الشاعر محمد القيسي استهوته كتابة السيرة الذاتية

تم نشره في الأحد 9 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 09:00 صباحاً

على مشارف الذكرى الثانية لرحيله

 

 

بغداد  -على مشارف الذكرى الثانية لرحيل الشاعر محمد القيسي، صدرت للناقد العراقي محمد صابر عبيد دراسة يتناول فيها "تمظهرات التشكل السير ذاتي" في كتابات الشاعر النثرية، كما دوّنها في عدد من أعماله التي تنتمي إلى هذا النوع الأدبي، وكان كتابه الأول فيه يحمل عنوان: "الموقد واللهب - حياتي في القصيدة". وجاء من بعده كتاباه: "كتاب الابن - سيرة الطرد والمكان" و "عائلة المشاة"... وهما - بحسب قراءة الناقد - يؤلفان منحىً سردياً خاصاً قابلاً للتواصل مع حلقات أخرى". وكان آخر هذه الأعمال روايته "الحديقة السرية" التي يجد الناقد فيها تداخلاً بين فنين، وان كانا متباينين سردياً، وهما: السيرة الذاتية، والرواية. بل نجده يعدّ هذا العمل"رواية سير ذاتية" انطلاقاً من كون "المتخيّل (فيها) يؤدي دوراً بارزاً في شحن الأحداث السير ذاتية بطاقة سرد روائية»، مؤسساً قراءته هذه على كون "السيرة الذاتية" تمثل أقرب أنواع الفنون الأدبية إلى ذات الأديب، إذ انها "تتعدى التعبير المجرّد المحايد عن التجارب إلى استبطان الذات" والكشف عن طبقاتها.

ويرى الناقد، في دراسته هذه، ان الشاعر القيسي يختلف عن زملائه شعراء الحداثة العربية في صوغ تجربته الشعرية، فهو ينحو فيها منـــحىً "جــــديداً لا يلتزم القواعد التقليدية في رواية الســـيرة الشعرية"، مقارناً في هذا كتابه "الموقد واللهب" بما كتبه الشعراء قبله في تجاربهم. فيذكر البياتي الذي يرى انه أخضع كتابه "لسلطة الانتخاب والتحليق الفضائي في أجواء التجربة". ويذكر صلاح عبدالصبور الذي يجد انه استجاب لسلطة الوعي في ما كتب، في حين استجاب نزار قباني- من وجهة نظر الناقد - "لسلطة الكتابة وجمالياتها". بينما يجد حميد سعيد قد انسحب "إلى تجربة القصيدة المفردة". أما القيسي فهو، في كتابه هذا خصوصاً، يكشف "عن وعي عالٍ بالأشياء والعالم مع احتفاء بوجود الآخر- المتلقي الذي يأخذ حضوره في الدراسة من خلال أكثر من صيغة وموقع، حيث يقدم الشاعر من خلاله المشهد السيري تقديماً بانورامياً شاملاً.

أما في كتابي (عائلة المشاة) و (كتاب الابن) فان أبرز ما يستوقف الناقد في قراءته لهما ان (الحس الجمعي) يندفع في سيرة الشاعر ليأخذ دوره في ربط الذات بعصب القضية.

ولا يقف الناقد في دراسته النقدية هذه عند حدود وصف الأعمال التي يقرأ، بل نجده يدخل بها، من خلال قراءة نقدية معمقة، في صميم عملية تحليلية تحدد العناصر المكوّنة للتجربة- التجربة الشعرية وتجربة الكتابة السير ذاتية- والأخرى المؤثرة تأثيراً فاعلاً في هذا التكوين. فضلاً عن انه يتخذ من السيرة أساساً يقيم عليه قراءته النقدية للتجربة الشعرية، ليس فقط في ما لها من ابعاد موضوعية، وانما يتناول في قراءته التجربة الشعرية العملية الفنية في القصيدة.. ويأخذ البعد التحليلي لعناصر التكوين هذه كثافته في الدراسة، إذ ينظر إلى بعض الاشكالات التي تعتور التكوين الفني لهذه السيرة، ومنها: اشكالية الزمن التي ترتبط عند القيسي بالفقد والرحيل... "فالماضي الذي تستعيده الذاكرة لحاضر الكتابة هو زمن للفقد والحرمان يدفع باتجاه الرحيل المتواصل". وهناك، أيضاً، حضور المرأة التي يجدها الناقد تشكل، في كتابات القيسي هذه، مفصلاً سيرياً للحياة والابداع. من خلال ما تحظى به من حضور متنوّع في سيرته.

إلى جانب هذا، فان ما يأخذ باهتمام الناقد في فصول الكتاب كلها هو البحث في العلاقة بين رؤية الحياة ورؤية الكتابة، إذ يجد الشاعر، في كل ما كتب من أعمال سير- ذاتية، مرّة، والتحليل المنطقي الفلسفي ثانية... ليخلص، من هذا، إلى القول في ما كتبه الشاعر من أعمال اتخذت هذا المنحى، بصعوبة "التمييز العلمي المقنع والنهائي بين السيرة الذاتية والمذكرات والسيرة والرواية الشخصية وقصـــيدة السيرة الذاتية واليوميات الخاصة والرسم الذاتي أو المــــقالة، فضلاً عن علاقة الـــسيرة الذاتية بالرواية" - مع ان الرواية تعدّ من "أكثر الأشكال الفنية قرباً من السيرة الذاتية"، في الأقل من حـــــيث البناء الفني في كل منهما... وهناك من يرى "ان الرواية بحكم طبيعتها (الاجناسية) الفاعلة المشتغلة في فضاء التخييل تساعد في تحرر الكاتب من ضغط الادلاء بمعلومات أو اعترافات داخل فضاء تخييلي للكشف عنها وتسويقها سردياً".

يبقى أن نقول: ان هذه الدراسة وقد جمعت بين التأصيل النظري للكثير مما يتصل بفن السـيرة الذاتية، والقراءة النقدية الاجرائية للأعمال السير- ذاتية للشاعر موضوع الدراســـة.. فان الجانب الآخر المهم فيها هو ذلك (المعجم) الذي ألحقه بها لـ (مصطلحات السيرة)، مقدماً فيه تسعة وثلاثين مصطلحاً تتصل جميعها بهذا الفن... "منها ما هو معروف وعامل في الدراسات النقدية الـعربية قديماً وحديثاً، ومنها ما هو حديث اقتضته ضرورات الاتصال بين الفنون الأدبية المختلفة".. وهو، في الحالتين، يقدم نموذجاً لعمل معجمي متخصص أراد الباحث ان يقدم منه "مثلاً" و "مقترحاً" في تشكيل المصطلح النقدي وبنائه مفهوماً.. داعياً زملاءه، من النقاد والدارسين، إلى استكماله.


 

التعليق