذا ما تعتقد به اختصاصية الانثروبولوجيا "علم الإنسان" د. لوسين تامينيان التي ترى أن فكرة الجمعية بدأت في المجتمعات النسائية الضيقة كالجارات والقريبات منذ عقود ثم انتقلت لاحقا إلى المجتمع كاملا.

تقول "في طفولتي كنت أرى أمي والنساء الأرمنيات في اربد يجتمعن سويا لعمل جمعية بمبالغ بسيطة آنذاك مثل النصف دينار في الشهر".

وكمثال حي على هذا التحرك الإيجابي تقوم أم مروان (53عاما) التي تقطن منطقة تلاع العلي بتنظيم جمعية سنوية بشكل دوري تستمر لمدة 10 شهور بمبلغ ألف دينار.

وحول آلية تنظيمها، تخبر أم مروان أنها تجمع مائة دينار من كل مشتركة قبيل نهاية الشهر وتسلمها لصاحبة الدور، إذ غالبا ما تختار النساء المرأة الشهر الذي ستحتاج به جمعيتها مسبقا.

تقول "قد لا تستطيع المرأة الاشتراك بكامل المبلغ فتشترك اختان أو صديقتان بنفس الشهر مناصفة".

   ويرى أستاذ علم الاقتصاد في الجامعة الأردنية د. أحمد العوران أن هذه الجمعيات بكافة أشكالها وتنظيماتها هي ابتكارات أوجدها المواطن لتسهيل عمليات الاستهلاك دون التعرض للفوائد والضغوطات البنكية.

ويضيف "في غياب وجود آليات رسمية تسهل على المواطن الحصول على القروض الصغيرة تبدو هذه الجمعيات حلا مثاليا ".

فيا يعتقد أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية د. حلمي ساري أن هذه الجمعيات هي نموذج إيجابي جدا لأشكال التكافل بين الأفراد في مواجهة المعطيات الاقتصادية الصعبة.

ويعزي ساري انتشار هذه الجمعيات في الفترة الأخيرة إلى الشروط الصعبة التي تضعها البنوك بالإضافة إلى ارتفاع الفوائد، وغلاء المعيشة والنمط الاستهلاكي السائد في الأردن.

تشاركه الرأي د. تامينيان التي تعتقد أن "لانتشار النمط الاستهلاكي دور كبير في كثر الحاجة إلى مبالغ ضخمة بين الفينة والأخرى".

ويزيد العوران على الرأي السابق يقول "بالإضافة إلى الاستهلاك أمسى الانفاق في الغالب أكبر مما يستطيع الشخص توفيره لنفسه في وقت واحد".

ويشجع كل من الأكاديميين السابقين هذه المشاريع الصغيرة بشرط أن تكون الثقة في التعامل هي الغالبة.

    وكمثال على الجمعيات في المؤسسات يرى المحاسب في احدى المكاتب الحقوقية هيثم الحلو (28عاما) أن النساء بالفعل هن  أول من يبادر إلى طرح فكرة الجمعية.

ويؤكد الحلو أن الثقة هي سيد الموقف في الحالات التي تكون فيها الجمعية بين العاملين في نفس المؤسسة، لعدم امكانية التهرب من الدفع. يقول "الرواتب ترسل إلى البنوك في نفس الوقت والكل يدفع في نفس اليوم".

وفي ذات السياق تؤكد أم مروان أن جمع النقود في وقت واحد ليس دائما ما يحدث إذ كثيرا ما تتأخر احدى النساء بالدفع مما يعطل الدور أو يبطئه، وهو ما يدفعها لأن تكون انتقائية في اختيارها للمشتركات.

من جهتها ترى تامينيان أن هذه الجمعيات عادة ما تنتشر في كل من الطبقتين الوسطى والدنيا عن خط الفقر، مستثنية الطبقة المتوسطة العليا والعليا، التي لا تحتاج في العادة إلى المبالغ التي تؤمنها هذه الجمعيات.

وحول الأسباب التي تدفع إليها يقول العوران "الأسباب كثيرة ، الشباب في بداية الزواج مثلا قد يحتاج إلى مبلغ لتأمين ما يستجد من مصاريفه".

وتخبر أم مروان ومن واقع خبرتها تجزم أن الأسباب الأكثر شيوعا هو موعد الولادة، والزواج، وتجديد قطعة تالفة في المنزل، وبدايات المدارس.

وعودة إلى تامينيان التي ترى أن الجمعيات تعكس بالإضافة إلى فوائدها الاقتصادية أشكال التكافل الاجتماعي النسوي من جهة وداخل إطار الوظيفة من جهة أخرى.

   وتشير إلى أن مهارات التكيف مع البيئة غير محدودة خصوصا حين تزيد متطلبات الحياة الأساسية بالشكل الذي يمسي فيه مستوى الدخل أقل من الدخل نفسه.

ويشجع ساري هذا الاتجاه كبديل قوي عن القروض البنكية خصوصا الصغيرة منها، واصفا إياها بأنها مؤسسات مجتمعية غير رسمية تفرزها المجتمعات لمواجهة تصاعدية الظروف الاستهلاكية".

التعليق