محمود درويش: الوطن ليس بحاجة إلى براهين شعرية

تم نشره في الثلاثاء 4 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 08:00 صباحاً
  • محمود درويش: الوطن ليس بحاجة إلى براهين شعرية

  يوسف الشايب

   رام الله – "لست من الذين ينظرون إلى المرآة برضى .. المرآة هنا هي انكشاف الذات في صورة صارت ملكاً لغيرها، أي صار من حق غيرها أن يبحث عن ملامح ذاته فيها، فإذا وجد ما يشبهه فيها أو يعنيه من تعبير وتصوير قال هذا أنا، وإذا لم يحصل على شراكة في النص (الصورة) أشاح بوجهه قائلاً: لا شأن لي" .. بهذه العبارات بدأ محمود درويش حديثه، أمام محبيه الذين جاءوا من رام الله وغيرها من مدن الضفة الغربية إلى مركز خليل السكاكيني الثقافي، بحثاً عن توقيع قلم طالما أحبوه، وجعلوه هويتهم.

درويش في هذا الديوان ينتصر للإنسان والحياة، ويتحدث عن أشكال مقاومة جديدة بعيداً عن "سجل أنا عربي"، وعن هذا يقول: أعلم أن مجموعتي الشعرية الجديدة، كسابقاتها، ستزود خصومي الكثيرين بمزيد من أسلحة الاغتيال المعنوي الشائعة في ثقافة الكراهية النشطة .. سيقال، كما قيل ويقال إني تخليت عن "شعر المقاومة"، وهنا سأعترف أمام القضاة المتجهمين بأنني فعلاً تخليت عن كتابة الشعر السياسي المباشر محدود الدلالات، كما كنت أكتب بعضه في الستينيات، "لا لأن الظروف تغيرت، ولأننا انتقلنا من المقاومة إلى المساومة، كما يزعم فقهاء الحماسة، بل لأنه على الأسلوب الشعري أن يتغير باستمرار، وعلى الشاعر ألا يكف عن تطوير أدواته، وعن توسيع أفقه الإنساني، وألا يكرر ما قاله عشرات المرات، لئلا تصاب اللغة الشعرية بالإرهاق والشيخوخة والنمطية، وتقع في الفخ المنصوب لها، وهو أن تتحشر في القول الواحد المكرر".

ويتساءل درويش مستنكراً: هل هذا يعني التخلي عن روح المقاومة بمعناها الواسع في الشعر، أما عن مفهوم آخر للمقاومة سوى القول "سجل أنا عربي" .. ليس من الضروري لا شعرياً ولا عملياً أن يقول المقاوم إنه يقاوم، وليس من الضروري أن يقول العاشق دائماً إنه يعشق.

   ويروي درويش حكايته مع ما يعرف بـ"شعر المقاومة"، فيقول: سمانا غساني كنفاني شعراء مقاومة دون أن نعلم أننا كذلك، كنا نكتب حياتنا كما نعيشها ونراها، ونكتب أحلامنا بالحرية، وإصرارنا على أن نكون كما نريد .. وكنا نكتب قصائد حب للوطن، ولنساء محددات، فليس كل شيء رمزياً، وليس "كل ساق شجرة ناحلة خصر امرأة أو بالعكس".

ويخلص درويش إلى ما يريد حين يقول: الشعر المعبر عن سماتنا الإنسانية وهمومنا الفردية، والتي هي ليست فردية تماماً في سياق الصراع الطويل، يمثل البعد الإنساني الذاتي لفعل المقاومة الشعرية، حتى لو كان شعر حب أو طبيعة، أو تأملاً عابراً في وردة كسرت حجراً .. ليس صحيحاً أنه ليس من حق الشاعر الفلسطيني أنا يتأمل الغروب من على تلة، وأن يصغي إلى نداء الجسد والناي البعيد، إلا إذا ماتت روحه وروح المكان في روحه، وانقطع حبل السرة بينه وبين شرطه الإنساني، فالفلسطيني ليس مهنة أو شعاراً، إنه في المقام الأول كائن بشري يحب الحياة، وينخطف بزهرة لوز، ويشعر بالقشعريرة من مطر الخريف الأول، ويمارس الحب تلبية لشهوة الجسد الطبيعية، وينجب الأطفال للمحافظة على الاسم والنوع، وهذا يعني أن الاحتلال لم ينجح في محو طبيعتنا الإنسانية، ولم يخضع لغتنا وعواطفنا إلى ما يريد لها من جفاف أمام الحاجز.

   وفي ذات الاتجاه يرى درويش أن "الوطن ليس بحاجة إلى براهين شعرية، كما إن الشعر ليس بحاجة إلى براهين وطنية، فعلاقة الشعر بالوطن لا تتحدد بإغراق الشعر بالاسم والخارطة والعلم .. إنها علاقة لا تحتاج إلى برهان يومي، فهي علاقة سليقة ووعي وإرادة، فالشعر الوطني الرديء قد يسيء إلى صورة الوطن الذي يشمل الصراع فيه وعليه مستويات إبداعية لم ننتبه إليها دائماً، لذا فإن حاجتنا إلى تطوير التعبير عن الجوانب الإنسانية في حياتنا العامة والخاصة لتطوير جماليات الشعر وأدبية الأدب، وإتقان المهنة الشاقة والانسجام مع المعايير الأدبية العامة لا إلى خصوصية الوضع الفلسطيني، هو فقط ما يؤهل أدبنا للوصول إلى منبر الحوار الإبداعي مع العالم.

قصيدة النثر

   ويرى درويش أن الأزمة التي يعيشها الشعر هذه الأيام، إن وجدت، هي "أزمة شعراء"، ويقول: قد اتهم مجدداً بمعاداة الحداثة التي يعرفها العصابيون بمعيارين، الأول انغلاق الأنا على محتوياتها الذاتية دون السماح للداخل بالانفتاح على الخارج، والثاني إقصاء الشعر الموزون من جنة الحداثة، فلا حداثة، حسب هؤلاء، خارج قصيدة النثر، وتلك مقولة تحولت عقيدة، يكفر من يقترب من حدودها، وكل من يسائل الحداثة عما وصلت إليه، يتهم بمعاداة قصيدة النثر.

ويتابع درويش: لم أتوقف يوماً عن القول بأن قصيدة النثر التي يكتبها الموهوبون، هي من أهم منجزات الشعر العربي الحديث، وإنها حققت شرعيتها الجمالية من انفتاحها على العالم، وعلى مختلف الأجناس الأدبية، لكنها ليست الخيار الشعري الوحيد، وليست الحل النهائي للمسألة الشعرية التي لا حل نهائياً لها، فالفضاء الشعري واسع ومفتوح لكل الخيارات التي نعرفها والتي لا نعرفها، ونحن القراء لا نبحث في التجريب الشعري المتعدد إلا عن تحقق الشعرية في القصيدة، مهما كان شكلها.

متعة

   وأكد درويش على ضرورة عدم التغاضي عن أن الشعر "متعة وصنعة وجمال، وأنه فرح غامض للتغلب على الصعوبة والخسارة، وأنه رحلة لا تنتهي إلى البحث عن النفس في مجهول الذات الإنسانية".

وختم صاحب "كزهر اللوز أو أبعد" حديثه بالقول: أنا هنا لا أدافع عن كتابي الجديد الذي لم يعد لي منذ خرج مني وأدخلني في مأزق السؤال الفادح: ماذا بعد .. فلندافع عن حق الشعراء، كل الشعراء، في البحث عن شعر جديد، ينقي الشعر مما ليس منه، فإن شقاء التجدد المتعثر، أفضل من سعادة التقليد المتحجر.

التعليق